الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور   (شافع بن علي)

القسم: التاريخ


الكتاب: الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور

المؤلف: شافع بن علي الكاتب العسقلاني المصري (649 - 730 هـ)

المحقق: الأستاذ الدكتور عمر عبد السلام تدمري

الناشر: المكتبة العصرية للطباعة والنشر، بيروت - لبنان

الطبعة: الأولى، 1418 هـ - 1998 م

عدد الصفحات: 211

[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

تاريخ النشر بالشاملة: 13 جُمادَى الآخرة 1442

الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور

 

تأليف

شافع بن علي الكاتب العسقلاني المصري

(649 هـ - 730 هـ)

 

نسخة مكتبة البودليان (أكسفورد) رقم 424

 

تحقيق

الأستاذ الدكتور عمر عبد السلام تدمري
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٥)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 

‌التعريف بالمؤلّف

هو ناصر الدين شافع بن علي بن عباس بن إسماعيل بن عساكر بن شافع ابن رافع بن عبد الظاهر بن نشوان بن عبد الظاهر السعدي، الرواحي، الزنباعي.

هكذا ذكر نسبه - مطوّلا - المؤرّخ «ابن الجزري» نقلا عن كراسة كتبها «شافع» بخطّه، وفيها مولده، فهو، إذن، ينتسب إلى جدّهم الأعلى «روح بن زنباع» الجذامي، الفلسطيني، الأمير على جند فلسطين في عهد «يزيد بن أبي سفيان»، المتوفّى سنة 84 هـ(1).

ونسبة المؤلّف: الكناني، العسقلاني، المصري.

ولد ليلة الجمعة الخامس والعشرين من ذي الحجّة سنة 649 هـ. (1252 م). كان أبوه يعرف بالمولى القاضي نور الدين علي. وجدّه يعرف بالخطيب الفقيه عماد الدين أبي الفضل خطيب قلعة الجبل، ونائب دار العدل الصالحية النجمية الأيوبية.

أمّا هو فعرف بسبط القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، ووصف ب: القاضي، الإمام، العالم، الفاضل، الكامل، الأديب.

روى عن الشيخ جمال الدين بن مالك، وغيره.

روى عنه الشيخ أثير الدين أبو حيّان، والشيخ علم الدين البرزالي، وجمال الدين إبراهيم الغانمي، وغيره من الطلبة.

له النظم الكثير، والنثر الكثير، وكتب الخطّ المنسوب فأحسن وأجاد. وباشر كتابة ديوان الإنشاء بمصر زمانا إلى أن أضرّ. ويعود الفضل للأمير سيف الدين
(1) تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، للذهبي - بتحقيقنا - طبعة دار الكتاب العربي، بيروت - (حوادث ووفيات 80 - 100 هـ) ص 61 - 63 رقم 28.

الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٦)
بلبان الرومي الظاهري بتقديمه لخدمة السلطان، حيث عوّل عليه في المكاتبات، سرها وجهرها، مع صغر سنّه وكبر قدر وسنّ من في ديوان الإنشاء(1).

وكان كثير المحاضرت ويعنى بأخبار الناس والتأريخ وفنّ الأدب والنحو والترسّل والنظم.

أصيب في وقعة حمص سنة 680 هـ. بسهم نشّاب خالط دماغه، وفقد منه بصره، وبقي أعمى خمسين عاما حتى مات في شهر شعبان سنة 730 هـ. وقد خلّف نحو العشرين خزانة ملأى بالكتب الأدبية النفيسة، إذ كان جمّاعة للكتب في حياته، وكان «شهاب الدين البوتيجي الكتبي بالقاهرة» يخبر أنه كان إذا لمس الكتاب وجسّه قال: هذا الكتاب الفلاني وهو لي ملكته في الوقت الفلاني، وكان إذا أراد أيّ مجلّد، قام إلى خزانة وتناوله منها كأنه الآن وضعه هناك بيده.

زاره المؤرّخ «شمس الدين محمد بن عبد الله الجزري» في داره بالقاهرة سنة 713 هـ. فكتب عن لقائه ما نصّه:

«طلعت إلى عنده إلى داره، فلما دخلت عليه قام قائما وهو يومئذ ضرير(2). وكان تحته طرّاحة صغيرة لا تقع لأحد غيره، فشالها من تحته وقال: لا بدّ أن تضعها تحتك، فحلفت بالله تعالى أني ما أفعل. وقال لي: عندي خبر مجيئك القاهرة، ولي مدّة أشتهي مجيئك إلى عندي، وقد وقعت على رخيص. وأخرج دراهم وزعق لعبده حتى يشتري شيئا، فحلفت أنه ما يشتري شيئا فأذوقه(3)، وقلت له: ما قصدي إلاّ رؤيتك وفوائدك. فقال: كان تاريخك الذي عند الأمير نجم الدين ابن المحفدار له عندي مدّة، [فقلت]: ونحن نستفيد من فوائدك. وكنت أخذت معي كرّاسة بيضاء حتى أكتب من نظمه شيئا، فحلف أنه ما يكتب إلاّ في ورق من عنده حتى أكون أذكره بذلك، فقمت وجئت إليه بعد أيام فوجدته قد خلّى ابن حماه قد كتب لي كرّاسة فيها نسبه ومولده وشيء(4) من نظمه ونظم غيره، وحلّفني أنّ مدّة مقامي بالقاهرة لا أنقطع عنه أكثر من يومين والثالث أكون عنده، فسألته عن سبب عماه فقال: في وقعة حمص سنة ثمانين دخلت أنا وشمس الدين ابن قريش رفيقي أحد كتّاب الإنشا إلى بستان وجمعة كبيرة، فما كان إلاّ ساعة
(1) الفضل المأثور، ورقة 24 ب.

(2) في أصل النص: «ضريرا».

(3) في أصل النص: «شي فادوقه».

(4) في أصل النص: «وشيا».

الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٧)
والتتر قد دخلوا إلينا، فوقع في رأسي سهم نشّاب فاختلط دماغي ووقعت بين القتلى، وقتل كل من كان في البستان. فلما كان في الليل قمت ومشيت. ووقع لي من أوصلني إلى العسكر ومرضت وعميت، وأبقى(1) عليّ السلطان الشهيد الملك المنصور جامكيّتي التي كانت لي في الديوان، والراتب فأنا أتناوله إلى الآن»(2).

ومن شعر «شافع» بعد عماه:

أضحى وجودي برغمي في الورى عدما إذ ليس لي فيهم ورد ولا صدر

عدمت عيني ومالي فيهم أثر فهل وجود ولا عين ولا أثر(3)

وله وقد ليم على الاستكثار من شراء الكتب:

وما شغفي بالكتب إلاّ لأنها تسامرني من غير غيّ ولا ضجر

وأحسن من ذا أنها في صحابتي تجنّب تكليفي وتقنع بالنظر

وله يذكر ميله إلى فنّ النحو:

لقد ضاق صدري من مقاساة من غدا يطالع لي أو سامر همّه فكري

وعمري لولا النحو والميل نحوه لما كنت محتاجا لزيد وعمرو

ويبدو أن زوجته احتاجت إلى المال بعد وفاته، وكانت تعرف ثمن كل كتاب من كتبه، فبقيت تبيع منها إلى سنة 739 هـ. حيث غادرت القاهرة بعدها.

 

‌مؤلفاته:

اجتمع المؤرّخ «صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي» بالمؤلّف في سنة 728 هـ. بالقاهرة، وتبادلا إنشاد الشعر، والكتابة النثرية، وطلب منه «الصفدي» إجازة بجميع مرويّاته من كتب الحديث وأصنافها، ومصنّفات العلوم على اختلافها، وغير ذلك من قراءة أو سماع أو إجازة أو مناولة أو وصيّة، وصدّر استدعاءه المؤرّخ في مستهلّ جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة بقوله:
(1) في أصل النص: «وأبقا».

(2) النص في: تاريخ حوادث الزمان وأنبائه ووفيات الأكابر والأعيان من أبنائه، لابن الجزري - مخطوط كوبريلي 1037 - وقد قمت بتحقيقه ويصدر عن دار المكتبة العصرية، صيدا - بيروت، رقم الترجمة 452.

(3) الوافي بالوفيات، للصفدي 16/ 82، أعيان العصر، له (مصوّر) ج 1/ 421، الدرر الكامنة، لابن حجر 2/ 185، المنهل الصافي، لابن تغري بردي 6/ 197.

الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٨)
«المسؤول من إحسان سيّدنا الشيخ الإمام العالم المفيد القدوة، جامع شمل الأدب، قبلة أهل السعي في تحصيله والدّأب:

أخي المعجزات اللائي أبدت طروسه كأفق به للنيّرات ظهور

وما ثمّ إلاّ الشمس والبدر في السما وذاك شموس كلّه وبدور

البليغ الذي أثار أوابد الكلم من مظانّ البلاغة، وأبرز عقائل المعاني تتهادى في تيجان ألفاظه، فجمع بين صناعة السحر والصياغة. . .» إلى أن قال:

لا زال في هذا الورى فضله يسير سير القمر الطالع

حتى يقول الناس إذا أجمعوا ما مالك الإنشا سوى «شافع»

فأجابه المؤلّف برسالة نثريّة، مؤرّخة بيوم الأحد خامس عشر صفر. ذكر فيها أسماء مصنّفاته، وهي:

1 - الأحكام العادلة فيما جرى بين المنظوم والمنثور من المفاضلة.

2 - الإشعار بما للمتنبّي من الأشعار.

3 - الإعراب عمّا اشتمل عليه البناء الملكي الناصري بسرياقوس من الإغراب.

4 - إفاضة أبهى الحلل على جامع قلعة الجبل.

5 - تجربة الخاطر المخاطر في مماثلة فصوص الفصول وعقود العقول.

(ممّا كتب به عن القاضي الفاضل في معنى السعيد ابن سناء الملك).

6 - حسن(1) المناقب السريّة المنتزعة من السيرة الظاهرية.

7 - الدّرّ المنتظم في مفاخرة السيف والقلم.

8 - ديوان شعره.

9 - الرأي الصائب في إثبات ما لا بدّ منه للمكاتب.

10 - سيرة السلطان الملك الأشرف.

11 - شنف الآذان في مماثلة تراجم قلائد العقيان. (مناظرة الفتح بن خاقان).
(1) كلمة «حسن» لم ترد في الوافي بالوفيات، ولا في أعيان العصر، وهي مثبتة على النسخة الخطّيّة في المكتبة الأهلية بباريس رقم 1707 (وفي مكتبتي نسخة مصوّرة عنها)، وقد حقّقها ونشرها عبد العزيز خويطر في الرياض سنة 1976.

الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٩)
12 - شوارد المصايد فيما لحلّ الشعر من الفوايد.

13 - عدّة الكاتب وعمدة المخاطب.

14 - الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور. (وهو كتابنا هذا) وسمّاه: سيرة السلطان الشهيد الملك المنصور المتضمّنة جزءا التي حسنتها على ألسنة الرعايا متردّدة.

15 - قراضات الذهب المصرية في تقريظات الحماسة البصرية.

16 - قلائد الفرائد وفرائد القلائد فيما للشعراء العصريين الأماجد.

17 - ما ظهر من الدلائل في الحوادث والزلازل.

18 - ما يشرح الصدور من أخبار عكا وصور. (وهو نظم).

19 - مخالفة المرسوم في الوشي المرقوم.

20 - المساعي المرضيّة في الغزوة الحمصيّة. (انظر آخر الصفحة 58 ب من المخطوط)(1).

21 - المقامات الناصرية.

22 - مماثلة سائر ما حلّ من الشعر وتضمين الآي الشريفة والأحاديث النبوية في المثل السائر.

23 - مناظرة ابن زيدون في رسالته.

24 - نظم الجواهر في سيرة مولانا السلطان الملك الناصر. (وهي منظومة متضمّنة أجزاء متعدّدة)(2).

وقد أضاف الدكتور «شاكر مصطفى» إلى قائمة مصنفاته «التاريخية» كتاب:

نظم السلوك في تواريخ الخلفاء والملوك وقال إنّ «ابن الفرات» اعتمده في مواضع كثيرة من تاريخه(3). وهو تاريخ إسلاميّ مختصر ينتهي إلى سنة 806،
(1) حيث قال المؤلف: «وقد أفردت لها (أي موقعة حمص سنة 680 هـ). جزءا مستقلاّ برسم الخزانة العالية المولوية السلطانية».

(2) انظر: الوافي بالوفيات 16/ 77 - 85، وأعيان العصر 1/ 418 - 425.

(3) انظر: تاريخ الدول والملوك، لابن الفرات (مخطوط فيينا) ج 3 / ورقة 168 أ، وج 4 / ورقة 165 أ، وفيه يقول: «وقال القاضي ناصر الدين شافع بن علي سبط القاضي ناصر الدين شافع بن علي سبط القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر في تأليفه «نظم السلوك في تواريخ الخلفاء والملوك»، وقال بعض أهل التاريخ إن. . .».

الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٠)
ويستند إلى ابن الأثير، وابن أبي طيّ، وابن ميسّر، وابن واصل، وابن عبد الظاهر.

وأضاف الدكتور «شاكر» بقوله: «وثمّة شك في نسبة هذا التاريخ إلى سبط عبد الظاهر المتوفى سنة 730 بسبب امتداده إلى سنة 806، وصاحب «كشف الظنون» يعزوه إلى عبد الرحمن بن محمد (أو ابن علي) بن أحمد البسطامي الحنفي المتوفّى سنة 843، ولكن النصّ الواضح لدى ابن الفرات المتوفى 807 (قبل البسطامي بكثير) وانتهاء هذا التاريخ سنة 806 يشكّك بدوره في نسبته إلى البسطامي. فهل كان الكتاب في الأصل من عمل شافع، ثم زاد فيه البسطامي قرنا آخر أو بعض القرن ونسبه إلى نفسه؟»(1).

 

‌مصادر ترجمة المؤلف

1 - الوافي بالوفيات، للصفدي - ج 16/ 77 - 85 رقم 97.

2 - أعيان العصر، للصفدي - (مصوّر) ج 1/ 418 - 425.

3 - نكت الهميان في نكت العميان، للصفدي - ص 163.

4 - فوات الوفيات(2)، لابن شاكر الكتبي - ج 2/ 93 - 95 رقم 187.

5 - تذكرة النبيه، لابن حبيب الحلبي - ج 2/ 208، 209.

6 - درّة الأسلاك، لابن حبيب الحلبي - (المصوّر) ج 2/ 265.

7 - السلوك، للمقريزي - ج 2 ق 2/ 327.

8 - الدرر الكامنة، لابن حجر - ج 2/ 184 - 186 رقم 1922.

9 - النجوم الزاهرة، لابن تغري بردي - ج 9/ 284، 285.

10 - الدليل الشافي، لابن تغري بردي - ج 1/ 340 رقم 1169.

11 - المنهل الصافي، لابن تغري بردي - ج 6/ 196 - 198 رقم 1172.

12 - حسن المحاضرة، للسيوطي - ج 1/ 571.

13 - حوادث الزمان وأنبائه، لابن الجزري (مخطوط) - رقم الترجمة 452.
(1) التاريخ العربي والمؤرّخون - د. شاكر مصطفى - طبعة دار العلم للملايين، بيروت 1990 - ج 3/ 119.

(2) وفيه وفاة المؤلّف سنة 733 هـ. وهو غلط.

الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١١)
14 - كشف الظنون - لحاجّي خليفة - ص 1260.

15 - إيضاح المكنون - للبغدادي - ج 1/ 12 و 35 و 99 و 227 و 294 و 449 و 2/ 34 و 58 و 95 و 222 و 239 و 420 و 446 و 472 و 537 و 561 و 658 و 660.

16 - فهرس المخطوطات المصوّرة للطفي عبد البديع - ج 2/ 116.

17 - معجم المؤلّفين، لكحّالة - ج 4/ 289.

18 - القاموس الإسلامي، لأحمد عطيّة الله - ج 4/ 14.

19 - التاريخ العربي والمؤرّخون، للدكتور شاكر مصطفى - ج 3/ 118، 119.

Brockelmann - S ، 11 / 42 - 20

 

‌أهمّيّة الكتاب ومادّته

يكتسب هذا الكتاب أهمّيّته من كونه مصدرا أساسيا لحقبة من أهمّ الحقب التاريخية في صراع الشرق والغرب، إذ تؤرّخ لفترة من الحروب الصليبية، ولصفحة من العلائق بين المماليك وكلّ من الفرنج والتتار والأرمن وغيرهم، وذلك من خلال التأريخ لسيرة السلطان المنصور قلاوون. ولكون مؤلّفه مؤرّخا معاصرا، ومشاركا في مجريات بعض الأمور التي نطالعها بين طيّات كتابه. يضاف إلى هذا وذاك أنه يؤرّخ لسيرة السلطان قلاوون مؤسّس الأسرة التي حكمت دولة المماليك أكثر من مائة عام. وهو لم يحصر كتابه ضمن إطار الإثنتي عشرة سنة فقط، وهي المدّة التي قضّاها قلاوون في الحكم (678 - 689 هـ / 1279 - 1290 م). بل يؤرّخ لقلاوون منذ أن كان في الرابعة عشرة من عمره حين اختصّه لنفسه السلطان الأيوبي الملك الصالح نجم الدين أيوب، الذي استنابه أبوه السلطان الكامل محمد على مصر سنة 625 هـ / 1229 م. كما يؤرّخ لسيرته في عهد السلطان الظاهر بيبرس، مرورا بعهد شجر الدّرّ، والملك عزّ الدين أيبك التركماني، وتزويج الملك السعيد ابن الظاهر بيبرس من ابنته، وسلطنة الملك السعيد بعد وفاة أبيه الظاهر، ثم سلطنة أخيه بدر الدين سلامش، حتى تولّى هو السلطنة. ما يعني أنّ الكتاب يؤرّخ لنحو خمس وستين سنة.

ولم يقف المؤلّف بكتابه عند وفاة قلاوون سنة 689 هـ / 1290 م، بل زاد
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٢)
على ذلك سنة أخرى (690 هـ / 1291 م). وهي التي تمّ فيها فتح عكا وصور وصيدا وبيروت وتحريرها من الفرنج الصليبيين، على يد السلطان الأشرف خليل ابن قلاوون.

وفي الكتاب مجموعة من نصوص المعاهدات والمراسلات السلطانية والمكاتبات التي تعتبر من وثائق عصر الحروب الصليبية، بعضها انفرد به المؤلّف ولا توجد في أيّ مصدر آخر، وبذلك تتوفّر لدى المهتمّين بدراسة الوثائق مادّة جديدة، كما يجد المعتنون بالآداب نثرا ونظما وشعرا كميّة تضاف إلى المتوفّر من أدبيّات عصر المماليك، ومن ذلك ما كتب المؤلّف من إنشائه يبشّر بالنصر على التتار في وقعة حمص سنة.680 هـ / 1281 م(1). وما أنشده ممتدحا السلطان قلاوون بنصره في الوقعة. رغم إصابته هو بسهم نشّاب جرح جسمه وقلبه، بقصيدة مطلعها:

نجحت مساعي سيفك البتّار بالحدّ في دم أرمن وتتار(2)

وكتابته لمنشور باستقرار الأمير سنقر الأشقر بصهيون(3)، وكتاب موادعة السلطان قلاوون لخضر ابن السلطان الظاهر ونزوله من الكرك(4)، وكتابة جواب على كتاب خضر ابن الظاهر باستدعاء الأمير علاء الدين الحرّاني(5). والتهنئة بفتح طرابلس، نثرا وشعرا(6)، ورثاء السلطان قلاوون عند وفاته(7). والتهنئة شعرا بفتح عكا وصور وصيدا(8). وهي نصوص لا توجد عند غيره.

ومن الأخبار التي انفرد بها المؤلّف في الكتاب خبر وجود مكاتبين نصحاء للسلطان قلاوون داخل طرابلس الشام وهي تحت حكم الفرنجة الصليبيّين. ومحاولة الفرنج التنكّر بزيّ التتار لإيهام المسلمين وخداعهم(9). ومحاججته بنفسه لرسول فرنجة طرابلس بشأن عرقة القريبة منها(10). ووصفه لحصن المرقب(11)، ما يعني أنه رآه قبل أن يفقد بصره في سنة 680 هـ. وفتواه للسلطان الأشرف خليل بفسخ الهدنة مع الفرنج في عكا(12).
(1) الفضل المأثور، ورقة 52 ب، 53 أ.

(2) الفضل المأثور، ورقة 57 أ، ب.

(3) الفضل المأثور، ورقة 64 أ.

(4) الفضل المأثور، ورقة 100 ب، 101 أ.

(5) الفضل المأثور، ورقة 102 ب.

(6) الفضل المأثور، ورقة 113 ب.

(7) الفضل المأثور، ورقة 120 ب.

(8) الفضل المأثور، ورقة 134 ب.

(9) الفضل المأثور، ورقة 49 أ.

(10) الفضل المأثور، ورقة 109 أ.

(11) الفضل المأثور، ورقة 105 ب، 107 أ.

(12) الفضل المأثور، ورقة 128 ب، 129 أ.

الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٣)
‌وصف المخطوط وتحقيقه

توجد من المخطوط نسخة فريدة في مكتبة البودليان بإكسفور، رقم 424، وتتألّف من 136 ورقة، وهي في الأصل نسخة خزائنية برسم الخزانة العالية للسلطان المنصور قلاوون، مسطرتها 21 × 14.5 سم. في الصفحة 13 سطرا، وفي السطر 11 كلمة، وهي بخط الثلث، جيّدة واضحة، ذهبت الأرضة بقليل من الكلمات في الصفحة الأولى. وهي قليلة الحواشي، إلاّ أنّ النصّ يحتوي على كثير من الأخطاء والأغلاط النحوية واللّغويّة. وقد تركتها كما وردت للحفاظ على لغة الكتاب، ونبّهت إلى الأغلاط وصوابها في الحواشي. وقابلت مادّة الكتاب على عدّة مصادر، وأوضحت أماكن الاختلاف، مع شرح الألفاظ والمصطلحات، والتعريف بأعلام الأشخاص والأماكن.

وفي الكتاب فقرات ومواضيع لها عناوين، وفقرات ومواضيع كثيرة أخرى من غير عناوين، قمت بوضع عناوين لها بين حاصرتين []، أمّا الكلمات التي وردت في الأصل على الهامش أو بين السطور فقد وضعتها في أماكنها بالمتن بين قوسين (). وألحقت بآخر الكتاب عدّة فهارس، ليكتمل بذلك هذا العمل.

ويسعدني أن أقدّم هذا الكتاب محقّقا لأول مرة لينضمّ إلى تراث أمّتنا الخالد والله الموفّق.

 

18 جمادى الثاني 1418 هـ / 20 تشرين الأول 1997 م.

عمر عبد السلام تدمري

طرابلس المحروسة
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٥)
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور سيف الدنيا والدين سلطان الإسلام والمسلمين أبي الفتح قلاون خلّد الله سلطانه برسم الخزانة العالية المولويّة المخدومية المالكيّة الشهابيّة عمّرها الله تعالى ببقائه خدمة المملوك المنصوري

شافع بن علي الكاتب (649 - 730 هـ) استفاد منه أحمد بن علي لطف الله (به)
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٧)

ورقة غلاف الكتاب «الفضل المأثور»
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٨)
الورقة الثانية من «الفضل المأثور»
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٩)
الورقة 37 من «الفضل المأثور»
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٢٠)
الورقة الأخيرة من «الفضل المأثور»
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٢١)
المطالعات في آخر «الفضل المأثور»
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٢٣)
‌[مقدمة المؤلف]

/ 2 أ / بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وما توفيقي إلاّ بالله الحمد لله الذي أعزّ الإسلام وأهله بأعزّ سلطان. وجبلهم منه بمن وقف عند أمر الله فلم يتجاوز في حكمه العدل وفي اقتداره الإحسان. وخوّلهم خير ملك يكبره العيان. ويتنزّه في منظره ويتمتّع بمخبره كلّ إنسان. وأراد بهم خيرا فولي عليهم خيارهم فقرن الاقتتان، من جميل خلقه وخلقته بالإقتان. وجعلهم رعيّة لخير راع لم يزالوا من عنايته بأعزّ مكان. وعمّهم بفيض إنعامه حتى غدى(1) المقلّ بسوابغها وهو ذو إمكان. نحمده على جزيل الامتنان.

ونشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له الرحيم الرحمن. ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي محى(2) (الله)(3) بدين مبعثه سائر الأديان. صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة لا تزال حلية اللسان. وسلّم تسليما كثيرا.

وبعد، فإنّ سير الملوك الصّيد نزهة من (. . .)(4) وذكرى من اذّكّر، وعبرة لمن اعتبر. وأعوذ. . . . . . مثاله، ودليل على سداد الملك في أقواله / 2 ب / وأفعاله، وهو عنوان سطور علاه، ودرج لا درج مودع ثمين حلاه، وشاهد بحزمه، وموضح قوّة عزمه، وسمير يؤنس بحديثه، وجليس يستفهم منه (كنه)(5) قديم (عزّ) (5) سلطانه وحديثه. لا سيما إذا كان ملكا هماما، وسلطانا فضلت أيامه بالعدل والإحسان أياما فأيّاما. وجوادا إن استمطر كفّه كان غماما. وإن اعتبرت قلائد مننه اتّسقت نظاما. وإن ذكرت فروسّيته كانت أعلا(6) من عنتر وعبسيّته، ومن البطّال(7)
(1) الصواب: «غدا».

(2) الصواب: «محا».

(3) كتبت فوق السطر.

(4) كلمة مطموسة.

(5) عن الهامش.

(6) الصواب: «أعلى».

(7) هو أبو محمد عبد الله البطّال، أحد الغزاة المجاهدين والأبطال الذين يضرب بهم المثل. كان يغزو الروم في إقليم الثغور. قتل في سنة 122 هـ. (تاريخ الطبري 7/ 191) وقيل 121 هـ. (تاريخ خليفة بن خيّاط 352 وتاريخ الإسلام (121 هـ 140 هـ). ص 6، والبداية والنهاية 9/ 334، والنجوم الزاهرة (1/ 286) ويقال كنيته: أبو يحيى.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٢٤)
وفروسيّته. وإن تلمّحت آراؤه(1) ألفي الصواب مكتنفا بجوانبها، والسّداد محيطا بمذاهبها.

كمولانا السلطان الملك المنصور، السيّد، الأجلّ، العالم، العادل، المؤيّد، المظفّر، سيف الدنيا والدين (سلطان الإسلام والمسلمين)(2)، قامع الخوارج والمتمرّدين، محّيي العدل في العالمين، أبي الفتح قلاون الصالحي، خلّد الله ملكه، فإنه أتمّ الملوك خلقا وخلقا، وأحسنهم وجاهة ووجها طلقا، وأطوعهم باعا، وأجلّهم أوضاعا، وأكثرهم إقداما، وأثبتهم أقداما، وأشرفهم أياما، وأوفرهم من العدل / 3 أ / والإحسان أقساما. وقد تدارك الله به الأمّة، وأوضح به سداد أحوالهم وقد كان أمرهم عليهم غمّة. فكان نصر الله فجاء هو والفتح المبين، وسببه إلاّ أنه السبب المتين.

ملك أغاث الله إذ وافا(3) به بعد ما كادت تزيغ قلوب

وأتى ونيران الضغائن تصطلى وبها قلوب المخلصين تذوب

فيه وقد أمّ الرعيّة أخمدت ولقد لها لولا سطاه لهيب

وكنت قد باشرت خدمته كاتب إنشاء سفرا وحضرا، ووردا وصدرا، ومعاني وصورا، وآيات وسورا، وخبرا وخبرا، وتأثيرا وأثرا. وكتبت عنه سرّا وجهرا. وشهدت وقائعه برّا وبحرا. واطلعت على ما لم يطّلع عليه غيري بمشافهته. وعلمت من أحواله ما لم يعلمه إلاّ كاتب سرّه بوساطة مشاركته. وحضرت مهادنته وموادعته. وكتبت بما استقرّ منها، وحرّرت نسخ الأيمان له وعليه. وأوضحت من شكوكها مبهمه، فأوجب على ذلك أن أسطّره (عند المثول بين يديه)(4) محاسن أيامه الزاهرة، وأن أثبّتها لتغدو على ألسنة الأقلام على الدوام والاستمرار سائره، وأنا أشرع وبالله التوفيق.
(1) في الأصل: «آراه».

(2) ما بين القوسين عن الهامش.

(3) الصواب: «وافى».

(4) ما بين القوسين عن الهامش.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٢٥)
‌ذكر ابتداء أمر مولانا السلطان

أجمع الناس قاطبة ممّن عاصرته أنّه لم يرد البلاد في جلبة من الجلبات أحسن منه ولا أكمل، ولا أبهى ولا أجمل، ولا أتمّ خلقة ولا خلقا، ولا أصوب صمتا ولا نطقا. ولهذا ازدحمت عليه عند وصوله وهو ابن أربعة عشر(1) سنة أرباب الرغبات، وبذلت فيه الألوف من الذهب وأجلّته عن الماآت. فكان الألفيّ قامة، والألفيّ قيمة، وإنّه لأعلى وأغلى، والبدريّ صورة، والبدريّ سعرا، وإنّ محلّه لأجلّ وأعلا(2).

كان، خلّد الله سلطانه، عظيم الوجه والجهه، مزهر اللّون فدونه الزهرة والحيهه، غليظ المنكبين، مخرزم العينين. تامّ القامة، لم يزل عليه للسلطنة علامه، مهاب الشخص، لا يرى المتبع في تمام خلق الله فيه من نقص. ارتجعه السلطان السعيد الشهيد الملك الصالح / 4 أ / نجم الدين أيوب بن السلطان الملك الكامل ناصر الدين محمد بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب. واختصّه لنفسه، واختاره لعظيم جنسه، وادّخره ليومه من أمسه، وحدس فيه وراثة الملك فما خاب في حدسه. وكبر في دولة الملك الصالح المذكور على صغر سنّه، وظنّ فيه خيرا فكان عند حسن ظنّه.

ولمّا توفي السلطان الملك الصالح إلى رحمة الله صارت خوجد اشيّة(3) له تبعا، والتفّوا عليه مقتدين به فلا يقفون إلاّ إن وقف ولا يسعون إلاّ إن سعى.

وقامت شجر الدّرّ(4) أمّ خليل بعد سيّدها الملك الصالح وهو على حاله
(1) الصواب: «أربع عشرة».

(2) الصواب: «وأعلى».

(3) خوجداشية - خوشداشية - خشداشية - فارسية معرّبة من: خوشداش بمعنى الزميل في الخدمة. ولقّب الأمراء المماليك الذين نشأوا عند سيّد واحد بالخشداشية. (معجم الألقاب والمصطلحات التاريخية 162) ويقابلها في الفرنسية: Camarades .

(4) ستأتي مصادر ترجمتها في أواخر الكتاب.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٢٦)
من التعظيم، واستولى الفارس أقطاي خوجداشه وهو عنده في غاية التبجيل والتكريم.

وملك الملك المعزّ عزّ الدين أيبك(1) التركماني الجاشنكير(2) الصالحي وهو عنده بأعلا(3) رتبه، وأسمى هضبه. وصار الملك لولده قاقان وهو بالمحلّ الأسنى من دولته، والمكانة العظمى من مملكته.

وإلى الملك المظفّر سيف قطز(4) / 4 ب / المعزّي وهو المشار إليه، والمعوّل في عقد المشور وحلّه عليه. وما من خشداشيّته إلاّ من اعتقل، وعن رتبته من التعظيم إلى ما ينافيه نقل. إلاّ مولانا السلطان فإنه لم تمتدّ إليه يد انحطاط قدر في دولة من هذه الدول. ولا تخلّل عظم قدره خلل. بل لم يزل أميرا يستشار، وكبيرا إليه يشار.

ثم جاءت دولة السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس(5) الصالحيّ، فأخذه بكلتي يديه، واعتمد في استقرار ملكه عليه، وجعله رأس مشورة، وخير مبتدئه ومبتدأ خبره. واعتمد معه ما لم يعتمده ملك مع أمير، ولا سلطان مع مشير.

 

‌ذكر الأمور التي اعتمدها الملك الظاهر معه

منها: إنه لم يقدّم شيئا عند تمام ملكه على تكثير عدد إمرته، وأجناد رتبته، وجودة أقطاعه، وتوفير جملة أرزاقه المناسبة لكثرة / 5 أ / أتباعه، وقدّمه على المئين(6)، واعتمد منه على القويّ المكين. وأنزله منه منزلة الشقيق، والصديق الشفيق.
(1) أنظر: النور اللائح، لابن القيسراني - بتحقيقنا - ص 56 هـ طبعة دار الإنشاء، طرابلس 1982.

(2) الجاشنكير: لفظ فارسيّ معناه: متذوّق الطعام. أطلق في العصر الأيوبي واستمرّ حتى العصر العثماني على المتحدّث على مأكول السلطان وشرابه والمسوؤل عن سلامته وخلوّه من السّموم، وأصبح من أخصّ موظّفي قصر السلطان: (حدائق الياسمين لابن كنان - ص 132).

(3) الصواب: «بأعلى».

(4) هو الثالث من ملوك الترك بالديار المصرية. استولى على السلطنة في سنة 657 هـ. وقتل في سنة 658 هـ. وستأتي مصادر ترجمته في موضعها من الكتاب.

(5) هو الرابع من ملوك الترك بالديار المصرية. استولى على السلطنة بعد مقتل قطز. في سنة 658 هـ. وبقي حتى توفي سنة 676 هـ. وستأتي مصادر ترجمته في موضعها من الكتاب.

(6) كتبها في الأصل: «المإين».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٢٧)
ومنها: إنه تولّى أمر زواجه بنفسه، واختار له من يناسب علوّ جنسه. وكان من أمراء دولة الملك الظاهر (الأمير)(1) سيف الدين كرمون، وكان هذا المذكور من مقدّمي تمانات(2) التتار في أيام هولاكو (لعنه الله)(3) وأجلّهم عنده قدرا، وأكبرهم إمرة وأمرا. وألحقهم بعظمه، وأوسمهم بوسمه. فقصد المذكور دار الإسلام، ووفد على الملك الظاهر بوجه وضّاح وثغر بسّام. فتلقّاه بما يليق بمثله، وأجلّه بما يناسب عظيم محلّه. وجعله من أكابر أمراء الطبلخانات وراى لعظم قدره وقدومه، فوفّر لديه حسان الحسنات، فرأى الملك الظاهر أن يناسب، فخطب لمولانا السلطان إبنه المذكور مشافها بخطبة خطبتها، مواجها لأبيها من غير واسطة، موردا شريف نسبته ونسبتها، فأجاب، / 5 ب / ولدعاء رغبته استجاب. وقرّر بنفسه معه مهرها، وحمله من ماله عنه. ورأى أنّ ذلك تفضّلا من مولانا السلطان لا منه. ثم أمر مولانا السلطان بمنظرة الشرف الأعلى المعروفة بالكبّش فهيّئت(4)، وبأحسن الزينة زيّنت. وبفساقيها فملئت(5) جلاّبا. وبنواحيها فشحنت شرابا. ووقدت قرم العود، وفتّتت أكر العنبر فكان إلى السماء ما لدخانه من الصعود. ورشّ الناس بالماورد المطيّب بالمسك إلى أن ضمّخت أردانهم، ودارت هنابات المخلوطات من العطريّات إلى أن شملت ولم يخصّ بها أعيانهم، ووقدت الشموع في كثرتها، وعبّي السكريح أهراما فراقت بهجتها. كلّ ذلك من مال مولانا السلطان (بمباشرة)(6) غلمانه وأستاداريّته(7). وحضرت القضاة والقرّاء والوعّاظ والمدرسون(8)، وتمّ العقد على أحسن الصّور.

ومنها: إنه لما عزم مولانا السلطان / 6 أ / على الدخول بهذه الزوجة أمر الملك الظاهر بضرب دهليز تحت قلعة الجبل بسوق الخيل يوم العرس، ومدّ فيه سماط من
(1) كتبت فوق السطر.

(2) تمانات - طمانات، مفردها: تمان: أو طمان، وهو القائد على عشرة آلاف رجل.

(3) عن الهامش.

(4) في الأصل: «فهمت».

(5) في الأصل: «فملت».

(6) عن الهامش.

(7) الإستدار - أستدار: من الأصل الفارسي: أستاد، أو أستاذ. وهو المعلّم أو العالم القدير في العلم أو الفنّ. دخلت منذ العصر العباسيّ، وتطوّر معناها حتى أصبح في عصر المماليك لقبا للأمير المسؤول عن رعاية بيوت السلطان وشؤونه الخاصة. (حدائق الياسمين 131).

(8) في الأصل: «المدرون» وهو سهو.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٢٨)
مال الملك الظاهر. وحضرت الأمراء على طبقاتهم، وجاءت التقادم بأمر الملك الظاهر على قدر نفوسهم وهمّاتهم، لمولانا السلطان فقبلها، وبالجبر استقبلها.

ومنها: إصطفاء الملك الظاهر له بأن جعله نسبا وصهرا، واختيار جهته(1) لولده الملك السعيد بركة قان إذ كان به أدرب وأدرى(2).

 

‌ذكر الصورة في زواج

السلطان الملك السعيد بجهة(3) مولانا السلطان

لما عهد الملك الظاهر لولده المذكور بالملك والسلطان، وعوّل عليه في كفالة الرعيّة لما توسّمه فيه من العدل والإحسان. وتمّت بيعته، وسارت سمعته. وحلفت له العساكر مصرا وشاما، وأعمل شياع البيعة فيه / 6 ب / ألسنة وأقلاما. رأى الملك الظاهر أن يحصنه بالزواج، ويحسنه بحسن الازدواج، واستخار الله له فخار، ودلّه على من لا فوق فخاره فخار. وهي جهة مولانا السلطان فخطبها بأحسن خطاب، ودعا صلتها بأتمّ عائد من سفرائه فأجاب، ولما حصلت الإجابه، وصادف الرأي الإصابه. وهيّأ الإيوان الكبير الذي بقلعة الجبل المجاور لجامعها كما وصفناه، وعبّيت فيه قصور الذهب والفضّة. والذهب المعرّم في الأطباق للنثار، وحضر الملك الظاهر والأمراء والقضاة كما وصف.

وكان كاتب الصّداق الصاحب محيي الدين عبد الظاهر خالي. ونسخته من إنشائه، رحمه الله، وكان من أجلّ الكتّاب، وأبلغ ذوي الآداب، (وأفصح أرباب الخطبة والخطاب)(4). ومن عشّه درجت، ومن بين يديه تخرّجت. وهو

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله موفّق الآمال لأسعد حركه، ومصدّق الفال لمن جعل / 7 أ / عنده
(1) الجهة: الزوجة، وهو لفظ يطلق على الحريم السلطاني.

(2) كان عقد النكاح يوم الخميس 12 من ذي الحجّة 674 هـ. أنظر عنه في: تاريخ الملك الظاهر 134، 135، والروض الزاهر 449 هـ 452، وحسن المناقب، ورقة 140 أ، والمختصر لأبي الفداء 4/ 9، ونهاية الأرب 30/ 223 - 227، والدرّة الزكية 717، وذيل مرآة الزمان 3/ 119، وتاريخ ابن الوردي 2/ 223، والبداية والنهاية 13/ 270، والجوهر الثمين 280، وعيون التواريخ 21/ 75، والسلوك ج 1 ق 2/ 623، وعقد الجمان (2) 146 - 149، والنجوم الزاهرة 7/ 165، وتاريخ ابن سباط 1/ 440، وبدائع الزهور ج 1 ق 1/ 335 (سنة 673 هـ).

(3) كتبت فوق السطر.

(4) عن الهامش.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٢٩)
أعظم بركه، ومحقّق الإقبال لمن أصبح نسيبه سلطانه وصهره ملكه. الذي جعل للأولياء من لدنه سلطانا نصيرا، وميّز أقدارهم(1) باصطفاء تأهيله حتى جازوا نعيما وملكا كبيرا. وأفرد فخارهم بتقرّب(2) حتى أفاد شمس آمالهم ضياء(3) وزاد قمرها نورا، وشرّف به وصلتهم حتى أصبح فضل الله بها عليهم عميما وإفضاله كثيرا(4). مهيّئا أسباب التوفيق العاجلة والآجلة، وجاعل(5) ربوع كل أملاك من الأملاك بالنور من الشموس(6) والبدور والأهلّة آهلة. جامع أطراف الفخار لذوي الآثار(7) حتى حصلت لهم النعمة الشاملة، وحلّت عندهم البركة الكاملة.

نحمده على أن أحسن عند الأولياء بالنعمة الاستيداع، وأجمل بتأهّلهم(8) الاستطلاع، وكمّل لاختيارهم الأجناس من العزّ والأنواع، وأتى(9) آمالهم بما لم يكن في حساب أحسابهم من الابتداء بالتخويل والابتداع.

ونشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له / 7 أ / (شهادة حسنة الأوضاع، مليّة بتشريف الألسنة وتكريم الأسماع)(10)، ونصلّي على سيّدنا محمد الذي أعلا(11) الله به الأقدار، وشرّف به الموالي والأصهار. وجعل كرمه دار النعم في كل دار(12)، وفخره على من استطلعه من المهاجرين والأنصار، مشرق الأنوار، صلّى الله عليه وعليهم صلاة زاهية الأزهار. يانعة الثمار.

وبعد، فلو كان اتصال كلّ شيء بحسب المتصل به في تفصيله، لما(13) استصلح البدر شيئا من المنازل لحلوله، ولا الغيث(14) شيا من الرياض لهطوله،
(1) في حسن المناقب، ورقة 140 ب: «ومشيرا قد أثرهم باصطفا».

(2) في حسن المناقب، ورقة 140 ب: «فخاره بتقريبه».

(3) في الأصل: «ضيئا».

(4) في حسن المناقب: «حتى أصبح فضل الله عليهم بها عظيما وإفضاله كبيرا».

(5) في حسن المناقب: «وعاجل».

(6) في حسن المناقب: «من الأملاك للشموس».

(7) في حسن المناقب: «الإيثار».

(8) في حسن المناقب، ورقة 141 أ: «وأجمل لتأملهم».

(9) في حسن المناقب: «التي».

(10) ما بين القوسين ورد في: حسن المناقب.

(11) الصواب: «أعلى».

(12) في حسن المناقب: «وجعل كرمه دارا لهم في كل دار».

(13) في حسن المناقب: «لم».

(14) في حسن المناقب: «لنزوله ولا كعيت».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٣٠)
ولا الذّكر الحكيم لسانا من الألسنة لترتيله(1). لكن، ليتشرّف(2) بيت يحلّ به القمر، ونبت(3) يزوره المطر، ولسان يتعوّذ بالآيات والسّور(4). ولذلك تجمّلت برسول الله صلى الله عليه وسلم أصهاره من أصحابه، وتشرّفت أنسابه(5) بأنسابه، وتزوّج صلى الله عليه وسلم منهم وتمّت لهم مزيّة الفخار، حتى رضوا عن الله ورضي (الله)(6) عنهم. والمرتّب على هذه القاعدة (إفاضة)(7) نور يشهده(8) الوجود، وتقرير أمر / 8 أ /) يقارن سعد الأخبية (منه)(9) سعد السعود، وإظهار خطبة تقول الثريّا لانتظام(10) عقودها: كيف، (وإبرام وصلة يغبظ السيف المجوهر بها كلّ سيف. ونسج صهارة يتمّ بها إن شاء الله كلّ رأى سديد)(11)، ويتّفق بها (كل)(12) توفيق تخلق الأيام(13) وهو جديد، ويختار لها (خير طالع وكيف لا يختار من الطوالع السعيد. وذلك بأنّ مراسيم من هو مفترض الطاعة أرادت تخصّ أكبر الأولياء بالإحسان المبتكر، وتفرده بالموهبة التي رهب بها منه الحدّ المنتضى ويعظم الجدّ المنتظر. وأن يرفع من قدره بالصّهارة مثلما رفعه النبيّ صلى الله عليه وسلم بالصّهارة من قدر صاحبيه وظهريه أبي بكر وعمر)(14). فخطب إليه أسعد البريّة، وأعزّ من تحميها(15) السيوف المشرفيّة،
(1) في حسن المناقب: «لتنزيله ولا الجوهر الثمين شيئا من التيجان لحلوله».

(2) في حسن المناقب: «ورقة 141 ب «يتشرف».

(3) في حسن المناقب: «بيت».

(4) زاد في حسن المناقب: «ونضار يتجمّل باللآلي والدّرر».

(5) في حسن المناقب: «أنسابهم».

(6) لم يرد لفظ الجلالة في حسن المناقب.

(7) عن الهامش، وحسن المناقب.

(8) في حسن المناقب: «يسهتمده».

(9) كتبت فوق السطر.

(10) في حسن المناقب: «بالانتظام».

(11) في حسن المناقب: «وإبراز وصلة بترصيع جوهرها متن السيف الذي يغبطه على إبداع هذه الجوهرية كل سيف، وتنتج صهارتهم بها إن شاء الله كل أمر سديد».

(12) عن الهامش، وحسن المناقب.

(13) في حسن المناقب: «الأنام».

(14) في حسن المناقب، ورقة 142 أ: «أبرك طالع وكيف لا تكون البركة في ذلك الطالع، وهو السعيد، وذلك بأن المراحم الشريفة السلطانية أرادت أن تخصّ المجلس السامي الأمير فلانا بالإحسان المبتكر، وتفرده بالمواهب التي يرهف بها الحد المستضي ويعظم الجد المنتظم. وأن نرفع من قدره بالمصاهرة مثل ما رفعه صلى الله عليه وسلم من قدر صاحبيه أبي بكر وعمر».

(15) في حسن المناقب: «وأمتع من تحميه».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٣١)
وأجلّ(1) من يسبل (عليها ستور الجلالة الحفيّة)(2)، وتتجمّل بنعوتها العقود، وكيف (لا)(3) وهي الدّرّة الألفيّة، فقال (المخطوب إليه)(4): هكذا ترفع الأقدار وتزان، وهكذا يكون قران السعد وسعد القران(5). وما أعظمها معجزة / 8 ب / أتت الأولياء من لدنها سلطانا، وزادتهم مع إيمانهم إيمانا. وما أفخرها صهارة يقول التوفيق لسرعة إبرامها(6): ليت، و (ما)(7) أشرفها عبوديّة كرمت سلمانها بأن جعلته من أهل البيت. وإذ قد حصلت الاستخارة في رفع قدر(8) المملوك، وخصّصته بهذه المزيّة التي تتقاصر(9) عنها آمال أكابر الملوك. فالأمر لوليّ النعمة(10) في رفع درجات عبيده كيف يشا، والصدق(11) بما يتفوّه به هذا الإنشا، وهو.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هذا كتاب مبارك تحاسدت رماح الخطّ وأقلام الخطّ على تحريره، وتنافست مطالع الأنواء(12) ومشارق الأنوار على إبداء(13) مسطوره، فأضاء نوره(14) بالجلالة فأشرق، وهطل نوّه بالإحسان فأغدق. وتناسبت فيه أجناس تجنيس الفضل فقال الاعتراف: هذا ما تصدق. وقال العرف: هذا ما أصدق. واحتفل بأمر هذا الكتاب أتمّ احتفال، واختير له أتمّ طوالع اليمن والإقبال. وكانت الوزارة / 9 أ / يومئذ
(1) في حسن المناقب: «وأعزّ».

(2) في حسن المناقب: «لها سبول الصور الخفيّة، وتضرب دونها خدور الخلال الرضيّة».

(3) كتبت فوق السطر، وكتب في حسن المناقب بعدها: «وكيف لا».

(4) في حسن المناقب: «فقال والدها».

(5) زاد في حسن المناقب بعدها: «وما أسعد روضا أصبحت هذه المراحم الشريفة السلطانية له خميله، وأشرف سيفا غدت منطقة البروج سمايها له حميله». (ورقة 142 أ، ب).

(6) في حسن المناقب، ورقة 142 ب: «يقول التوفيق لإبرامها».

(7) ساقطة من حسن المناقب.

(8) في حسن المناقب: «في قدر رفع».

(9) في حسن المناقب: «تقاصرت».

(10) في حسن المناقب: «فالأمر لمليك البسيطة».

(11) في حسن المناقب: «والتصدق».

(12) في حسن المناقب: «النوار».

(13) في حسن المناقب: «على نظم».

(14) حتى هنا ينتهي ما في حسن المناقب من الخطبة.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٣٢)
معدوقة بالصاحب الوزير بهاء الدين (علي بن) محمد، وكان ممّن أعطى المنصب حقّه وزاد، وظهر من القعدد في صورة جرى فيها على المألوف من قعدد الوزارة المعتاد. فقام بشروط هذا العقد أتمّ قيام، وأمر بحضور القضاة والحكّام، والأمراء ذوي النقض والإبرام، والقرّاء والوعّاظ، وكاد لكثرة جمعهم أن يضيق بهم ما للملك من سعة المقام. وكان قد وقع الاختيار على قراءته، وتمام عقده عند صلاة الفجر على ما اقتضاه الطالع، فلم يتّفق أن قرئ إلاّ بعد الإسفار، وتبلّج وجه النهار، وما كان إلاّ ما سرّ، وما ضرّ، ولا خولفت عادة السعد بمخالفة الطالع، بلا حلا استحلا تلك القصور في ضوء الشمس وإن ذهب وقت الاختيار ومرّ.

وكنت حامل هذا الكتاب إلا أنّي حطّيته واسترحت بما نابني من عموم فضله، ووصلني به الصدر محيي الدين من صلته، وما زلت منضويا إلى سابغ ظلّه. واقتضى لي التدريب في صنعة كتابة / 9 ب / الإنشا أن أجرّب القريحة، وقد كانت من دأب الكدّ إذ لم أكن بعد تعلّقت بخدمتهم مستريحة، أن أنشئ(1) مثال ما أنشئ في هذا المعنى فأنشأت:

الحمد لله الذي ألّف بين الحلبات من القدم فأحسن التأليف، وعارف بينها بما قدّر من الأزل فلم يكن عن نكرة ذلك التعريف، منوّه من اجتباه حسن الاختيار من حيث لا يحتسب، ومخوّل من اصطفاه من غدا به يزداد شرفا به حين ينتسب. ومعلي مكانة من خوطب بما لم يكن في أمله من الصّهارة حين خطب، ومريده بأهليّة التأهّل تنويها إلى تنويهه، ومتمّ نعمة من أخفق على رأسه لواء الحمد تنبيها إلى تنبيهه. جاعل وسيلة النكاح إلى مزيّة القرب أتمّ وسيله، وصلته بعائد علوّ الذي ما زال يوضح سبيله. نحمده على حسن تأهيله، وتضاعف مجده وتأثيله. ومزيّة قربه وقرب مزيّته، وصلاح تمامه وتمام صلاحيّته. / 10 أ / وتهيئة أسبابه وأسباب تهيئته(2).

ونشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له شهادة (من حكم له)(3) صحيح الاعتقاد البادي من خلوص خطابه، وقضى له توحيده بجزيل ثوابه. الذي يجد نفعه إذا تديّر الفردوس وثوى به.
(1) في الأصل: «أنشا».

(2) في الأصل: «تهيئاته».

(3) عن الهامش.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٣٣)
ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، الذي بعثه الله بما بهر به الألباب، وهدى به الأمّة إلى شريفي السّنّة والكتاب. صلى الله عليه ما ادلهمّ ظلام وانجاب. وعلى آله وصحبه السادة الأنجاب. وسلّم تسليما كثيرا.

وبعد. فإنّ توخّي المناسبة فيما يعزم عليه اللبيب أولى وأتمّ، وملاءمة ما فيه مشاكلة عند ذوي حسن النظر من الأمر الأهمّ. ثمّ ولا شبهة ولا ريبة أنّ الجنسيّة علّة الضمّ. ومن رأي أرباب العقول التخيّر للنطف، وصرف الهمّة إلى الأليق وما كلّ من صرف صرف. ومن سداد ذوي النقد أن لا تجعل واسطة عقدها إلاّ الدرّة المتنافس في اقتنائها، والثمرة الزكيّة الأصل واجتنائها، وأن لا تودع الدّرّة إلاّ عند حافظها الأمين، ولا / 10 ب / يناول كتاب مجد مجدها إلاّ لمن تناوله باليمين. ولا يؤهّل لها إلاّ من ومن، ولا يعوّل في تلبّسها إلاّ على من هو عند حسن الظنّ. وكان من اللطف من اختاره الله لبلاده وعباده، وملّكه أقصى طارق الملك وتلاده، وحكّمه في رقاب الأمم، وبسط لسان حكمه في العرب والعجم، وفتح به ما استغلق من الحصون، وأباح بعزائمه من أرواح أعداء الله كلّ مصون. وسيّر ذكر عظم سلطانه في الأرض مثلا، وأوضح برعب سطواته سبلا فسبلا. وأخمد به ثائرة الطغيان، وأطفأ نائرة ذوي البغي والعدوان. وشاء الله فجعل بغزوة الناس أمّة واحدة، وحقّق عندهم أنّ الدين عند الله الإسلام فغدت بعظمته ما بين راكعة وساجده، مولانا السلطان الملك الظاهر السيّد الأجلّ، العالم، العادل، المؤيّد، المظفّر، المنصور، ركن الدنيا والدين، خلّد الله ملكه مدى الأيام، وأسّس قواعد ملكه على إحكام التشييد وتشييد الأحكام. / 11 أ / ملك أنسى الله بزمانه كل زمان، وأذلّ بعزائمه من لم يدن ومن دان. وبسط يده فدهم الأعداء بما لم يكن لهم به يدان. وصوّب رأيه في كلّما يأتي ويذر، ولا شبهة في أنّ الملوك نقيّة الأذهان. ولا كذهنه الخارق، وحدسه الصادق، وفكره الفائق الرائق. ولما كان بهذه المثابة من حسن النظر، وهذه المكانة من شريف التأثير والأثر، أنعم النظر لولده وليّ عهده، والكافل الرعيّة لا أناط الله بعده من بعده، مولانا السلطان الملك السعيد ناصر الدنيا والدين، أمتع الله (من)(1) وكلّ منهما بالأسد وشبله، والفرض ونقله، والسيّد ونجله، في جهة(2) يودعها ما تنتجه السلطنة من مقدّمات نسله
(1) عن الهامش.

(2) الجهة: الزوجة. وتطلق على حريم السلطان.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٣٤)
الطاهر، ونجله الزاهر، فعمد إلى أكبر أمراء دولته، وزعماء مملكته، ورأس مشوره، وواسطة عقد درره، وأجلّهم نوعا وجنسا، وأكثرهم بسلطنته الشريفة أنسا، وأتمّهم صورة ومعنى، وأعمرهم قلبا ومغنى. وأجلّهم خلقا وخلقا، / 11 أ / وأشرفهم صداقة وصدقا. وأعلاهم من سلطنته محلاّ، وأمضاهم سيفا، وإذا كانت السيوف عاطلة كان هو السيف المحلاّ(1)، بجواهر اصطفائه، وأحسن السيوف ما كان محلاّ، وهو فلان، فخطب إليه عقيلته التي دلّ شرف إبائها وآيائها، المتلمّحان (بما لحسن النظر)(2) في ثخانة خبائها. في أحسن الصّور، المحجّبة حتى عن الشمس و {الشَّمْسُ} لا {يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ}(3). وركن إليه فها وإن لم تتساوى(4) الرتب، وعوّل عليها وإن سمت (سلطنته)(5) عن خطبة أمره من إليه خطب. وهل من أحصر كمن بثّ حديث الفخار فأحسن نثا وبثّا، ثمّ وليس الذّكر - (كما في محكم التنزيل) - كالأنثى(6) إلاّ أنّ هذه قاربت وقارنت، وعيّنت وعاينت، وأذّنت وأذنت، وأهلّت وأهلّت. ولا شبهة في أن البيت بساكنه، والجوهر بحسن معادنه، والثوب بلابسه، والنور بقابسه. والجواد براكبه، والسيف بضاربه، والقلم بكاتبه. والمكتوب إليه بمكاتبه، واللواء بعاقده، والدّرّ بناقده، والعقد بثمينه، والذكر الحكيم / 12 أ / بمبينه. والقوس بباريها، والكتيبة بمباريها.

وقد اقتضى هذا التفصيل جملة هذا التفصيل، وهذا التفريع إجلال هذا التأصيل، وهذا البكور إمتاع هذا الأصيل. وليس بأول مملوك رفع مالكه لا بل ملكه من قدره، ولا بأوّل مأمور نوّه أمره من ذكره. والأقدار على قدر معليها، والقيمة بحسب مغليها، والهدايا على قدر(7) المهداة إليه في هذا المحلّ ولا أقول مهديها. وحين جرت الصدقات السلطانية على مألوف درر اقتنائه وإلفيّها، ومعهود عهاد سحب إندامه الدّارّة في كلّ دار ووليّها. أن يتلى ما يقضي بنفي التحريم بما للتحليل من إيجاب. وأن يجعل بسم الله الرحمن
(1) هكذا، والصواب: «المحلّى».

(2) عن الهامش.

(3) اقتباس من سورة يس، الآية 40 لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ.

(4) كذا، والصواب: «لم تتساو»، والجملة مشوّشة في الأصل.

(5) عن الهامش.

(6) سورة آل عمران، الآية 36.

(7) كتب فوقها: «مقدار» بين السطرين.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٣٥)
الرحيم فاتحة هذا الكتاب، السعيد السعيديّ، وما زالت فاتحة أمّ الكتاب.

 

‌[مكاتبة صاحب قيساريّة الروم للظاهر بيبرس]

ونعود إلى ما كنّا فيه من أحوال مولانا السلطان فنقول:

واستمرّت هذه الصّهارة، وكانت على مال(1) الملك إلى مولانا السلطان أتمّ أمارة.

واتّفق ما اتّفق(2) من دخول الملك الظاهر قيساريّة (الروم)(3) بمكاتبات إليه من معين الدين سليمان البرواناه(4) النائب بها ومراسلات وتوسّلات وتوصّلات، وتحيّلات وتنصّلات، فإنّ البرواناه هذا أنف التتار، وأراد من جورهم الفرار، ولاذ بظلّ الإسلام وبملكه استجار. وأراد أن يكون من المهاجرين عندما توافيه الأنصار. وتردّدت منه المكاتبات، ولانت (منه)(5) بالمسكنة المخاطبات. فحملها الملك الظاهر على أهوالها، وأقدم، ولم يفكّر في (عقبى)(6) تغريراته ولا سوء مآلها فعزم، وبما ألزمه البرواناه من إنجاده التزم.

وقصد الشام بعساكر لو نزلت على الرمال لكثّرتها، أو الجبال لكوّرتها. فإنه رحمه الله كان حسن النظر في أمر عساكره ممدّا له بالأنعام، مدرّا أرزاقهم إلاّ أنه الإدرار العام.

وكان مولانا السلطان أمام جيشه يقدمه بأنوار طلعته، ويهديه وكفى بالمطايا في الإدلاج توقّد أشعّته. فحين وصلوا إلى / 13 أ / الفرات شاهدوا من ذلك البرّ جمعا من التتار، وشرذمة تكون عشرة آلاف من المغل الكفرة الفجّار. فلم يلبث مولانا السلطان أن رمى بنفسه مقحما إلى هؤلاء التتار، هول ذلك التيّار. وتبعته العساكر والملك الظاهر في الساقة، فوجدوا القوم قد استعدّوا للنضال صمّى النصال، فحمل مولانا السلطان عليهم أولا وثانيا، وكرّ وما فرّ، فيكون لعنان العنان
(1) هكذا في الأصل: ولا معنى له. والصواب: «وكانت علامات الملك».

(2) في الأصل: «وانعق ما أنعق».

(3) كتبت فوق السطر.

(4) هو سليمان بن علي، قتل في أواخر سنة 675 هـ. أنظر عنه في: تالي وفيات الأعيان 9،، 80 رقم 120.

(5) كتبت فوق السطر.

(6) عن الهامش.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٣٦)
ثانيا. فجدلوا القوم عن آخرهم صرعى، وكانت النصرة بمولانا السلطان بحقّ أوّليّته عقلا وشرعا.

ثم جدّ الملك الظاهر في السير في خراب من البلاد، وعدم أقوات لا تثبت معها القوّات لعدم الطارف والتلاد. ولم يزل إلى أن دخل قيساريّة الروم، وبلغ منها المروم. وجلس على كرسيّ آل سلجوق، وخطب باسمه على منابرها من غير عائق يعوق، وملكها ملك يمين، وتحكّم فيها تحكّم من لو شاء لقطع ممّن بها الوتين. إلاّ أنه أبقى أهلها على ما هم عليه، / 13 ب / وخرج منها وعينهم متطلّعة إليه. وكلّ ذلك برأي مولانا السلطان الذي ما خاب مستشيره، وقوّة جأش جيشه الذي ما خذل به أميره.

وأمّا ابن البرواناه فإنّه لم يف بقوله، ولا ثبت لورود العسكر المصريّ وهوله. ورأى أنّ السلامة في ذهابه، وحسب حسابا فجاء حساب الزمان غير حسابه. فخرج منها قبل ورود العساكر الإسلامية خائفا يترقّب، وصار من المذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء بما أساء إلى كلّ وأذنب(1).

 

‌[وفاة السلطان الظاهر بيبرس]

وعاد الملك الظاهر إلى دمشق كما بدى(2)، وسلك طريقه في استشارة مولانا السلطان التي وجد عليها هدى. فحلّ بدمشق وقد حلّت منيّته، وخابت في البقاء أمنيّته. فمرض أياما قلائل، ودرج بالوفاة إلى رحمة الله تعالى(3).
(1) كان فتح قيسارية الروم في سنة 675 هـ. أنظر عنه في: حسن المناقب، ورقة 143 ب هـ 144 ب، وتاريخ الملك الظاهر 157 و 175 - 177، والروض الزاهر 453 - 471، وتاريخ مختصر الدول 287، 288، وتاريخ الزمان 335، 336، والمختصر في أخبار البشر 4/ 9، ونهاية الأرب 30/ 354 - 357، وذيل مرآة الزمان 3/ 170، والدرّة الزكية 193، 194، وزبدة الفكرة، ج 9 / ورقة 184 أ، ب، والمختار من تاريخ ابن الجزري 285، ودول الإسلام 2/ 176، والعبر 5/ 305، ومرآة الجنان 4/ 174، والبداية والنهاية 13/ 271، 272، وعيون التواريخ 21/ 93، 94، 101، وتالي وفيات الأعيان 51، والجوهر الثمين 2/ 80، وتاريخ ابن خلدون 5/ 392، والسلوك ج 1 ق 2/ 620 - 631، وعقد الجمان (2) 159 - 162، والنجوم الزاهرة 7/ 170 - 173، وتاريخ ابن سباط 1/ 441، 442، وبدائع الزهور ج 1 ق 1/ 338، وتاريخ الأزمنة 253.

(2) هكذا في الأصل. والصواب: «بدا».

(3) توفي السلطان الظاهر يوم الخميس 29 من محرّم سنة 676 - . أنظر عنه في: حسن المناقب، ورقة 144 ب، وتاريخ الملك الظاهر 222 وما بعدها، والروض الزاهر 472 وما بعدها، والمقتفي -
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٣٧)
‌[سلطنة الملك السعيد وليّ العهد]

فقام مولانا السلطان بعده بحسن الخلف، وأخفى أمر وفاته / 14 أ / حتى كاد (أن)(1) يخفيها عن نفسه، وأظهر عن الخروج عن عهد الملك السعيد غاية الصّلف. ولمّ شمل العساكر المنصورة، والخزائن المعمورة. وأحضر الجميع إلى الديار المصرية موهما أنّ الملك الظاهر مريضا(2) وفي محفّة استصحبها، وأمور كتمانيّة رتّبها، وأخلاق شرسة من ذوي التفقّر بهيبته هذّبها.

ولمّا استقرّ شعار الملك بقلعة الجبل أخذ في تجديد اليمين للملك السعيد فجدّدت، وفي تأكيد أسباب ولاية عهده فأكّدت. وأحلّه منه محلّ الولد، ورعى فيه وصيّة والده ناويا أن لا ينقضها طول الأبد. وهاب مولانا السلطان من في قلبه مرض، وخافه من عرض له بعد وفاة الملك الظاهر غرض.

واستقرّ الملك السعيد سلطانا مطاعا، وملكا مراعى.

 

‌[خروج الملك السعيد إلى دمشق لمواجهة التتار]

وأخذت أخبار التتار تقوى، ووارداتها تزداد من ذوي السرّ في المكاتبات والنجوى. وتحقّق أنّ سائرهم إلى البلاد سائر، (مكافأة)(3) وحنقا على خفيّة نكاية
= للبرزالي 1 / ورقة، وتاريخ مختصر الدول 288، وتاريخ الزمان 336، 337، والنور اللائح 56، والمختصر في أخبار البشر 4/ 10، 11، ونهاية الأرب 30/ 365 - 368، وتالي وفيات الأعيان 49 - 51 رقم 79، وذيل مرآة الزمان 3/ 239 - 262، والدرّة الزكية 208 - 218، والحوادث الجامعة 392 - 394، والمختار من تاريخ ابن الجزري 293، 294، ودول الإسلام 2/ 177، والعبر 5/ 307، والإشارة إلى وفيات الأعيان 367، 368، والإعلام بوفيات الأعلام 282، وتاريخ ابن الوردي 2/ 224، 225، والبداية والنهاية 13/ 274 - 276، وفوات الوفيات 1/ 235 - 247، وعيون التواريخ 21/ 132 و 135 - 145، ومرآة الجنان 4/ 175، والوافي بالوفيات 10/ 329 - 348 رقم 4841، وتاريخ ابن خلدون 5/ 393، ومآثر الإنافة 2/ 106، 107، والسلوك ج 1 2/ 635 - 641، وعقد الجمان (2) 174 - 184، والمنهل الصافي 3/ 447 رقم 717، والنجوم الزاهرة 7/ 94 وما بعدها، وحسن المحاضرة 2/ 95، ودرّة الأسلاك 1 / ورقة 51، 52، وتاريخ ابن سباط 1/ 446 - 455، وشذرات الذهب 5/ 350، والدارس 1/ 349، والجوهر الثمين 2/ 79، 80، وتاريخ الأزمنة 254، وبدائع الزهور ج 1 ق 1 ج 338 - 342، وأخبار الدول 198، 199، وتاريخ ابن الفرات 7/ 81.

(1) عن الهامش.

(2) الصواب: «مريض».

(3) عن الهامش.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٣٨)
الظاهر. / 14 ب / فأشار مولانا السلطان بمعاجلة القوم، وخروج الملك السعيد في جيوش والده ليخلف أمسه في اليوم. فخرج وبرز على مسجد التبن،(1) وبه خيّم، وعلى قصد القوم حتّم، فأوهمته مماليك أبيه وحسّنت له مخالفته وتأبّيه. فعاد إلى القلعة، وما حمدت منه وقد رجع عن الصواب تلك الرجعة. وبلغ ذلك العدوّ فازداد طمعهم في البلاد، وساق أبغا بن هولاكو - لعنهما الله تعالى - إلى أن وصل إلى موضع المقتلة بمن حوله من السواد. وقربت الأخبار، وجاء من النوّاب بالشام أنواع الإنذار والإعذار. فصمّم مولانا السلطان على أن لا بدّ من الخروج ضربة لازم، وعزم عليه عزم اللبيب الحازم. فلم يسع الملك السعيد إلاّ الموافقة، وعزم، إلاّ أنها عزمة غير صادقة.

ولم يزل إلى أن وصل إلى دمشق، ومولانا السلطان يكنفه بحسن دفاعه، ويحيط عنه الأذى بأوليائه من خوجداشيته وأشياعه. / 15 أ / فاستقرّ بقلعة دمشق المحروسة، وغدت به (بعد)(2) وحشة أبيه مأنوسه. ومولانا السلطان يرفرف عليه بحفظ جناح أبوّته، وإن كانت بنوّته هي المأمورة من الله بحفظه، ويترك حظّه من الملك وإن كان من استحقاقه أكبر حظّه.

وأمّا العدوّ، فإنّهم أحجموا، وفشلوا وما أقدموا، وخافوا وما حافوا، إلاّ أن الملك السعيد وافق من حوله من ذوي اللهو، وأرباب الزّهو، فانعكف وما اعتكف، واستمطر سحاب المكرم (الأكرم)(3) وقد وكف. وما كفّ في تناوله ساعدا ولا كفّ. واحتجب عن الرأي وصوابه، والقول وجوابه.

وصار مولانا السلطان والأمراء الصالحيّة يحضرون إلى الخدمة فلا يؤذن لهم ولا يعتذرون، ويرجعون ولا تسل كيف يرجعون.

واستمرّ الحال على هذه الصورة، وصارت أوقات الملك السعيد على مثل ذلك مقصورة، لا بل محصورة.

 

‌[غضب الأمراء من الملك السعيد لاستهتاره ولهوه]

واتّفق أنّ مولانا السلطان وخوجداشيّته الأمراء الصالحيّة، وهم كالأمير علم
(1) مسجد التبن: يقع قرب المطرية. (السلوك ج 1 ق 2/ 684 حاشية 3).

(2) كتبت فوق السطر.

(3) عن الهامش.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٣٩)
الدين سنجر(1) الحلبيّ، / 15 ب / والأمير بدر الدين بيسري الشمس، والأمير شمس الدين سنقر الأشقر(2)، والأمير علاء الدين طيبرس الوزيري(3)، والأمير عزّ الدين أيبك الأفرم، والأمير بدر الدين بيليك الأيدمري، والأمير بدر الدين بكتاش أمير سلاح(4)، والأمير شمس الدين سنقر المسّاح، والأمير سيف الدين بلبان المستعربي، والأمير شجاع الدين طغريل الشبلي، كلّ هؤلاء كانوا أمراء صالحيّين جالسين بدركاه(5) القصر الأبلق(6) الظاهري بدمشق المحروسة قبل العصر وقت الخدمة وهم ميمنة وميسرة، ومعهم من الأمراء الناصرية والظاهرية جملة كبيرة. ومماليك الملك السعيد، بأعلا(7) هذا القصر عنده في رقص ورهج يسمع من بعيد، فكيف من قريب.

واتّفق أنّ أحد مغاني العرب الشعراء الذين في الخدمة سكر وعربد، فأنزل، وخرج من باب القصر وهو يتمايل، وكاد (أن)(8) يتعلّق بمولانا السلطان فما مكّن، وحصلت أنفة من مثل ذلك / 16 أ / وتغيّر ظهر على مولانا السلطان وعلى أولئك. فقام منصرفا من الخدمة بغير دستور، وتبعته الأمراء وتسايروا، (وتساوروا)(9) وتشاوروا، وما تساوروا.

فلمّا بلغ الملك السعيد انصرافهم على هذه الصورة، وظهور قضيّتهم التي كان في الظّنّ أنها مستورة. وأنّ سبب هذه القضيّة أحد شعرائهم {وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ}(10)، فجرأته بغيبة ذهنه على الأمراء لا بل هم الملوك الحاضرون.

فبادر الملك السعيد قاصدا القلعة، وشارع مستدركا فارط تلك الشناعة لا بل الشنعة. وحضر مولانا السلطان هو والأمراء المذكورون ثاني هذا اليوم إلى قلّة قلعة
(1) توفي سنة 699 هـ. (تالي وفيات الأعيان 87).

(2) توفي سنة 692 هـ. (تالي وفيات الأعيان 85).

(3) توفي سنة 689 هـ. (تالي وفيات الأعيان 93).

(4) توفي سنة 706 هـ. (تالي وفيات الأعيان 57، الدرر الكامنة 1/ 480، 481 رقم 1301).

(5) الدركاه: لفظ فارسيّ (DARGAH) معناه: عتبة العظماء، وأطلق للدلالة على بلاط السلطان.

(6) القصر الأبلق: بناه الظاهر بيبرس بمثابة قصر للضيافة، ويقع بميدان المرجة. (أنظر: تاريخ البصروي - بتحقيق أكرم حسن العلبي - ص 120 بالحاشية (1).

(7) الصواب: «بأعلى».

(8) عن الهامش.

(9) عن الهامش.

(10) سورة الشعراء، الآية 224.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٤٠)
دمشق، وطلبوا إذنا فأذن لهم، فحين حلّوا في منازلهم من الملك السعيد، وتمكّن مولانا السلطان من القول ولم يزل متمكّنا من قريب وبعيد. قال للملك السعيد: إنّما أخرجناك ليشيع بين الأعداء قوّة سلطانك، وظهور برهانك. لا أن نتفرّج في / 16 ب / الشام، ولا أن يسير عنّا ما يحطّ من قدر الإسلام. وحيث قد حللنا بهذه الأرض فلا بدّ لحلولنا من تأثير، ولا مندوحة أن يعتمد ما يحمد معه عاقبة(1) هذا المسير.

فقال الملك السعيد: وما الرأي؟

قال مولانا السلطان: الرأي أن نتوجّه أنا والأمير بدر الدين - يعني بيسري - بالعساكر المصرية والشاميّة، ونفتح قلعة الروم، ونغار(2) على سيس(3).

فأمّن الملك السعيد على قوله، ورجع إلى قوّته في الرأي وحوله، وتقدّم إلى العساكر المنصورة بالتّوجّه صحبتهما، وشكر الله وللناس علوّ همّتهما، ورسم، فكتبت مثالا مطلقا عن الملك السعيد.

 

‌[الكتاب بمسير العساكر إلى قلعة الروم وسيس]

ومثاله

إنّا قد تقدّمنا(4) المجلسان العاليان فلان وفلان بالعساكر المصرية والشامية لفتح قلعة الروم والإغارة على بلاد سيس، فعند وقوف كلّ من النوّاب بالبلاد الشامية يبادر (إلى)(5) امتثال أوامرهما، / 17 أ / والمسير صحبتهما من الجبليّة وغيرهم، وإحضار ما يستدعيانه من آلات الحصار، والحذر من مخالفة ذلك.

وكتب إلى الملك المنصور صاحب حماه بالمسير صحبتهما بعسكره. وفارقا دمشق متوجّهين لهذه المصلحة بهممهم المستنصحة(6).
(1) كتب فوقها بين السطرين: «مصير».

(2) الصواب: «ونغير».

(3) وجاء في (السلوك ج 1 ق 2/ 650) - حوادث سنة 677 هـ. - خلاف ذلك، وهو أن خاصكية السلطان هم الذين أشاروا على الملك السعيد بإبعاد الأمراء الأكابر عنه، فجهّز قلاون وبيسري بالعسكر، فساروا إلى جهة سيس وفي نفوسهم من ذلك إحن.

(4) هكذا في الأصل.

(5) عن الهامش.

(6) أنظر عن غزوة سيس في سنة 677 هـ. في: النور اللائح 56، والدرّة الزكية 225، ونهاية الأرب، -
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٤١)
‌[الخلاف بين أمراء الملك السعيد بدمشق]

واستقرّ الملك السعيد بدمشق، وعنده الأمير علم الدين سنجر (الحلبي)(1) الكبير، والأمير شمس الدين سنقر الأشقر، فإنهما كانا قد اعتقلا وأخرجا، وسافرا معه بلا أقطاع، وهذا أكبر أدلّة سوء التصرّف. وتأخّر عنده من مماليك والده جماعة، كالأمير شمس الدين سنقر التكريتي، وحسام الدين لاجين الزيني، وعزّ الدين أيدمر الدوادار الظاهري، والسّقسيني، وجماعة من الظاهرية، أمراء وغير أمراء.

وكان سيف الدين كوندك السّعيدي نائب السلطنة إذ ذاك، فحصل بينه وبين المذكورين تنافس، وانضمّ إلى كوندك جماعة من الأمراء السلاح داريّة الظاهرية التتار، وصاروا قبيلتين. مستعربة وتتار. وقامت / 17 ب / بينهم الفتن، وتغايرت المحن. وقصدت المستعربة منهم أن يبطش بكوندك، ووقفوا له في الدّهاليز السلطانية، وطلبوه على لسان الملك السعيد، فقام وتوجّه إلى داره قاعة رضوان بقلعة دمشق، فعظم ذلك عليهم. وتردّدت الرسل إليه وإليهم، فلم يوافق على الحضور إلى الملك السعيد، ولا جاوبهم إلاّ من بعيد. فلما اشتدّ امتناعه عليهم، وأكبّت عليه السلاح داريّة الظاهرية إكباب مستهون لا مستهول كلّما يجرّه ذلك إليهم، فعند ذلك طلب الملك السعيد الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، وسيّره إليه منكرا عليه، فأبدى إعذارا، وإنكار أحوال في مثلها لا يمارى. وخرج من قلعة دمشق إلى الشرف الأعلا(2) منزل الأمير شمس الدين سنقر الأشقر بإشارته إلى أن يأمن على نفسه، ويتوسّط الأمير شمس الدين بينه وبين أبناء جنسه. فما كان إلاّ أن استقرّ، ريثما غرّ، ثمّ فر، وساء وما سرّ، وأضرأ وضرّ. وركب هو وعصبته وبات بين البساتين. / 18 أ / وأظهر أنّ ذلك خوف وهلع وهول وجزع. فعزم من عند الملك السعيد على الركوب إليه وإلى من معه، فلم يره الأمير شمس الدين والأمير علم الدين مصلحة، وأنّ استجلابهم بالحسنى قضيّة مترجّحة(3).
= 30/ 385، وذيل مرآة الزمان 4/ 2، والمختصر في أخبار البشر 4/ 11، ودول الإسلام 2/ 178، وتاريخ ابن الوردي 2/ 126، وعيون التواريخ 21/ 171، 172، وتاريخ بيروت 70، والسلوك ج 1 ق 2/ 650، وعقد الجمان (2) 202، والنجوم الزاهرة 7/ 265، وتاريخ ابن سباط 1/ 457، وتاريخ الأزمنة 256.

(1) عن الهامش.

(2) الصواب: «الأعلى».

(3) وذكر المقريزي في حوادث سنة 678 هـ: في المحرّم قرّر الخاصكية مع الملك السعيد القبض على -
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٤٢)
‌[مفارقة كوندك للسلطان]

ورسم، فكتبت كتابا عن الملك السعيد إلى سيف الدين كوندك مضمونه التأمين، فما أخذه باليمين، ولا ألوى على مضمونه بحكم ما دلّه على هلاكه من الحدس والتخمين. وداخله الشكّ إلاّ أنه أزال الشكّ باليقين. وما كان منه وبين القرار إلاّ أنّ خرجت إليه أثقاله، وأمّته بحصول خزانته في القبضة أمواله.

ثم سار يطوي الأرض بالطول والعرض، والسّنّة من نجاته وبمن معه والفرض. قاصدا مولانا السلطان وقد كان راجعا بالعساكر المنصورة من وجهته، وآتيا من فورته.

 

‌[مكاتبة الملك السعيد إلى قلاون بشأن كوندك]

ورسم فسرّح الطائر حاملا بطائق كتبتها إلى مولانا السلطان، مضمونها: / 18 ب / «إنّ الأمير سيف الدين كوندك كان قد حصل بينه وبين الصبيان خصومة أوجبت غضبه وخروجه بجماعة من السلاح داريّة، فإذا وصل يسكّن خاطره، ويحضره في الأمان والدّعه». وأطلعت الطيور مسرعه، وعاد الجواب على أجنحتها بالسّمع والطاعه، وأنه يبذل في رضاه أو غضبه إن لم يرض جهد الاستطاعه.

فلمّا وصل سيف الدين كوندك قال وأطال، وبلغ غرضه من نجاة نفسه بالصحيح والمحال. وجاء كتاب مولانا السلطان بأنه حاضر معه إلى الأبواب السعيدية، إلاّ أنه بعد أن ملأ سمعيه، ونقل ما عزم الملك السعيد ومن حوله في حقّ مولانا السلطان عليه. وهو - خلّد الله سلطانه - يصدّق ويكذّب، ويصعّد فكره ويصوّب، إلى أن وصل إلى القابون، وكاتب: هل يكون الدخول بتطليب أو ترتيب، أو لا ترتيب؟ (فأجيب)(1) وقد فهم عنه وهم أحدثه كوندك بأن لا تثريب،
= الأمراء عند عودهم من سيس، وعيّنوا إقطاعاتهم لأناس منهم، وكان الأمير كوندك النائب مطّلعا على ذلك. واستغرق السلطان في لذّاته، وبسط يده بعطاء الأموال الكثيرة لخاصكيّته، وخرج عن طريقة أبيه. وفي أثناء ذلك حدث بين الأمير كوندك النائب وبين الخاصكية منافرة بسبب أن السلطان أطلق لبعض مماليكه ألف دينار، فتوقّف النائب في إطلاقها، فاجتمع الخاصكية عند النائب وفاوضوه في أمر المبلغ، وأسمعوه ما يكره، وقاموا على حرد، وتكلّموا مع السلطان في عزله عن النيابة فامتنع. وأخذ الخاصكية في الإلحاح عليه بعزل كوندك، وعجز عن تلافي أمرهم معه. (نهاية الأرب 30/ 393) (السلوك ج 1 ق 2/ 651، 652).

(1) عن الهامش.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٤٣)
وأن / 19 أ / يكون الدخول مطلّبا(1)، وبالترتيب الأول مرتّبا. وأنه في باكر يخرج لملتقاه على العادة. فلما كان من باكر ركب للملتقى، فلم يزل إلى أن فارق عمارة دمشق، فأوقف وأشير عليه أن لا يتعدّى، وخوّف ممّن يتعدّى. رجع من الطريق، وكانت ساعة قضت إلى الساعة بالتفريق.

وكان مولانا السلطان قد ركب في العساكر، وسارعن المنزلة، فلما بلغه رجوع الملك السعيد كثر وهمه، وقوي على ما قاله كوندك عزمه. وعاد إلى المنزلة التي فارقها فنزلها بالعساكر، وضرب مشوارا فيمن معه من أمراء الحلّ والعقد، فما كان منهم إلاّ من هو لنصح كوندك شاكر(2).

 

‌ذكر ما ترتّب على هذه الرجعة للملك السعيد من المفاسد

وأقام مولانا السلطان بالمنزلة التي رجع إليها لما رجع الملك السعيد عن الملتقى، والعساكر المنصورة طائعة / 19 ب / لأمره، منضوية إلى علوّ قدره. عالمة أنّ المصلحة في موافقته، والسلامة مقرونة بمرافقته. هذا والرسل إليه متردّدة، (والكتب بما يلين أعطافه متودّده)(3)، وهو يأبا(4) إلاّ أن يخرج إليه الملك السعيد، وأنه لا بدّ من تلقّيه كعادة الملوك معه إذا قدم من قريب أو بعيد.

فلمّا طالت الإقامة، وحصلت السّآمة، وسمجت الملامة، وظهرت للصدق على ما قاله كوندك علامه (وأيّ علامه)(5)، رحل مولانا السلطان بالعساكر المنصورة ونزل بالكسوة، وحال بين الملك السعيد وبين مصر بما للأنفة من قسوة. فاختبط رأي الملك السعيد، ورأى من حوله من مقيمي هذه الفتنة، وضعفت منهم المنّة. هذا، وكوندك مع مولانا السلطان يغريه، ويجتهد فيما من الغرض يبديه. وكان قد رسم له الملك السعيد قبل التحويل بأن يتوجّه إلى حلب يكون بها أمير أربعين فارس(6).
(1) التطليب أو المطلّب: لفظ عامّي درج على ألسنة الناس في عصر المماليك معناه: الحضور بمجموعة من فرق الجند إلى أماكن الاحتفالات على هيئة مخصوصة. - مواكب -. (معجم المصطلحات والألقاب التاريخية 108).

(2) أنظر نهاية الأرب 30/ 394، والدرّة الزكية 227.

(3) عن الهامش.

(4) الصواب: «يأبى».

(5) عن الهامش.

(6) الدرّة الزكية 227.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٤٤)
وكتبت منشوره في قطع الثلثين، وهي عادة صاحب المائة فارس. وسيّر إليه قرينه الخلعة المزركشة، / 20 أ / والشاش الكافوريّ، وهو تناقض بيّن، وتفاوت وجه الهلع فيه متعيّن. فلبس التشريف ولم يقبل المنشور ولا رضي أن يتوجّه بل لاذ بخذلانه من الانتماء إلى مولانا السلطان بالمنصور.

واقتضى رأي الملك السعيد ومن حوله أن ينادي بالنفقة، وعبّيت الدنانير المألّفة(1) بالإيوان بقلعة دمشق، فما كانت لمن نفر بالمؤلّفة. ولم يحضر أحد إلاّ من لا يؤبه إليه، ولا يعوّل عليه.

فلما لم تتمّ هذه الحيلة، ولا أفادت جلب شرذمة كثيرة ولا قليلة، عقد الرأي على أن يركب الملك السعيد ويتوجّه من طريق الكرك ويسبق القوم ويحصل بقلعة الجبل، وظنّوا أنّ ذلك من أعظم الحيل، فركب ليلا، وركبنا معه، وأمامه الخزانة على الهجن، فلم يجد سبيلا إلى الذهاب، وكاد يزك مولانا السلطان أن يأخذ الخزانة لولا أسرعت في العود والإياب.

وعدنا من ليلتنا إلى دمشق، وأخذ مولانا السلطان في الرحيل قاصدا الديار المصرية في سكون وهدوء وتؤده، / 20 ب / في رواح وغدوّ.

 

‌[توسّط والدة الملك السعيد لدى قلاون]

ولمّا استمرّ ذلك من مولانا السلطان حصل الرأي على أن تخرج والدة الملك السعيد إليه، وتدخل دخول الحريم عليه. فركبت في المحفّة السلطانية وفي خدمتها عدّة من المماليك، فأدركت مولانا السلطان وهو سائر في الأمراء الأكابر والعساكر، فحين أقبلت ترجّل مولانا السلطان هو والأمراء الأكابر. وقبّلوا لها الأرض ومشوا ميمنة وميسرة، وكانوا قد قربوا من المنزلة، وضربت على المحفّة خيمة وجلسوا بين يديها. وغضّوا الأبصار عن النظر وإن كانت محجّبة إليها. وأخذت في استعطافهم بكل طريق، وحدّثتهم بما لعظمتهم يليق. وممّا قالته: إن كان لكم غرض في الملك فخذوه ودعوني وولدي ننضوي إلى جهة تختارونها (ولا تؤذوني فيه)(2).

فحلف مولانا السلطان: إنّ هذا لم يكن من غرضنا، ولا من شفاء
(1) الصواب: «المؤلّفة».

(2) عن الهامش.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٤٥)
مرضنا، ولا لنا ميل إلى ملك ولدك، ولا أن نؤذيك في فلذة كبدك. وأخذ في إقامة عذره، بما حصل في حقّه وحقّ خوجداشيّته في علوّ قدرهم وقدره. وأخبرها بما ذكره كوندك من أخذ / 21 أ / إقطاعاتهم، والعزم على اعتقالهم مع خلوص طاعاتهم. وأنّ رجوعه عن ملتقاهم أكّد عندهم صحّة ذلك، وسلك هو في سوء الظنّ مسالك وأيّ مسالك. وإنّا أقمنا هذه المدّة على أن يستدرك الفارط بملتقانا فما استدرك. ثم وسيّرنا إليه هذا الأمير ركن الدين أباجي الحاجب بشروط يحلف عليها فما حلف والشرط أملك. وبالجملة، فها نحن مقيمون بهذه المنزلة، إلى غد آخر النهار لتعودي إليه بشروطنا، وهي: إنّ من كان أميرا من مماليك والده يخرج ويمشي مع الأمراء، ومن كان مقدّما يمشي مع المقدّمين، ومن كان مفرديا يمشي مع المفاردة، ونحن نتولاّ(1) وظائف خدمته بنفوسنا وأولادنا. فالتزمت لهم ذلك، والتفتت إلى مولانا السلطان وقالت: يا بي لر(2) كان الشهيد - تعني الملك الظاهر رحمه الله قد أوصاني بأنّه إذا حصلتم في ضائقة تقولي لفلان - تعنيه - بأمارة ما كنّا داخلين الروم وأخرجت له من عبّي جوجكنانه(3). وقلت له: هذه مخبّية(4) لك في عبّي منذ يومين / 21 ب / فهو يساعدكم.

فقال لها مولانا السلطان: أمارة صحيحة إلاّ ما أساعدكم على نفسي، وقطع خبزي وحبسي.

وعادت فأخبرت ولدها بشروطهم فوافق، إلاّ أنّ مماليك أبيه لم يوافقوا، وكادوا أن يقيموا فتنة، والفتنة أكبر من القتل، وإليها تسابقوا.

وأمّا مولانا السلطان ومن معه فإنّه وفى بشرط الإقامة إلى أن فات وقتها ورحل، وعن تلك المنزلة إلى أخواتها انتقل(5).

 

‌ذكر ما اعتمد ممّا لم يتمّ

وفي غضون (توجّه)(6) مولانا السلطان قاصدا مصر بلغ الملك السعيد أنّ
(1) الصواب: «نتولّى».

(2) هكذا والمراد: القائد، والرئيس.

(3) جوجكنانه: صرّة صغيرة تشبه الحجاب معلّقة بالرقبة تحت الثياب.

(4) هكذا بالعامّيّة.

(5) أنظر الخبر في السلوك ج 1 ق 2/ 652، والدرّة الزكية 228.

(6) كتبت فوق السطر.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٤٦)
الأمير الحاجّ علاء الدين طبرس الوزيري، وهو من أجلّ الأمراء قدرا، وأنوههم ذكرا، وأوسعهم صدرا، وأعلاهم محلاّ، وأسدّهم عقدا وحلاّ، وأوفاهم عهدا، وأبذلهم في الوقوف عند الإيمان جهدا، بلغه أنه أبى عليهم المرافقة، (وأنف وفاء بعهد الظاهر والسعيد الموافقة)(1). فاعتقدها الملك السعيد فرصة تنتهز، وموعدة تنتجز، فرسم بكتاب إليه مضمونه:

/ 22 أ / «إنّه قد بلغنا حسن عهده، ووقوفه من الأيمان عند حدّه، وإنه لم يطع القوم، ولا سام على مالنا من سوم، وقد شكر الله ونحن له هذا الوفا، واصطفيناه لنفسنا وحقّ له الاصطفا، وانتدبناه لشفاء ما عرض من مرض غرض فكان مصطفى هذا الشفا. وفوّضنا إليه نيابة سلطنتنا، وعوّلنا عليه في تدبيرها، واعتمدنا على علوّ همّته وجميل تأثيرها. فالمجلس العالي يتلقّى هذه الولاية بالقبول، وليجهد في تبليغ الأمل والسّول، وقد كتبنا إلى أمراء العشرات ومقدّمي الحلقة وأجنادها لكلّ كتابا بمفرده وأمرناهم أن يجيبوا داعيه، وأن لا تكون أذنه لغير أمره ونهيه واعيه. فليعلم ذلك وليجهد في ردّ من خرج عن الوفاء، واقتفى في مخالفة عهده سوء الاقتفاء. ونحن من ورائه جاهدون، ولمرادفته مجتهدون. وقد أصدرناها ورجلنا في الركاب، وتلبية داعيه سابقة لمخاطبة هذا الخطاب في العساكر الشامية ومن استجدّيناه من الأجناد. وما ثمّ - نحمد الله - عاقة عن إنجاده، / 22 ب / ومتابعة اجتهاده. فيهتمّ بما ندبناه إليه، وما عوّلنا فيه عليه. والله يجعل تبليغ المرام طوع يديه».

وكتبت الكتب كما شرح، وجاءت في عدّة أخراج، وحملت على جملة من خيل البريد، وأكّد في إخفائها عن الجاهل، وهيهات تكتم في الظلام مشاعل. فلم يسع البريديّة المتوجّهين بها مع سيء التدبير في كتابتها في غير مطلقات. وشهرة كثرتها بالإخراج الموسيقات. إلاّ أن أحضروها إلى مولانا السلطان برمّتها، ومثّلوها بين يديه بهيئتها، ففكّ ختم بعضها، ووقف على تنويهها وغضّها. وأمر فغسلت عن آخرها، ومحيت آيات الاستنصار من دفاترها.

واسترسل مولانا السلطان في سيره، وجدّ في النزول والرحيل آمنا من ضرر الكيد وضيره.
(1) عن الهامش.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٤٧)
وأما الملك السعيد فإنه رحل بالعساكر الشامية ومن استخدمه وراء مولانا السلطان منزلة بمنزلة، وتابع أوّلة من منازله بآخرة، وآخرة بأوّلة.

 

‌ذكر حسن تدبير مولانا السلطان في هذه الوجهة

/ 23 أ / لم يدع مولانا السلطان بمنزلة ينزلها فرس بريد، ولا طير بطاقة يبدأ بها ولا يعيد، ولا مسافر يتوجّه فيخبر بما هو فيه، ولا يستطلع منه عن ظاهر أمر ولا خافيه. وما من منزلة إلاّ ويرد إلى الملك السعيد كتاب اسم مولانا السلطان أوّله، وتلوه أسماء الأمراء الذين في صحبته(1)، مثبوتة في ثلاثة أوصال مزدحمة تهويلا وإرعابا وإفهاما، أنه لم يبق معه أحد وإن عدر (. . .)(2). وتلو هذه الأسماء ما مثاله:

«يقبّلون الأرض، وينهون أنّ الهروب من قدّام السلطان طاعه، وقد علم كبر سنّهم وعجزهم، وهم متوجّهون إلى الانقطاع في بيوتهم، طائعين لمولانا السلطان خائفين من هيبته، فلا يظنّ مولانا السلطان فيهم غير ذلك، إلاّ أنهم حين وصلوا إلى القاهرة المحروسة وجدوا أبوابها قد سدّت، ووطأت(3) سدّ المسالك عليهم قد استدّت».

وكان نائب السلطنة بالديار المصرية إذ ذاك عن الملك السعيد الأمير علاء الدين أقطوان الشامي / 23 ب / المهمنداري(4) الظاهري. ومقدّم الجيش عزّ الدين أيبك الأفرم الصالحي. فحين رأى مولانا السلطان هذا التضييق، وتوعّر هذه الطريق، لم يقدّم شيئا على أخذ الخيول السلطانية من الإسطبلات، وترك المماليك الذين بالقلعة رجّالة لا يستطيعون الفرار ولا الثبات. وأغلقت قلعة الجبل فحوصرت، وإن لم تحمل الحصار، وخذلت حتى من المهاجرين والأنصار. وبطّق المماليك من القلعة إلى الملك السعيد بطاقة بخطّ الصدر الفاضل الرئيس تاج الدين ابن الأثير الحلبي(5)، كاتب الإنشاء الشريف السلطاني، مضمونها:
(1) ذكر المقريزي أسماء 29 أميرا منهم. أنظر: السلوك ج 1 ق 2/ 654، 655).

(2) كلمة ممسوحة في الأصل.

(3) الصواب: «ووطأة».

(4) المهمندار: هو الموظّف الذي يتلقّى الرسل ويستقبل السفراء والمبعوثين القادمين من الخارج إلى بلاط السلطان، ومن يرغبون بمقابلته. ويقابله الآن مدير المراسم والتشريفات.

(5) هو أحمد بن سعيد بن محمد. باشر الإنشاء للسلطان الظاهر، وللسلطان قلاوون. ومات سنة 691 - . -
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٤٨)
«يا خوند(1) أدركنا، فقد أخذت الخيول السلطانية، ونحن محصورون بالقلعة».

واستغاثوا وكرّروا الاستغاثة. ووقعت هذه البطاقة وهو على أمّ البارد(2)، فعزم من هناك على التّوجّه إلى الكرك، وتأخّر عنه عسكر الشام صحبة الأمير عزّ الدين أيدمر الظاهري نائبه.

ورحل الملك السعيد فنزل غيثا(3) / 24 أ / وانتقض ذلك العزم، ورأى مشيروه أنّ طلوع قلعة الجبل والحصول عليها غاية الحزم.

وكان يزك(4) مولانا السلطان محيط(5) بالقلعة، فحين وصل له هذا الخبر أمر اليزكيّة أن تخلّي له (ليحصل في القلعة)(6)، فحصل فيها، وتراءى للجيش المحاصر ظنّا منه أنه متى لاحت لهم بارقة منه بادر كلّ منهم زلّته بتلافيها، فما ألوى أحد عليه، ولا مدّ حتى ولا طرف(7) إليه(8).

وأخبرني الصدر تاج الدين ابن الأثير (- رحمه الله تعالى -)(9)، وكان بالقلعة محصورا معهم، أنّ الحاجّ علاء الدين طيبرس الوزيري طلع إلى القلعة المحروسة، واجتمع بالملك السعيد، وقال: قم وانزل معي لأردّ عليك ملكك، وأنه قام فتعلّق المماليك السلطانية بأذياله باكين، ومنعوه ما ندبه إليه شاكين، وفي الخذلان غير شاكّين. وهي حيلة من الأمير علاء الدين على طلب الدستور المشروط في أيمانه، المعدود من قوّة إيمانه.

وحين نزل علاء الدين المذكور سأله مولانا السلطان / 24 ب / أين كان؟ فأخبره بالصورة غير متلثّم، معربا غير معجم.
= (الوافي بالوفيات 6/ 393 - 395 رقم 2906، والمنهل الصافي 1/ 282، والنجوم الزاهرة 8/ 34، وفي: إعلام النبلاء 4/ 475، 476 رقم 257 توفي سنة 671 - . وهو غلط، مع أنه ذكر كتابته للسلطان المنصور قلاوون، وهذا تولّى السلطنة سنة 678 هـ!.

(1) خوند: كلمة فارسية بمعنى سيّد. أصلها خداوند. (معجم الألفاظ الفارسية المعرّبة - ص 58).

(2) أمّ البارد: لم أجد تعريفا بموضعه.

(3) لم أجد تعريفا بموضعه.

(4) اليزك: الحرس.

(5) الصواب: «محيطا».

(6) عن الهامش.

(7) ضبطها هكذا في الأصل. والصواب: «طرف».

(8) أنظر: نهاية الأرب 30/ 397، الدرّة الزكية 229.

(9) عن الهامش.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٤٩)
واتّفقت قضيّة خطرة سلّم الله منها، وهي أني كنت مع الملك السعيد في هذه الكرّة، وكان له دواداران(1)، أحدهما الأمير الإسفهسلاّر(2) سيف الدين بلبان الرومي الظاهري، والآخر دونه في الرتبة، وهو الأمير عزّ الدين أيدمر الدوادر. وكان حظّي من الأمير سيف الدين الحظّ الأوفى الأوفر، ومحلّي من تقدمته المحلّ الأعلى الأكبر. فإنّه هو الذي ندبني لخدمة السلطان، وعوّل عليّ في سرّ المكاتبات وجهرها على صغر سنّي وكبر قدر وسنّ من في الديوان. وكان أيدمر لا يجسر عليّ، ولا ينظر في مكاتبة إليّ. فاتفق أن طلبني ونحن على منزلة رأس الماء، فأمرني في خلوة أن أكتب إلى الأمير جمال الدين آقش الكنجي نائب مصياف بإنفاذ أربعين من الفداوية الإسماعيلية ليسيّرهم إلى مولانا السلطان ومن معه من الأمراء، فامتنعت من الكتابة، فعزّ عليه امتناعي، وتغيّرت أوضاعه، ولم تتغيّر / 25 أ / أوضاعي. وقال: أنا أشاور عليك السلطان. ونهض، فخرجت وراءه، ولم أترك معه منزلة من بعدها. ولم أجتمع به وإلى اليوم على قرب المدّة وبعدها.

ولما وصلنا طلبني مولانا السلطان وهو راكب تحت القلعة للحصار، وحوله أمرا الحلّ والعقد، وهو منهم بمنزلة القطب من الدائرة، والقمر من الهالة الممتّعة به الأعين الناظرة. وقال بلسان الأمير بدر الدين بيسري: يا فلان، من كتب لنائب مصياف بطلب الفداوية؟

فقلت: ولا أحد.

فأخرج مولانا السلطان الكتاب من صولقه(3). فقلت: يا خوند، هذا خطّ أيدمر، الدوادار. وحكيت له صورة امتناعي، فشكر هو والأمراء.

 

‌[خلع الملك السعيد من السلطنة]

وكان قاضي القضاة تقيّ الدين بن رزين جالس(4) تحت القلعة لإثبات محضر نظم بعدم أهليّة الملك السعيد ووجوب خلعه.

/ 25 ب / ولمّا طال بالملك السعيد المطال، وضاق به المجال، وولّت عنه
(1) الدوادار: صاحب الدواة وحاملها للسلطان أو الأمير. وهو يقوم بإبلاغ الرسائل عنه وتقديم القصص والشكاوى إليه. (صبح الأعشى 5/ 462).

(2) الإسفهسلاّر: لفظ فارسيّ معناه القائد العام للعسكر.

(3) الصولقة: الجعبة أو المحفظة التي تودع فيها الرسائل والخطابات.

(4) الصواب: «جالسا».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٥٠)
رجال الحرب ويا لها من رجال، واشتدّت به الأوجال، وقال فلم يسمع له مقال، استقال وحقّ له أن استقال، وسيّر إلى مولانا السلطان يطلب منه الكرك وما فيها وهي جملة كبيرة. وكان والده الملك الظاهر قد ادّخرها هنالك وهي قريب الألف ألف دينار، فأجابه معلما أنه لم يكن ثمّ رغبة في الملك، ولا ضميرا مفسودا(1) يقضي له بالهلك. بل دفعا لضرر حاشيته، وطلبا للسلامة من أذى غاشيته، الذين استولوا على عقله، وحملوه على ما لا يليق في حقّ مثلهم من مثله.

وكان الملك السعيد عندما حلّ بالقلعة قد كسّر أقفال الخزائن وأخذ منها جملة كبيرة، وفرّقها على مماليكه ليحصل عليها عند الخروج. فلمّا أذن له في الخروج جرّد مولانا السلطان من قعد على باب القلعة، وتتبّع الخارجين مملوكا مملوكا، وأخذ من كلّ منهم ما كان معه من الذهب عارية وإن / 26 أ / ظنّ أنه مملوكا.

وخرج الملك السعيد بعد أن أخذت علائمه بخطّه إلى كلّ قلعة في درج أبيض، ليكتب على خطّه بتسليمها.

وحرج الملك السعيد إلى الكرك، وعلى يده كتب بتمكينه منها(2).

 

‌[سلطنة الملك العادل سلامش]

وطلع مولانا السلطان (إلى)(3) القلعة بنيّة الوفاء، وتدارك مرض القلوب الوجلة بالشفاء(4). ونزل بدار النيابة، وأعمل رأيه الذي ما زال مقرونا بالإصابة. فرأى إقامة بدر الدين سلامش ولد الملك الظاهر عوض أخيه، وأن يقوم بشرط عهده فيه ويوفيه. إذ وضح العذر في خلع أخيه المذكور، وقصوره عن الملك باستيلاء حفدته على ما يتعلّق به من سائر الأمور. فأقيم ولقّب بالملك العادل،
(1) الصواب: «ولا ضمير مفسود».

(2) أنظر: النور اللائح 57، والدرّة الزكية 229، وذيل مرآة الزمان 4/ 4، 5، والمختصر في أخبار البشر 4/ 12، ونهاية الأرب 30/ 397، 398، وتاريخ ابن الوردي 2/ 226، 227، والبداية والنهاية 13/ 287، وعيون التواريخ 21/ 221 - 223، والسلوك ج 1 ق 2/ 652 - 665، وعقد الجمان (2) 215 - 222، والنجوم الزاهرة 7/ 267 - 269، وتاريخ ابن سباط 1/ 469، وبدائع الزهور ج 1 ق 1/ 345، 346.

(3) عن الهامش.

(4) في الأصل: «الشفى».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٥١)
وركّب بشعار الخلافة. وكان عمره إذ ذاك أحد عشر(1) سنة. فأنف الأمراء الكبار النضال لصغر سنّه، وأبوا إلاّ أن يكون مولانا السلطان لسدّ هذه الثلمة، إذ فنّ الملك من أكبر فنّه. فامتنع عليهم، ولم يمدّ يد مبايعته إليهم، وقال: أنا أتولّى أمر أتابكيّته، وأكون كفيله في رعيّته / 26 ب / فقالوا: هذا أمر لا يغني عنّا عنا، ولا بدّ أن تكون وليس نرى كالآباء إبنا. والبركة مع الأكابر، والصغار والذّلّ في رأي الأصاغر. وما نأمن أن تقوى شوكة مماليك أبيه فيتعذّر علينا قطّها، وتعلو(2) رتبته بالتمكين فيصعب علينا حطّها. فصمّموا، وعن سماع العذر تصامموا، وأبوا إلاّ أن يكون سلطانهم الذي له يدينون. وتألّبوا وتوثّبوا، واجتمعوا وتجمّعوا.

 

‌[سلطنة المنصور قلاوون]

فلما رأى عينها منهم، ورأى مشاهدة لا من روى عنهم، وافق حسما لمادّة الفتن التي أقبلت قطعها كقطع الليل، وجاءت كالسيل، وكادت أن تلحق الخيل بالخيل. وشرط عليهم شروطا ودخلوا تحتها، وألزمهم آدابا نجزها معهم وبتّها.

وفي أثناء ذلك طلبني - خلّد الله سلطانه - وقد انتقل إلى دار الملك السعيد (التي)(3) بقلعة الجبل، وفتح في أبوابها شبّاكا صار يجلس فيه للأتابكية، ونجلس من خارجه على مساطب نوقّع بين يديه. فحضرت إليه في القاعة المذكورة خلوة، وأمرني سّرا أن أكتب أسماء ملوك متعدّدة، فأبيت وقلت: كيف يمكن / 27 أ / أن تكتب أسماء ملوك بقلعة ملك مستقّر الملك، وهذا لا يمكن. فعزّت عليه - خلّد الله ملكه - مخالفتي لأوامره، وتغيّر، وأمرني بالخروج، فخرجت من بين يديه، وقد عزّ عليه. ولحقني الأمير ركن الدين أباجي أمير حاجب واستوقفني، فقلت: ما يمكن أن أكتب إلاّ بحضور أمراء الحلّ والعقد، فعاد وشاوره، فأحضروا، وحضرت وكتبت، فأخذ القلم من يدي بعد التشاور، وعلّم على «المنصور»، ثم انفصلت عنه، وكتمت الأمر عن رفقتي إلى أن ظهر سلطانه، وقام بالدليل برهانه.

كه زنبى مهرى حيدر زنبى روسيهم ميز ندروز وشبان برمر خود جامن سم(4)
(1) الصواب: «إحدى عشرة».

(2) الصواب: «تعلوا».

(3) عن الهامش.

(4) شعر فارسي.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٥٢)
‌[مباشرة مهامّ السلطنة]

ولما كان سنة ثمان وسبعين وستماية جلس مولانا السلطان على منبر الملك وسريره، وخورنقه(1) وسديره(2). واستدعينا فإذا هو قد ملأ جوانبه بشخصه المنيف، وأقرّ العيون بمشاهدة نظره الشريف. وأمراء الحلّ والعقد مبسوطون(3) / 27 ب / الأكفّ لمبايعته، مجمعون على مشايعته. وأحضرت الختمات لتحليفهم فأخذنا في التحليف، وسارعت الأمراء للأمان من غير تكليف.

وفي أثناء ذلك نادى مولانا السلطان كبيرنا الخال محيي الدين ابن عبد الظاهر، وناوله إضبارة ورق من يده، وقال: خذ ولديك واكتب على هذه العلائم، وهي العلائم التي كان الملك السعيد كتبها عند خروجه من القلعة، فقسّمناها، وكتبت كما في النفس وزيادة، وجهّز بها المتسلّمون.

 

‌[مكاتبة الملوك بالسلطنة]

ورسم - خلّد الله ملكه - فكتبنا إلى اليمن، وإلى الغرب، وإلى برّ سوداق، وإلى العراق، وإلى ماردين، وإلى سائر الملوك الفرنجيّة، المهادنين، والموادعين، والمكاتبين، بما منّ الله به من ملك مولانا السلطان، مبشّرين بما وهب الله الأمّة من شريفي الحسن والإحسان. واستبشار الرعيّة بنعمة الله فيه، ووثوقهم بقمع أعداء الله واستدراك الفارط بحسن تلافيه. وجهّزت الرسل إلى كلّ جهة بكتابها، وأكّد عليهم في أن يأتوا البيوت في الأدب / 28 أ / من أبوابها.

واستقرّ الحال، وحلف الجيش بكماله لمولانا السلطان بأفصح مقال، وأوكد تفصيل وإجمال.
(1) الخورنق: قصر كان بظهر الحيرة، أمر ببنائه النعمان بن امريء القيس بن عمرو بن عديّ بن نصر بن الحارث. . . بناه له رجل من الروم يقال له سنمّار في ستين سنة، فكان يبني السنتين والثلاث ويغيب الخمس سنين وأكثر من ذلك وأقلّ فيطلب ولا يوجد، ثم يأتي فيحتج. وعندما انتهى من البناء وقال: إني أعلم موضع آجرة لو زالت لسقط القصر كله، فقال النعمان: أيعرفها أحد غيرك؟ قال: لا. قال: لا جرم لأدعنّها وما يعرفها أحد، ثم أمر به فقذف من أعلى القصر إلى أسفله فتقطّع. فضربت العرب به المثل. (معجم البلدان 2/ 401).

(2) السدير: بفتح أوله وكسر ثانيه ثم ياء مثنّاة من تحت، وآخره راء. لفظ فارسيّ أصله سه دل، أي قبّة فيها ثلاث قبّات متداخلة. قيل هو قصر قريب من الخورنق. (معجم البلدان 3/ 201).

(3) الصواب: «مبسوطو».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٥٣)
وأخذ مولانا السلطان في مكافأة خوجدا شيّته بزيادة إقطاعاتهم الامتاع، بالملابس التي يحقّ لها الإمتاع. وألوف من الأموال من الورق والعين، وإعلاء الرتب التي كادت أن تكون بمثابة العين من الحاجب والحاجب من العين. ودانت له الرقاب، وأعمل إلى أبوابه الركاب. وجاءت إليه رسل الملوك بالهناء، ووفدت عليه بالهدايا والتحف فانثنى كلّ عن أبوابه بأحسن الثناء. وسار ذكر ملكه في العدوّ الأكبر التتار، وعلموا أنّهم وإن كان لهم الثار، لا بدّ وأن يجدّد لهم ثارا وأيّ ثار. فاستعدّوا واستجلدوا واستجدّوا، واستجاشوا وجيّشوا، وعلى من يستنجدوا به فتّشوا.

 

‌[الأوضاع والعلاقات الخارجية عند سلطنة قلاوون]

ملك مولانا السلطان والفرنج المخذولون بعكا، وصور، / 28 ب / وعثليث، وصيدا، وبيروت، وحصن المرقب، وطرابلس الشام، وقد انقضت (مدّة)(1) هدنهم المستقرّة بينهم وبين الملك الظاهر، فظهر كلّ منهم في صورة المنافر. وكادوا يشفوا صدورهم وهيهات أن تشفى، وأن يخفوا نكاياتهم، وأبا(2) تدقيق النظر في حركاتهم وسكناتهم أن تخفى.

والملك السعيد بالكرك، ومماليكه تغار(3) إلى باب غزّه، وحماته حنقون إذ قد بدّلوا ذلّة بعد عزّه.

والأمير شمس الدين سنقر الأشقر قد شقّ العصا، وتسلطن بدمشق(4).

والتتار قد اختلفوا وتجمّعوا، وعلى قصد البلاد أجمعوا.

والدنيا مختبطة، والآمال في العدوّان(5) منبسطة. فقابل مولانا السلطان كلاّ
(1) عن الهامش.

(2) الصواب: «وأبى».

(3) الصواب: «تغير».

(4) أنظر عن سلطنة الأشقر بدمشق في: تشريف الأيام والعصور 61، والدرّة الزكية 234، والمختصر في أخبار البشر 4/ 13، ونهاية الأرب 31/ 14، ودول الإسلام 2/ 180، والعبر 5/ 319، وتاريخ ابن الوردي 2/ 227، والبداية والنهاية 13/ 289، ومرآة الجنان 4/ 189، وعيون التواريخ 21/ 225، والسلوك ج 1 ق 3/ 670، 671، وعقد الجمان (2) 233، 234، وتاريخ ابن سباط 1/ 471، وتاريخ ابن الفرات 7/ 162.

(5) الصواب: «العدوّين».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٥٤)
بما يجب لمثله، وتوجّه لأداء فرض حسم الداء ونفله. ولم يزل - خلّد الله سلطانه - حتى جمع الكلمة، ومحى(1) بنور طلعته ليالي الفتن المظلمة. وأرعب الأعداء، وسكن الدهماء، ويأتي ذكر ذلك مفصّلا.

 

‌[خروج السلطان قلاوون لمواجهة التتار]

كان القوم قد داخلهم الطمع، وغرّتهم الخدع، وبسط آمالهم ما بلغهم ما اتّفق للملك السعيد، وظنّوا أنها فرصة تنتهز، وموعدة تنتجز. فاجتمعوا على قصد البلاد وأجمعوا، وجاءت الأخبار بدخيلة أمرهم، وجليّة مكرهم، وصورة ما عليه صمّموا، وما له يمّموا، وما فيه تمّموا، إلا أنهم ما تمّموا، ولا سلّموا حتى ودّعوا. ولا أقول ما ودّعوا حتى سلّموا لا بل ولا سلّموا.

ولمّا تأكّدت هذه الأخبار عند مولانا السلطان بكتب مكاتبيه، وقصّاد أخباره الذين لا يزالون لمشافهة أخبارهم مشافهيه. فإنّ مولانا السلطان ملك والمكاتبون ببلاد التتار منبثّون، ولغامض أخبارهم مكاتبون، كبغداد، وتوريز(2)، والعراق، وسائر بلاد العجم، وماردين، والموصل، والروم، والكرج، وما من هذه البلاد وأكبارها(3)، لا بل ونوّابها، [إلاّ](4) يطالعون بالأخبار أوّل(5) بأوّل. ولهم رسوم جزيلة لا تنقطع عنهم، وأموال جمّة تحمل إليهم. لا جرم أنهم كانوا بما كان من العدوّ وما يكون منهم. فلم يكذّب مولانا السلطان خبرا، / 29 ب / ولا اتّهم مخبرا. بل ساعد وتقدّم إلى العساكر المنصورة، فخرجت أوّل (5) بأول، ولا شكّ فيما بلغه ولا تأوّل.

وعندما تكمّل خروج العسكر خرج في الساقة، وبذل في تكملة العدّة والعديد الجهد والطاقة. فحين وصل إلى غزّة صحّت عنده الأخبار أنّ القوم عندما طار إليهم خبر عزم مولانا السلطان طارت أنفسهم شعاعا. ودخلوا مساكنهم جزعا وهلعا، ولم يكشفوا بالخسارة قناعا، فآثر التخفيف عن البلاد الشامية من نقل وطأت(6) العساكر المنصورة التي ملأت الرحاب، وتسنّمت حتى الهضاب، وغصّت بها البراري والقفار. وكادت أن تكاثر عدد أمواج البحار.
(1) الصواب: «ومحا».

(2) يقال: توريز وتبريز.

(3) الصواب: «وكبارها».

(4) إضافة على الأصل يقتضيها السياق.

(5) الصواب: «أولا».

(6) الصواب: «وطأة».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٥٥)
فأقام بغزّة شهرين احترازا من أن يعنّ للقوم رأي ثاني(1)، أو حسّن لهم من هو لأعنّتهم إلى قصد البلاد الشامية ثاني(2).

 

‌[كتب السلطان بالاحتراز من التتار]

ورسم - خلّد الله سلطانه - فكتبنا إلى الأمير شرف الدين عيسى بن مهنّا أمير آل فضل بحفظ المعابر، من كلّ عابر، وصيانتها حتى من الطير الطائر. وإلى الأمير شهاب الدين أحمد بن حجّي أمير آل مرا(3) بأن لا / 20 أ / يخرج في سنته إلى الحجاز. وإلى نائب الشام بأن تكون العساكر مهيّأة منجّزة مجهّزة. وكتبنا إلى سائر المكاتبين والنصحاء بأقاصي البلاد التتريّة:

«أن قد خرجنا بنيّة الغزاة والجهاد، واستفتحنا ملكنا بما يكون بمشيئة الله تعالى من فتوح (ادّخر)(4) لأيّامنا منه الطارف والتلاد. وخبا له ما استولت عليه يد العدوان من البلاد. على أنه ما كان قطّ فتوح إلاّ ونحن عنوان كتابه، ومفهوم خطابه، وإقليد بابه، والسابق إليه، والمتجاسر عليه، وقد علم ذلك كلّ من واجهناه (وجابهناه)(5)، وقابلناه وواجهناه، وإنّما كان لمن سلف اللفظ ولنا المعنى، والبعيد ولنا الأدنى. وقد علم الله ذلك والناس، وتحقّقه من الأعداء سائر الأجناس. وما زال الملك من بين عينينا يتلمّح، ومن صفحات وجهنا يتصفّح، وقد كنّا والاسم لغيرنا، نذبّ عن الإسلام أيّ ذبّ، وندفع عن حوزته ما درج ودبّ، فكيف وقد أناط الله بنا أمور البلاد والعباد، وروى إلى ملكنا حتى التهايم والنجاد. وملكنا رقاب الأمم، / 30 ب / وأنفذ سلطاننا في العرب والعجم. وقد علم الله نيّتنا وأعطانا على قدرها، واطّلع على شكرنا لنعمته، فخوّلنا على قدر شكرها. وكتابنا هذا ونحن مقيمون بالبلاد الشامية إلى أن ينقضي شتاها(6)، وترتفع أنواها(7)، وتحسم
(1) الصواب: «ثان».

(2) أنظر عن خروج المنصور إلى غزّة في: تشريف الأيام والعصور 78، وتذكرة النبيه 1/ 59، والدرّة الزكية 239، وذيل مرآة الزمان 4/ 52، والمختصر في أخبار البشر 4/ 14، وتاريخ ابن الوردي 2/ 228، والبداية والنهاية 13/ 292، وعيون التواريخ 21/ 249، والسلوك ج 1 ق 3/ 682، 683، وعقد الجمان (2) 254، وتاريخ ابن سباط 1/ 474.

(3) هكذا في الأصل. والصواب: «آل مرّ».

(4) كتبت فوق السطر.

(5) ما بين القوسين كتب على الهامش.

(6) الصواب: «شتاؤها».

(7) الصواب: «أنواؤها».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٥٦)
أدواها(1). فإن حضر القوم فيها ونعمت، وإن لم يحضروا فنحن على عزم غزوهم، في عقر دارهم. وكم عزيمة لنا - بحمد الله - تمّت».

إنّ الشجاع إذا لم يستزر زارا

وسيّرت هذه الكتب إلى من هي له بهذا النبأ العظيم، وطويت ضلوع طرسها على فحوى هذا التفخيم. كلّ هذا بترتيب قريبي الصاحب فتح الدين(2) صاحب ديوان إنشائه، فإنّه، خلّد الله سلطانه، ملك ديوان المكاتبات بيد (و)(3) داداريه(4) غلف الألسنة لا يحيرون جوابا، ولا يحسنون خطابا. فانتقاه من بين شيوخ على صغر سنّه بالنسبة إليهم، وقدّمه حتى على والده وعليهم. فإنه كان يعلم ميل الملك الظاهر إليه، وأنّ ما من غزوة له إلاّ وكان في جاليشها(5) بين يديه.

ونرجع إلى ما / 31 أ / كنّا فيه.

ولم يخل مولانا السلطان إقامته بغزّة من مصلحة تعود على انتظام شمل الإسلام، وتقضي باجتماع الكلمة التي ظنّ تفرقتها من غلب عليه كاذب الأوهام. وهو ما تقدّم من حديث الملك السعيد وتجاسر من حوله، واعتقاد كلّ منهم أن يفيده ويعيده من جرّد قوّته وحوله.

 

‌ذكر ما كتب به مولانا السلطان إلى الملك السعيد بالكرك

رسم - خلّد الله سلطانه - فكتبت إلى المشار إليه ما مثاله، بعد ألقابه وتفخيمها، ومراعات(6) منزلته وتعظيمها.

«إنّه قد علم حنوّنا عليه وإشفاقنا، وحسن نظرنا في حقّه وحقّ مخلّفي أبيه حتى كدنا أن نخبّئهم(7) في آماقنا. ومراعات(8) أبيه الشهيد فيهم، وتنفيذ وصيّته في
(1) الصواب: «أدواؤها»، أي مصائبها.

(2) هو أبو الفتح محمد بن محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر بن نشوان بن عبد الظاهر، تولى كتابة السّر للسلاطين: الظاهر بيبرس، والمنصور قلاوون، والأشرف خليل. مات سنة 691 هـ. بدمشق. (تالي وفيات الأعيان 119، 120).

(3) كتبت فوق السطر.

(4) هكذا. والصواب: «دواداريّته».

(5) الجاليش: طليعة الجيش.

(6) الصواب: «مراعاة».

(7) في الأصل: «تخبأهم».

(8) الصواب: «مراعاة».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٥٧)
ترقّيهم وتوقّيهم، ومثابرتنا على مصلحته، ومبادرتنا إلى تشييد ملكه ومملكته. واطّلع الله على نيّتنا ونيّته، وأضمرنا / 31 ب / له وفا، وأضمر لنا غدرا. فنهضت بيّنتنا بخاصّ دولته ونائبه، وما نهضت متمحّلات بيّنته. ثم كابرنا في ذلك مع وضوح الحق بعدم تلقّينا، ووافقنا والدته السّتر العصمى الخاتوني ووفينا شرطها، وكان الأولى به أن يوفينا. ولما كاد أن يستحكم الفساد، وأن تخلوا(1) من الأرواح والأجساد. لم نخفر ذمام البيت الظاهريّ بل أقمنا أخاه، وبلّغنا والدة الشهيد ما كان لنصحنا توخّاه. وتولّينا أمر تدبيره، وباشرنا رعاية لصغره مصلحة كبير الأمر وصغيره. وكادت القضيّة التي خشيت منه أن تبدو(2) جذعة، والمخوفة ممّن حوله من فضلة سيفنا أن تبدو وكاسات غدرها مترعة. وأن يوتى على هذا(3) العصابة الصالحية التي تعدّدت وقائع مناصرتها للإسلام، وطالت مدّة مدافعتها عنهم على تمادي الأيام. وإن تبدّلوا بمن لا يغني عن الإسلام عنّا، ولا يعني خمول ذكره بشهرة من أوسعه الإسلام وأهله ثنا. وجاء نبأ نصر الله والفتح، ووفى الدهر ما كان في ذمّته / 32 أ / من ملكنا ولا نطيل الشرح. ولم نقدّم شيئا على الإحسان إليه، والحنوّ عليه. وحمايته ممّن كان في قلبه من أبيه ومنه مرض وأيّ مرض، ووقايته من عرض ربّما عرض من ذي عرض. وتمكينه من الكرك وأموالها الجمّة، ونعمتها، التي ما مثلها نعمة. وتمكين من اختاره من مماليك أبيه من التوجّه صحبته، وتوطينه ببقعة حفظت روحه ولا أقول صحّته. وتوفير خاطره مما للملك من دواعي الأوهام، وإراحة فكرته من مراعات(4) حفظ البلاد والعباد التي لا ينهض بها كلّ راعي(5). ولو لم يكن إلاّ قعقعة البريد، بمتجدّدات الأعداء التي تتجدّد في كل يوم جديد، فلم تجز عن ذلك كلّه إلاّ بدفائن لا تجدي عليه نفعا، وطلب أوتاد في ضعف لا تجلب إليه وترا من بلوغ غرض ولا شفعا. ودسائس مكاتبات لا تزال تحمل إلينا، ويعرض فساد تخيّل تحيّلها علينا. ومن فاته الكلّ كيف يطمع في البعض، ومن فارق الجنّى(6) لا يغني عنه الغضّ. / 132 ب / وقد كان الأمر بيدك فما أحسنت في حفظ رأس ماله، ولا فكّرت في عاقبة مآله. وليس للمولى صديق ولا للمخذول ناصر، فتدارك نفسك قبل أن تقول في عدم مطاوعتنا: يا ليت،
(1) الصواب: «تخلو».

(2) الصواب: «تبدو» من غير ألف.

(3) الصواب: «هذه».

(4) الصواب: «مراعاة».

(5) الصواب: «كل راع».

(6) الصواب: «الجناء».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٥٨)
وقصّر ذيل غاراتك، واكفف عادية من يغرّك بمجاراتك.

ونحن الآن قد خرجنا وفي صحبتنا من آلات الحصار ما لا يثبت معه سهل (ولا)(1) جبل. ولا تفيد معه نكايات ولا حيل. ومعنا من العساكر ما ملأ الفضاء جيشها الكرّار، وأرعب زائر أسودها وهل مع زأر الأسد إلاّ الفرار؟

فإن وقفت عند حدّك المحدود. ودافعت عن يومك الموعود. وإلاّ فأنت الظالم على نفسك، والمؤآخذ في يومك بأمسك. والسلام».

وجهّز إليه هذا الكتاب، وانتظر منه الجواب، فعاد جوابه وقد صدّر بقوله تعالى: {الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاِتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ}(2)، وضمّنه بعد ذلك أعذارا ملفّقة، وأحوالا غير محقّقة. وسيّر صحبته رسولا فأعيد بجواب أمرّ من الأول، وأنكى عند من يتأوّل، وصدّر بقوله تعالى: {اِرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ}(3).

وتقدّمت أوامر مولانا السلطان بمضايقته وصار في أضيق من سمّ الخياط، وجرّد لذلك جندا حرموه بقبض أنفاسه الانبساط. ورحل - خلّد الله سلطانه - قاصدا مقرّ ملكه.

 

‌ذكر وفاة الملك السعيد وبما اعتمد (مولانا)(4) السلطان فيها من الوفاء

واستمرّ الملك السعيد إلى أن وافاه زائر الحمام، وانقضت أيامه حتى من الأجل ومن ذا الذي دامت له الأيام. فكانت وفاته في سنة ثمانين وستماية بقلعة الكرك(5).
(1) كتبت فوق السطر.

(2) سورة آل عمران، الآيتان 173، 174.

(3) سورة النمل، الآية 27.

(4) كتبت فوق السطر.

(5) أنظر عن وفاة الملك السعيد في: تالي وفيات الأعيان 52، وذيل مرآة الزمان 4/ 32، والمختصر في أخبار البشر 4/ 12، ونهاية الأرب 31/ 25، 26، والنهج السديد لابن أبي الفضائل 291، والدرّة الزكية 234، وزبدة الفكرة 9 / ورقة 101 أ، والعبر 5/ 321، ودول الإسلام 2/ 180، والإشارة إلى وفيات الأعيان 369، وتاريخ ابن الوردي 2/ 227، والبداية والنهاية 13/ 289 و 290، والوافي -
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٥٩)
فلمّا بلغ مولانا السلطان / 32 ب / وفاته شقّ عليه أعظم مشقّه، ودمعت عيناه لما جبل عليه قلبه من رقّه. وجلس بالإيوان الكبير لتلقّي عزائه، واعتمد في ذلك اعتماد من فقد أعزّ أعزّائه.

ولمّا توجّه مولانا السلطان إلى دمشق في هذه السنة بنيّة الغزاة والجهاد، وهجر بتهجيره (الرقاد)(1)، ووصل السّهاد، وصل من جهة والدة الملك السعيد من سأل مولانا السلطان في تمكينها، من إحضاره إلى دمشق ودفنه عند والده بتربته فأجاب سؤآلها، وتلقّى بالقبول أقوالها. فلما حضر أمر مولانا السلطان أمراء الدولة الكبير والصغير بالخروج بالشموع ليلا ومشيهم تحت تابوته. وخرج مولانا السلطان من قلعة دمشق إلى التربة المذكورة، وجلس بمحرابها، وبادر إلى هذه الحسنة واكتساب ثوابها. وحين رأى نعشه نهض له واقفا على قدميه، وأخذ يكفكف حفظا لناموس الملك دمع عينيه. وأمر الأمير عزّ الدين أيبك الأفرم الصالحيّ بأن يباشر مواراته / 33 أ / بنفسه، فبادر إلى امتثال أوامره، وأنزل على والده هذا والقرآن يتلى، والوعّاظ تتكلّم بأحسن ما يكتب ويملى.

وأمر مولانا السلطان فأنزلت والدته بدار الملك الزاهر تجاه المدرسة العزيزية(2) بخدمها وحشمها، وبالغ مولانا السلطان في رعاية ذممها، وأحسن لها التسلية، وقابل نداءها بالتلبية، ورتّب لها ما يليق بمثلها من الإقامات. وأحضرها بالتعظيم والتبجيل أيام من مات. خلّد الله ملكه ما أكثر خيره، وأجزل برّه، وأوسع صدره، وأوفى ندره، وأوضح بشره. هذه الصورة في أمر الملك السعيد(3).

 

‌ذكر حديث الأمير شمس الدين سنقر الأشقر

هذا الأمير شمس الدين سنقر الأشقر من أجلّ الأمراء الصالحين، وهو علائيّ
= بالوفيات 2/ 248، ومرآة الجنان 4/ 190، ومآثر الإنافة 2/ 124، ودرّة الأسلاك 1 / ورقة.10، وتذكرة النبيه 1/ 53، والجوهر الثمين 2/ 296، والسلوك ج 1 ق 3/ 669، وعقد الجمان (2/ 232، والنجوم الزاهرة 7/ 259، وتاريخ ابن سباط 1/ 471، وتاريخ الأزمنة 257، وشذرات الذهب 5/ 362، وبدائع الزهور ج 1 ق 1/ 346، وتاريخ ابن الفرات 7/ 165، وعيون التواريخ 21/ 236.

(1) كتبت فوق السطر.

(2) بناها الملك عثمان ابن السلطان صلاح الدين الأيوبي، وهي شرقيّ التربة الصلاحية، وغربيّ التربة الأشرفية، وشماليّ الفاضلية بالكلاّسة لصيق الجامع الأموي. (الدارس 1/ 290).

(3) هنا توجد ورقة طيّارة ملصقة فيها أحاديث شريفة وأقوال مأثورة لا علاقة لها بالكتاب.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٦٠)
منسوب لعلاء الدين الساقي الصالحيّ، وهو الجامع / 33 ب / بينه وبين مولانا السلطان في الخوجداشية. وقد تقدّم صورة حاله مع الملك السعيد، وأنه سافر معه وعاد بغير إقطاع.

ولمّا أفضت الأتابكية إلى مولانا السلطان لم يقدّم شيئا على مصلحته، ولا أعلى رتبة أحد قبل إعلاء رتبته، وفوّض إليه أمر النيابة بالشام المحروس، وخوّله نعمها الجسيمة، وأمتعه بغرر منتزهاتها الوسيمة. وأنفذ فيها أمره، وأعلى بنيابتها ذكره.

ولمّا بلغه سلطنة مولانا السلطان حدّثته نفسه بما لم يتمّ، وحسر لا بل حسر لثام الحياء ذاهلا عمّا به يلمّ. واعتقد أنّ ملك الشام تمّ لغير ملك مصر وسلطانها، وأنّ الإنفراد به في إمكان قوّتها وقوّة إمكانها، فتسلطن ولقّب نفسه بالكامل(1). وكان اتفاقه مع من غرّته العافية، وجرّته القافية، بالمسطبة الظاهرية بظاهر دمشق، فهناك حلف من حلف، وألّف ظنّا منه أنه الألفي وما كلّ من ألّف ألف.

ثم ركب وهجم قلعة دمشق في عصبته وعصابته، وظن / 34 أ / أنه قد ربح بجسارته لا بل بخسارته. فلمّا ولّى عن المسطبة المذكورة ظنّا منه أنه قد تولّى، وأنّ الأمر قد تمّ له وأنّه به الأولى. ساق أحد مماليك الأمير ركن الدين بيبرس الشالق الجمدار(2) الصالحيّ، وهو عزّ الدين أيبك الخاصّ، وكان من مماليك الخال محيي الدين بن عبد الظاهر ابتاعه المذكور منه صغيرا فنبل حتى عظم قدره، وشاع بالشجاعة ذكره.

وحضر إلى قلعة الجبل المحروسة عصر اليوم الثالث من ركوبه من دمشق المحروسة، وأخبر الصاحب فتح الدين بن عبد الظاهر صاحب ديوان المكاتبات بما تمّ، وبما ألمّ من ألم.

وحكى لمولانا السلطان في الوقت وأخبره فخلع على أيبك المذكور خلعة
(1) تشريف الأيام والعصور 61، الدرّة الزكية 234، المختصر في أخبار البشر 4/ 13، نهاية الأرب 31/ 14، دول الإسلام 2/ 180، العبر 5/ 319، تاريخ ابن الوردي 2/ 227، مرآة الجنان 4/ 189، البداية والنهاية 13/ 289، عيون التواريخ 21/ 225، السلوك ج 1 ق 3/ 670، 671، عقد الجمان (2) 233، 234، تاريخ ابن سباط 1/ 471، تاريخ ابن الفرات 7/ 162.

(2) الجمدار: لفظ فارسي مركّب من «جم» و «دار»، معناه حامل الملابس، وهو الموظّف المختصّ بخزانة ملابس السلطان وإلباسه الثياب الخاصة بكل مناسبة. (حدائق الياسمين 68).
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٦١)
نفيسة ووصله بمال جسيم. وشكر له حسن مناصحته بألفاظ أرق من النسيم. وثبت مولانا السلطان لهذه الصدمة، وأظهر فيها حركة في سكون وهمّة وأيّ همّة. ثم طلب الكتّاب، فحضرنا بين يديه، وأمر على لسان كاتب سرّه الصاحب فتح / 35 ب / الدين بن عبد الظاهر باستدعاء ورق الطير، وكان معي معدّا لمثل هذا المهمّ، محصّلا لوقوع مثل هذا الملمّ، فقلت: هو حاصل. فأملى على كاتب سرّه المذكور نسخة إلى سائر أمراء الشام ومقدّميها، ومفاردتها فأسرعت في تعليقها، وأعجلت القلم في توريقها.

واتّفق أنّ مولانا السلطان قال للصاحب فخر الدين ابن لقمان، وكان من أكابر الكتّاب، وأجلّ الأصحاب. وله هجرة صالحيّة، ومكاتبة صاحبيّة. إلاّ أنّه كان قد خمل ذكره في هذا الزمان، وتقدّم عليه الصاحب فتح الدين بإصابة رأي السلطان، قال له: يا فخر الدين اكتبوا لكلّ الأمراء، فانتهز فرصة المشاكلة، وظنّ أنه ربّما قامت عن الفرض النافلة، فقال للسلطان: لعلّ مرسوم مولانا يبرز بحضور بعض كتّاب الجيش ليعرّفنا أسماء الأمراء ومنازلهم. فبدرته بإخراج دستوري وسكّتّه، لا بل بكّتّه، لا بل بكّيته، وفتحت الدستور وأوريته. ومولانا السلطان ينظر أمراء مصر والشام ميمنتها وميسرتها، فقال / 36 أ / له مولانا السلطان: إذا لم تعرف سل من يعرف. وشرعنا في الكتابة إلى كلّ بما مثاله؛ بعد الألقاب(1):

«إنّا قد بلغنا ما أنفق من وقته وساعته، وتولّت الملائكة الكرام الحفظة فضل إذاعته وإشاعته، من حديث سنقر الأشقر وتقفّزه، وتعاطيه وعدا لم يكن الله بمنجزه، وتسنّمه لذروة لا يستقرّ به قرارها، وتوثّبه على مملكة طال ما أجّجت ممّن سواه نارها، وتحقّقنا الصورة كما وقعت، والحالة كما توقّعت. وإنّ المجلس كان فيها مكرها لا بطل، وأنّه ما وسعه إلاّ الموافقة خوفا على نفسه وهو معذور، ومداراة للوقت ودخولا تحت القدر المقدور، وتيقّنا أنه معه صورة ومعنا معنّى، وأنه مصروف العنان إلى جهتنا تصريفا لا يثنى. كيف وما زلنا عليه بحسن المخالصة نثني ونثني. ونحن والله والله والله وتالله وتالله وتالله وبالله وبالله وبالله / 36 ب / لم نشكّ في ودّه، ولا نرتاب في صحّة عقد عهده. ولا غيّرنا عليه مغيّر، ولا أثّر في قلبنا غير ما يعهده مؤثّر؛، فيشرح صدره، ويروّج سرّه. ويعلم أنه عمّا
(1) ألصقت هنا ورقة طيّارة فيها أحاديث شريفة وأقوال مأثورة لا علاقة لها بموضوع الكتاب.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٦٢)
قريب يترك المشار إليه، عمّا توثّب عليه. ويحصل الغرض بمشيئة الله تعالى وقدرته، ويجرينا على المألوف من نصرته. فيعلم ذلك ويطيب نفسا، ويقرّ عينا. والسلام».

وجهّزت الملطّفات أوّل(1) بأوّل في الخفية صحبة قصّاد، ووصلت الأجوبة من كلّ بالحلف أنّما(2) قاله مولانا السلطان من الغضب صحيح، وأنّه أوّل رأيه تبدوا(3) لمولانا السلطان بادروا إليها، وكذا بالله كان.

وكتب إلى الأمير شمس الدين سنقر الأشقر كتاب مثاله:

«خلّد الله نعمة المقرّ الكريم الشمسي، ولا زال ممّاحيك عليه من الإنصاف يعرف الحقّ على نفسه، وبما اشتمل عليه من أتباعه يستعيذ من تزيين الشيطان الخروج عنه ومسّه. وبما ألفه / 37 أ / من اجتماع الشمل على الذّبّ عن حوزة الإسلام لا يخرج إلى وحشة تفريقه عن أنسه. وبما ينبغي لمثل علوّ قدره من اتباع وضوح منهج الحقّ لا يركن إلى كيسه، أصدرناها إليه متضمّنة ما لا يسع إلاّ التأمين عليه عاتبة بل غائبة حاضرة، وفي النيابة عن إقامة الحجّة عن الألسن الغائبة. راجعة به عمّا ارتكبه ممّا لا يدوم، مغلية عليه ما سامه من شطط كان الأليق بمثله ولمثله لا يسوم. وهو ما ظهر فيه من ادّعاء ملك جهة لا تستقلّ بنفسها بل لمدّعيها تستقلّ ولا تنهض بالدفع عن حوزتها بمن حوته، وهيهات وكم جهد المقلّ، وهل هي إلاّ ضميمة للمملكة المصرية وجندها، ودخيلة تحت ذيل مناصرتها، وكم لها من منّة في جيدها، ومنضوية إلى أبجادها، ومترامية إلى إسعافها وإسعادها. وما بالعهد من قدم، وكم مرّة أخذت بيدها عندما زلّت بها القدم. وكم سامها ما سمته فأغلت سومها. وكم رام ما / 37 ب / رمته فما لبث أن جاء تحت الذلّة وقد أسلم قومها. وإنك لتعلم ما نريد ومن نريد، وتعرف حقيقة ما قلناه من قريب وبعيد. وما زدت على أن فرّقت كلمة الإسلام، وأطمعت الأعداء لا بل أشمتّهم بتفريق ما كانوا عليه من الإلتآم. وجعلت لمن قبلك ذنوبا لم يجترحوها، وأوجبت عليهم مؤآخذات بأمور لم يقترحوها. على أنهم بما تحقّقناه برءاء منه لا محاله، غير مؤآخذين به بشهادة الله منّا إذ كانوا مغصوبين على ما رمت مناله. ثمّ ولو حاسبت
(1) الصواب: «أولا».

(2) الصواب: «أنّ ما».

(3) الصواب: «تبدو» من غير ألف.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٦٣)
نفسك لما ارتكبت هذه الخطّة، ولا حططت بها مروءتك هذه الخطّة. ولا قمت في وجه حقّنا ببطالك، ولا جازيت إحسانا النقد بمماطلك. وأنت تعلم كيف سافرت مع الملك السعيد وكيف عدت وكيف قربت من خمولك في أيامه وما بعدت، وما أجدى رأيك عليه وعليك، وما ساقته مناصرتك إليه وإليك. وأنّه كان أعلى رتبتك الحرمان / 38 أ / وأنجز الإحسان إليك وعد باللسان، فلم ألبث أن قلّدتك الشام، وقلّدت عنقك بالأيادي الجسام، وأجزلت لك النائب، وفارقتك على أنك النائب، فتطاولت إلى نقل اسمك، والخروج عن رسمك. وكأنّي بك تقول إنّا قد افترقنا نائبين (وتقاسمنا المملكة)(1)، وما وجه الأولوية، وإنّ كلا الذّمّتين بما انتقلت إليه مليّه. وهو تحيّل لا شبهة في فساده، وتحيّل لا نكر لعناده، وأين (من) (2) وقع عليه الإجماع مصرا وشاما، وخطبه له أولو الحلّ والعقد نقضا وإبراما. وعهد إليه أمير المؤمنين ومدّ له كفّ مبايعته. وكلّ على دعوته أسرع مؤمّنين، وأفاض عليه شعاره العبّاسيّ فتبسّم به ثغر (كل)(2) مملكه، وأتاه كتابه فتلقّاه باليمين. سالكا في القبول مسلكه. وهل السابق كاللاّحق بابتداعه، وهل المجمع عليه كالذي قنع من نفسه لنفسه بإجماعه. ولو كان ما تلبّس به لا بل لبّس واستغنى به، وكأنّه به وقد أفلس بولاية لولايتنا لكان أفضل / 38 ب / للمتقدّم قول ليس عن دعواه ثاني، وحسبنا في إراقة دمه، ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الثاني».

هذا، وهي الخلافة المعظّمة، وإمرة المؤمنين المفخّمة، فكيف بفروعها المنحطّة عن قدرها، المندرجة تحت نهيها وأمرها. فخلّ عنك ما علّلت به (شره) (2) نفسك، وتدارك بيوم رجوعك أمسك. واركب في سرجك، واسلك أوضح نهجك، ودع الإسلام وشمله الملتئم، والكلمة وتفرّدها الملتزم، واغمد سيف الفتنة من حيث سللت، وحلّ من مكان النيابة حيث حللت. وامح دعوى الكمال، بتلقّيك الكامل بيد تنصّلك. واجلب القلوب النافرة عنك، بما ألّف من قديم حسن توصّلك. ولا تظنّ بأنّ لمن حولك حول ولا قوّة لمناصرتك. ولا أنّ لهم نيّة في معاصرتك. وإنّما معك الصورة ومعنا المعنى، ولك من البعيد الشخص ولنا من القريب الأدنى. وإن كابرت
(1) عن الهامش.

(2) كتبت فوق السطر.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٦٤)
وبجمعك المفلول كاثرت، فسيأتيك / 39 أ / بدعوانا الخبر اليقين، ولتعلمنّ نبأه بعد حين. ولا تعتقد أنّا لا نقيل عثرتك، ولا نغفر زلّتك. فو الله متى اعتذرت قبلنا عذرك، وعرفنا لك من الخوجداشية قدرك. وأقبلنا عليك، وأحسنّا مع الإساءة إليك. وأويناك حيث تحبّ وتختار، وأريناك بالموافقة على ما تحبّ أن تتديّره لصيانة نفسك المصونة منّا إن رجعت لمن عقبى الدار. وهذا كتابنا ينطق علينا بالحقّ. وقولنا شاهد علينا بما عوّدناه من صدق. وكفى بالله شهيدا. والسلام».

وسيّر إليه الكتاب، فما أجاب ولا أناب، ولا باشر التنصل بنفسه ولا استتاب. بل صمّم على الخطا، ومدّ إلى المقارعة الخطا(1). فلمّا أيس من إذعانه، ورجوعه عن عدوانه، جهّزت إليه شرذمة من العساكر المنصورة، تقدّمها الأمير علم الدين سنجر الحلبي الكبير، وأكّد عليه مولانا السلطان في أن لا يجرّد سيفا حتى يعذر إليه، ولا يراق دم حتى يعرض الرجوع عليه.

وكتب على يد الأمير علم الدين / 39 ب / أمان من مولانا السلطان له، وسيّر معه خاتمه ومنديله، ومن مضمون الأمان:

«إنّا لا نؤآخذه بما اعتمده، ولا ننقم عليه ولا نضمر له سوءا في اليوم ولا في ما بعده. ولا نحلف فيما التزمناه وعده، وإنه إن حضر إلينا كان بمنزلته وأعلا(2)، لا يخاف غيلة ولا خديعة ولا مكرا، وهو الأليق بنا في حقّه والأولى. وإن اختار قلعة يتدبّرها أجبنا اختياره، وبلّغناه أوطاره، هذا أماننا، وو الله والله والله، وتالله وتالله وتالله، وبالله وبالله وبالله إنّا لموفون له إن أجاب {وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ}(3).

فأبا(4) إلاّ السيف، وامتنع من قري ما لوفد عساكرنا من حقّ الضيف. وبرز وبارز، وركب في جيش مستعار، وارتكب لمحاربة إخوانه المسلمين عارا وأيّ عار. فحين طلع نجم صنجق مولانا السلطان الشريف كسفت شمسه، وخاب في اليوم أمسه. وهرعت الأمراء الشاميّون إلى صنجقنا فدخلت تحت ظلّه الممدود، وانتهت / 40 أ / إلى حدّ التزامها المحدود.
(1) الصواب: «الخطى».

(2) الصواب: «وأعلى».

(3) سورة ص، الآية 40.

(4) الصواب: «فأبى».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٦٥)
وأمّا الأمير شمس الدين سنقر الأشقر فإنّه كان قد أعدّ قلعة صهيون لهروبه، ورأى حدّه نفس مكتوبنا وما كان أسعده لو جرى نحت مكتوبه. ففرّ منهزما، وأخلّ بما كان به لمن تابعه من الشرط ملتزما(1).

ودخل الأمير علم الدين المشار إليه إلى دمشق فسدّ خللها، وأوضح سبلها، وأعاد حقّ مولانا السلطان منها إلى نصابه، وأعلن باسمه على منابرها وأنه الأولى به.

واستقرّ سنقر الأشقر بصهيون، وصعب عليه بحصرها ما ظنّ أنه يهون.

 

‌ذكر ما اتفق للأمير شمس الدين سنقر الأشقر بعد ذلك

ولما خرج مولانا السلطان في السنة المذكورة للجهاد في أعداء الله التتار الذين كان أطمعهم الأمير شمس الدين سنقر الأشقر بخلفه، وحملهم على الحضور بعدم فكرته في عاقبة من / 40 ب / تركه من خلفه. وحلّ بدمشق بالعساكر الإسلامية التي أعدّها، وتجاوزت في الكثرة حدّها، وسلّت سيوفا أمضت النصرة المضمونة من الله حدّها. جرّد أمامه وقد قويت الأخبار أنّ القوم واصلون لا محاله، وتأكّدت بصحّة مكاتبات النصحاء وأنّ ما منهم إقاله. ووصلت مكاتبات نائب الرحبة أنهم حوصروا من القوم بجيش كبير. وأنهم في ضيق(2) من القاصد أن يسير معهم عسير. فلم يلبث مولانا السلطان عند سماع هذا الخبر المقلق إلاّ أن خرج للوقت مطلقا لاعنّة خيل الله وحقّ له أن يطلق. وبدأ فجرّد إلى الرحبة طائفة كبيرة من العساكر المنصورة. وأمر فكتبت عنه - خلّد الله ملكه - إلى الأمير شرف الدين عيسى بن مهنّا بالمسير والمصير إلى جهة الرحبة. وكتبنا إلى الملك المسعود خضر ولد الملك الظاهر بإنفاذ من عنده بالكرك من العسكر الظاهري، وإلى عربها بني عقبة في أن يحضروا وإلى / 41 أ / الديار المصرية بإرسال من تأخّر بها من العساكر، وإستادارية الأمراء والعرب بأن يحضروا إلى سائر الجهات. ولم يتأخّر
(1) تاريخ مختصر الدول 288، تشريف الأيام والعصور 65 - 69، ذيل مرآة الزمان 4/ 35، المختصر في أخبار البشر 4/ 13، الدرّة الزكية 235 - 237، نهاية الأرب 31/ 20، 21، زبدة الفكرة 9 / ورقة 54 أ، دول الإسلام 2/ 180، العبر 5/ 322، تاريخ ابن الوردي 2/ 227، البداية والنهاية 13/ 290، عيون التواريخ 21/ 242، مرآة الجنان 4/ 190، تذكرة النبيه 1/ 57، 58، السلوك ج 1 ق 3/ 676، عقد الجمان (2) 242 - 246، تاريخ ابن سباط 1/ 472، تاريخ ابن الفرات 7/ 172.

(2) كتب في الأصل: «في ضيق اليسير» ثم شطب على «اليسير».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٦٦)
أحد عن فرض الله الجهاد، وحشر الناس وقد نادى لسان التناصر من كلّ واد بكل واد.

وأعمل مولانا السلطان السير وقد بلغه أنّ القوم انتخبوا من الألف مائة، ومن المائة عشرة، وأنهم شتّوا بالأطاق(1) - ومعنى هذه اللّفظة الجبل الأبلق - وهو خارج الدّربندات(2) وتشتيتهم فيه علامة على قصد البلاد. فلم يزل - خلّد الله ملكه - يحثّ السّير بنيّة الغزاة الصادقة، ويطوي المراحل في كلّ غاربة وشارقة. والأخبار من جهة النصحاء تتأكّد، والقصّاد منه وإليه تتردّد، إلى أن حلّ ركابه حمص، فلمّا بلغ التتار المخذولون(3) هذا الاهتمام، وتفويق هذه السهام، وإعلان هذه الأعلام، وقدوم مولانا السلطان في أحسن هيئات الإقدام، علموا أنهم لا قدرة لهم بمصادمة هذا / 41 ب / الجيش الجرّار، ولا لهم استعداد يقابل هذا العزم الكرّار. وحصل لهم من الرعب ما ثبّط عزمهم، وثبّج حزمهم، وكاد أن يبدّد نظمهم.

وكان المقدّم لهذا الجيش الحاضر به منكوتمر بن هولاكو. وسبب حضوره أنّ أخاه أبغا ملك التتار الآن، والقائم بأسّته، والمتولّي أمر سياسته، وقد تقدّم إليه، وقد ألحّ (عليه)(4) في طلب مملكة بأن يجمع الجيوش من أدنى بلادهم وأقصاها، فتتبّع العساكر من التتار والكرج والروم والأعجام واستقصاها. وأن تفتح البلاد الشامية ويستملكها، وأن يستقطع كلّ أرض يسلكها. وما هو إلاّ أن غرّته العافية، وخيّل له قرب الأجل موافاة ما غدت له منيّته موافية. هذا، وأحواله عندنا يوما بيوم لابل ساعة بساعة، والمكاتبون بإنفاذ القصّاد باذلون في إعلامنا جهد الاستطاعة.

وعند ما تحقّق مولانا السلطان الخبر، بادر لاقتفاء الأثر، فبينا نحن كذلك / 42 أ / إذ ورد كتاب النائب بالرحبة، وبآخره ملطّفة قد ألحقت بعد ختم كتابه، متضمّنة أنّ التتار قد أحاطوا بالقلعة(5) كما تقدّم.
(1) ألاطاق: بهمزة قطع في أوله، وهو بالتركية، ألاداغ، أي الجبل.

(2) الدّربند: لفظ فارسي معناه: سنبلة يقفل بها باب الدكان أو الحانوت. دخلت العربية منذ العصر الأيوبي، ثم انسحب اللفظ ليطلق على المعابر الضيّقة بين جبلين والمضايق التي تقطعها الأنهار (معجم المصطلحات والألقاب التاريخية 178).

(3) الصواب: «المخذولين».

(4) عن الهامش.

(5) نهاية الأرب 31/ 31.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٦٧)
‌ذكر ما انعقد عليه الرأي في هذه المنزلة ثم نقض

كان مولانا السلطان قد عقد الرأي والمشور مع أمرائه في أن يرجع ويكون القتال بمرج الزنبقيّة ظاهر دمشق، وأنّ في ذلك مصالح، منها: القرب من دمشق وقلعتها لاحتمال عدم النصر - والعياذ بالله - ولا نكر، لأنّه قد جاء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم «لا تتمنّوا لقاء العدوّ فإنّهم ينصرون كما تنصرون»(1). واختلفت آراء الأمراء، فمنهم من أمّن على ذلك، ومنهم من قال: الرأي أن يقسّم الجيش قسمين، يتقدّم قسم، ويتأخّر قسم، فإذا خذل الأول أردفه الثاني، فقال - وهو الأمير علاء الدين طيبرس الوزيريّ -: ليس هذا برأي لأنّا إذا أخذنا حزمة نشّاب وسللناها سهما / 42 ب / سهما وكسرناه تكسّر الجميع. وإذا أخذنا الجملة وأردنا كسرها لم تنكسر، ولا نلتقي الكلّ إلاّ بالكلّ، هذا، والرأي على الرجوع مستمّر.

وما أكمل مولانا السلطان كلامه مع قريبي الصدر فتح الدين بن عبد الظاهر صاحب ديوان الإنشاء الشريف بأن يكتب إلى النائب بدمشق بما وقع عليه الرأي، وأن يخرج دهليزا(2) وسوقيّة إلى مرج الزنبقيّة، حتى فرغت الكتاب كما أملاه مولانا السلطان. وعندما التفت الصدر فتح الدين إليّ بأن أكتب ناولته الكتاب مفروغا، وعندما ناولته وقدّمه لمولانا السلطان ليشمله خطّه الشريف عجب من سرعته، وأثنى على (علوّ)(3) همّته، ولا أقول همّتي تضاؤلاّ عن علوّ رتبته. وسلّم الكتاب بعد ختمه للبريد. وأكّد مولانا السلطان على البريد في سرعة سيره، وانفصل بعد تقبيل الأرض. فأشار إلى الصدر فتح الدين بن عبد / 43 أ / الظاهر بأن أعوّق البريديّ، فامتنع عليّ، فرسّمت عليه بعض مماليكنا.

وأمر مولانا السلطان بتقويض الدّهليز. وركب مولانا السلطان بهذه النّيّة، ولم يزل إلى أن وصل إلى مفرق الطرق ما بين حمص ودمشق، فاجتمع
(1) أخرجوه في حديث طويل، وفيه: «لا تتمنّوا لقاء العدوّ وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا». البخاري في الجهاد 4 ج 9 باب كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا لم يقاتل أول النهار أخّر القتال حتى تزول الشمس. و 4/ 24 باب لا تتمنّوا لقاء العدوّ، وفي التمنّي 8/ 130 باب كراهية لقاء العدوّ، ومسلم في الجهاد والسير (1741) و (1742)، وأبو داود في الجهاد (2631) باب في كراهية تمنّي لقاء العدوّ، وأحمد في المسند 2/ 400 و 523.

(2) الدهليز: لفظ فارسي بمعنى: معبر ما بين الباب والدار. ودخل إلى العربية بالمعنى نفسه ولا زال شائعا حتى الآن في البلاد الشامية.

(3) عن الهامش.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٦٨)
الأمراء والشيوخ من مقدّمي الحلقة الصالحيّة ورجعوا به عن ذلك الرأي في الرجوع، وصمّموا على قصد حمص، للمّ ما حصل لتلك البلاد عند الجفلة من الصّدوع.

وأمر مولانا السلطان فكتب للأمير علم الدين سنجر الباشقردي الصالحيّ ما مثاله:

«يا علم الدّين ما هو وقت دعوى الفروسية، وأن يغرّك من معك من العسكر الحلبي، فتحمل فيمن قبلك من التتار على كثرتهم، فتفسد الحرمة من غير بلوغ قصد، فيكون بينك وبين التتار مسافة يوم كامل، متأخّرا إلينا إلى أن نجتمع على أخذ هذا العدوّ المخذول».

هذا نصّ (كلام)(1) مولانا السلطان / 43 ب / وكتبت إليه به عنه، وعاد جوابه بالسمع والطاعة، وأنه لا خروج له عن السّنّة والجماعة.

 

‌ذكر ما اعتمده مولانا السلطان في أيام إقامته بحمص

أقام مولانا السلطان بحمص خمسة عشر يوما، وفي كلّ يوم يركب هو ومشايخ الصالحيّة وأمراء الحلّ والعقد، ويصعد هو وهم فوق تلّ هناك، وهو الذي بنيت عليه قبّة النصر، ويعقد الرأي هنالك. وفي كل يوم تركب العساكر المنصورة بكمالها ملبسة، معتلقة رماحها، شاكية سلاحها، ويتكوزرون وهو ينظر إليهم تدريبا وتمرينا، وتهذيبا وتأديبا.

 

‌ذكر ما رآه مولانا السلطان أيضا في هذه المنزلة وما انعقد عليه الرأي

قد تقدّم أمر من جرّد إلى الرحبة المحروسة من العساكر / 44 أ / والعربان. ولمّا صحّت الأخبار في كثرة هذا العدوّ وتنوّع أعدائه، وقوّة استعدائه، عقد المشور، واقتضى الرأي مداواة الأخطر، وحفظ الأكثر من العدوّ الأكبر. بأن يحضر من جرّد إلى الرحبة إلى حمص، وأن يكتب إلى نائبها بأن يمسك خيله ريثما يلتقي الجمعان، ويتناصف الصّفّان. فحضر من كان هنا لك إلى هنا، وتكفّل (بحفظ)(2) من رحلوا عنه إلاّ هنا، فحضروا وقويت شوكة الإسلام بحضورهم، واعتقد العدوّ أنها نجدة فحاروا في أمورهم.
(1) كتبت فوق السطر.

(2) عن الهامش.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٦٩)
‌ذكر احتفال المكاتبين بحقيقة أحوال القوم

قد تقدّم حديث المكاتبين والمناصحين لله ولرسوله وللإسلام. ولمّا كان قبل ملتقى القوم ومولانا السلطان نازل بحمص، حضر قاصد (من)(1) ديار بكر من جهة، كبير جليل سلك الجهة، / 44 ب / على يده ملطّف بعدد القوم وتفصيل جملتهم، وحصر عدّتهم، وأسماء مقدّمي تماناتهم(2)، وأجناس تجنيسهم، وتلبيس شعارهم لرعاع رعيّتهم من العوام، وهي عادة تلبيس إبليسهم. وأخبر هذا القاصد أنه خاض القوم ميمنة وميسرة، وقلبا وجناحين، وأخبر أنهم في غاية الكثرة، وإنّما ساق منهم من عليه جنى الحين. وتضمّن الملطّف المذكور أنّ القوم مائة وعشرون ألف فارس(3). وطابق هذا الخبر في العدّة ما كان أخبر به جلدر(4) بهادر أمير أخور(5) هولاكو الذي كان أمسك بعين تاب.

 

‌ذكر الصورة في إمساك جلدر بهادر المذكور

كان منكوتمر أخو أبغا طاغية هذا الجيش عندما قرب من البلاد الشاميّة وجدها خالية من العساكر والرعايا، وتجفيلهم استجرارا له، وإنهاكا لقوّته، وبعدا لمسافة عوده عند كسرته، / 45 أ / صار يركب وينفرد عن جيشه في شرذمة يسيرة للصيد، وكم من رام أن يصطاد فاصطيد، وكانت أجناد عين تاب يركبون في كلّ يوم ويتخطّفون منفرد القوم، ويتداولون ذلك اليوم بعد اليوم، فيظفرون ويغنمون ويعودون. واتّفق أنهم ركبوا يوما وأبعدوا عن الحصن، فصادفوا منكوتمر المذكور
(1) عن الهامش.

(2) تماناتهم - طوماناتهم، مفردها تومان - طومان، وهو لفظ فارسي بمعنى الأمير، أو القائد على عشرة آلاف فارس.

(3) في نهاية الأرب 31/ 31 يزيدون على ثمانين ألف فارس من المغل. وفي الدرّة الزكية 242 إنّ التتار في ماية ألف فارس. وفي تاريخ ابن سباط 1/ 475 أن العسكر ينوف عن ثمانين ألفا، منهم 50 ألفا من المغل، والباقي مجمّعة من الكرج والأرمن والعجم وغيرهم.

(4) ضبطه المؤلّف بفتح الجيم وسكون اللام، وفتح الدال المهملة، وفي آخره راء. وقد ورد في نهاية الأرب 31/ 30 «حلتار» بالحاء المهملة والتاء المثنّاة، وفي تاريخ ابن الفرات 7/ 213 «حلنار» بالنون.

(5) أمير آخور: المتحدّث عن اصطبل السلطان وخيوله، وعادته أن يكون مقدّم ألف يتحدّث فيها حديثا عامّا، وهو الذي يكون ساكنا بإصطبل السلطان، ودونه ثلاثة من أمراء الطبلخاناة. (صبح الأعشى 4/ 18، 19).
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٧٠)
في قليل من القوم، ومعه هذا «جلدر بهادر». وكان أبغا قد سيّره معه ليستضيء برأيه فيما يأتي ويذر، ولا يخرج عن إشارته وردا وصدر. لأنه من كبار قومه، وشيوخ قور لقاي هولاكو أبيه بزعمه. فحين رأى جلدر بهادر أجناد عين تاب قال لمنكوتمر: أنج بنفسك ورح أنت ومنّا ومنهم لأنك إن قابلتهم وقاتلتهم وانتصرت عليهم فلا فخر، وإن خذلت كان عارا، ففرّ منكوتمر، ووقف جلدر بهادر ومعه بعض من كان مع منكوتمر، وتجاملوا وتصادموا، فعيّن بعض أجناد عين تاب على وتر قوس جلدر بهادر بسيفه فقطعه، / 45 ب / وضربه آخر بدبّوس في رأسه فصرعه، وهرب من كان حوله، واشتغل أجناد عين تاب بالأهمّ من إمساك هذا الخصم الألدّ بما أبداه من صوله. وهم التتار لا حيلة لهم إلاّ النشّاب، ولا نفوذ لهم إلاّ ما يرسله ما لقسيّهم من قاب. لا يدرون ما المطاعنة بالرماح، ولا كيف يستقي بأشطانها ما للأجساد من أرواح. ولقد حمل بعضهم عليّ برمح ليس له سنان وطعنني عدّة طعنات بعد أن أثخنت بالجراح، فلم يؤثّر فيّ ذلك الطعان.

ثمّ إنّ النائب بعين تاب عندما اقتنص جلدر بهادر سرّح الطائر الميمون بالبطائق، بطليعة هذا النصر العزيز، وأماير هذا التأييد الذي أبرزه الله (أعظم)(1) دليلا(2) عليه قبل التبريز. وللوقت كتبت جواب البطائق حسب الأوامر الشريفة السلطانية بالاحتفاظ بالمذكور، وجهّز تحتها الأمير عزّ الدين أبو شامة الشهابي الحاجب على خيل البريد، وعلى يده مثال / 46 أ / شريف بتسليمه له في القيد إن كان فيما للحياة من قيد، وأن يجهّز الجماعة الذين رموه إلى الأبواب العالية. فسلّم له، ووصل إلى دمشق المحروسة ومولانا السلطان بميدان القصر الأبلق يطارد الكره، ولا أقول يلعب، ويتمّرن على المدافعة وما زال في مثل ذلك يدأب. وهو رجل تامّ الخلقة، ضخم الجثّة، عريض الأكتاف، صغير الرأس. فاستؤذن مولانا السلطان عليه وهو منجمل في المطاردة، فوقف واستوقف، وألقى عصا جوكانه(3) التي كانت لكرة مطاردته تتلقّف. وأحضر جلدر بهادر المذكور متوكّئا على من أحضره من ثقل قيده، ورأسه معصوبة من الضّربة التي صعّرت خدّيه في التراب،
(1) عن الهامش.

(2) الصواب: «دليل».

(3) الجوكان: لفظ فارسي بمعنى العصا المعقوفة. وهي التي كان يلعب بها السلطان ويقذف بها الكرة. وهي عصا البولو التي تشبه الآن لعبة الهوكي.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٧١)
وأرته من شدّة وقعتها العجب العجاب، وأمر بتقبيل الأرض فأبى من حمقه، ونهي فصمّم إياسا ممّا بقي من رمقه. وكان كثير الضحك، فعمد إليه الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار فألقى برأسه إلى الأرض، وأقامه من سجوده / 46 ب / لتقبيل يد مولانا السلطان ليحصل على السّنّة والفرض. فقبّلها مرارا، ورأى ما هاله من حسن هيئة(1) مولانا السلطان وهيبته وجميل صورته. وعلم أنّ ذا الحقّ لا يمارى.

ثم أمر مولانا السلطان بانصرافه إلى قلعة دمشق المحروسة وإنزاله في برج من أبراجها، وأن تحمل له الفرش والحكماء ويداوى، وأن يقرّر له من الإقامة كفايته وزيادة. وأحسن له - أحسن الله إليه - العادة في العيادة.

ولمّا حضر مولانا السلطان إلى القلعة من الميدان استحضره واستخبره، فأخبر بمثل ما تضمّنه الملطّف الواصل من ديار بكر من العدّة والعدّة.

وأملى عليّ قريبي الصدر فتح الدين صاحب ديوان الإنشاء الشريف مقدّمي القوم، حتى كان إملاؤه وملطّف ديار بكر لم يختلفا في مدّه.

ولمّا عزم مولانا السلطان على التوجّه للقاء القوم جهّز المذكور إلى ديار مصر. ولمّا عاد بعد نصره إلى مقرّ ملكه أحسن إليه، وأفاض / 47 أ / بملابس النعماء عليه. وأجرى رزقه، ووفّاه من الصدق في الأخيار حقّه. وأطلقه من الأسار، وصيّره بعد العبوديّة من الأحرار. إلى أن مات في خدمته، وأدركه ما فاته من الموت عند صرعته.

 

‌ذكر الركوب للقاء العدوّ المخذول

ولما كانت ليلة الخميس المسفر صباحها عن اليوم المبارك الرابع عشر من شهر رجب الفرد سنة ثمانين وستماية، بات مولانا السلطان والعساكر المنصورة على ظهر قوّضت الخيام، وتهيّئات القسيّ لاعتقال عوامل السهام. وتلمّظت(2) السيوف في الأغماد حنقا، وشكت الرماح ببعدها عن أسنّتها بطول ليل انتظارها أرقا. وزرّرت الجواشن أطواقها على اسم التحصين، وحمى الحديد فظنّ في ظلامها أنه ومضان برق أو شعاع شمس بما أبداه صقالها من تحسين. وأسفر نجّاب
(1) في الأصل: «هياة».

(2) في الأصل: «تلمضت».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٧٢)
صبحها / 47 ب / وعلى يده مخلّق(1) تملأ الدنيا بشائره، وأشرقت شمس يومها وقد جاء نصر الله والفتح الميمون طائره، فترتّبت الجيوش الإسلامية ميمنة وميسرة، وانضمّت جناحين لا تسأل في الإقدام نظرة إلى ميسرة. ونشرت الأعلام المحمّديّة، وأظلّت الراية السوداء العباسية. وبايع مولانا السلطان الله ورسوله، ورفع يديه مبتهلا بأن يبلّغه من نصر الدين المحمّدي سوله. ووقف وما في الموت شكّ لواقف، وأقدم من مماليكه في جمع متكاثف. وارتفعت الأصوات بتلاوة القرآن، واجتمع حول جواد مولانا السلطان من الفقراء والمشايخ الصلحاء الحاضرين من مصر وبغداد والبطايح والعراقين والشام جمع كبير مشاة. وتقدّمت الجاليشيّة، وأقبل القوم فغصّ الفضاء بكثرة جمعهم، وضاق وسعا عن وسعهم وارتفع عجاجهم، وهال ثجاجهم، وأمطرت غمامتهم السوداء مطر السّوء من سهامهم. وخطت وما / 48 أ / تخطّت مرسلات نبل أقلامهم. ودارت سواقي عجل النيل، إلاّ أنها قرنت بالخطاء (من الخطأ)(2) لا الصواب، وجاءت حور عين معاينتهم فدخلت على المستشهد بها من كلّ باب. وأخذ مولانا السلطان في تثبيت عساكره، واستجرار القوم من غير رهج وثوقا بالله ناصره.

ثم إنّ التتار المخذولين صاروا كرديسا(3) واحدا بعد الترتيب، وحملوا على الميسرة الإسلامية حملة رجل واحد فتراجعوا عنها كيما تخسر وثبتهم وتخيب.

وعندما بلغ مولانا السلطان خبر الميسرة وتأخّرها، وتحيّرها وتتابعها، وأنّ التتار قد صاروا خلف صناجقه المنصورة أمر بلفّها، وتبطيل الكوسات(4) وكفّ كفّها.

ثم لم يزل مولانا السلطان على من بقي من القوم إلى أن هزمهم بإذن الله وقوّته، وشتّت شملهم بعظيم سطوته(5).
(1) المخلّق: الكتاب أو الرسالة المعطّرة بالروائح، المخلّقة بالمسك وغيره.

(2) عن الهامش.

(3) هكذا، والصواب: كردوسا. والكردوس: القطعة العظيمة من الجيش.

(4) الكوسات: مفردها كوسة: صنوج من نحاس تشبه الترس الصغير يدق بإحداهما على الأخرى بإيقاع.

(5) أنظر عن موقعة حمص في: تاريخ مختصر الدول 288، 289، وتاريخ الزمان 341، 342، وزبدة الفكرة 9 / ورقة 112 ب - 119 ب، والدرّة الزكية 241 - 247، والمختصر في أخبار البشر 4/ 14، 15، ونهاية الأرب 31/ 31 - 35، ودول الإسلام 2/ 182، 183، والعبر 5/ 326، 327، -
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٧٣)
واتّفق لمنكوتمر مقدّم هذا الجيش أمر عجيب.

 

‌ذكر ما اتفق لمنكوتمر في هذا اليوم

/ 48 ب / كان الملك المنصور صاحب حماة قد أهدى للمقرّ الحسامي طرنطاي نائب السلطنة المعظّمة فرسا جيّدا، قيل إنّ ثمنه خمسة عشر ألف درهم. وكان الأمير حسام الدين قد توغّل في المحاربة، فجرح فرسه، فطلب الفرس المهدى إليه، فلمّا أقبل ليركبه ساب من يد أمير أخوره، ولم يزل إلى أن وقف قدّام منكوتمر، فاستبشر به، وانثنى ليركبه. وكان منكوتمر هذا معؤجّ الرّقبة، أصور(1) خلقه، فحين انثنى ليركب جاءته نشّابة في عوجة عنقه. فأخذها وهرب على تلك الفرس. فكانت له نعشا أدناه من مصرعه. ورجعت به ولكن لا تسل كيف مرجعه، وخذل القوم بخذلانه، ولم يمت حتى أكل ما نقل لسانه، من شدّة الألم بأسنانه(2).

 

‌ذكر ما اتفق عند مواجهة القوم

لما ركب مولانا السلطان للملتقى وقعت البطاقة / 49 أ / من حصن الأكراد على جناح الطائر، مضمونها أنه قد وصل إليه الخبر من جوّا طرابلس الشام أنّ التتار المخذولين سيّروا جمعا كبيرا منهم إلى طرابلس ليخرجوا منه ويكونوا من وراء العساكر المنصورة عند مواجهتهم القوم باللقاء. ولما قرأها قريب المملوك
= وتاريخ ابن الوردي 2/ 228، 229، ومرآة الجنان 4/ 191، والبداية والنهاية 13/ 295، 296، وعيون التواريخ 21/ 278 - 280، وتذكرة النبيه 1/ 62، 63، وتاريخ ابن خلدون 5/ 398، ومآثر الإنافة 2/ 129، وتاريخ الخميس 2/ 424، والسلوك ج 1 ق 3/ 690 - 699، وعقد الجمان (2) 272 - 278، ومشارع الأشواق 2/ 947، 948، والنجوم الزاهرة 7/ 302 - 306، وتاريخ ابن سباط 1/ 475 - 478، وتاريخ الأزمنة 259، وتاريخ ابن الفرات 7/ 212، وبدائع الزهور ج 1 ق 2/ 350، والتحفة الملوكية 98 - 102.

(1) هكذا في الأصل.

(2) أنظر عن موت منكوتمر في: تاريخ مختصر الأول 289، وتاريخ الزمان 343 وفيهما أن منكوتمر» مات مسموما، وتشريف الأيام والعصور 18، ونهاية الأرب 27/ 399، 400، والمختصر في أخبار البشر 4/ 15، 16، والدرّة الزكية 243، ودول الإسلام 2/ 183 و 185، والتحفة الملوكية 107 (حوادث سنة 681 هـ). وتاريخ ابن الوردي 2/ 229، وعيون التواريخ 21/ 293، وتاريخ ابن خلدون 5/ 399، ومآثر الإنافة 2/ 129، وتاريخ الخميس 2/ 242، والنهج السديد 234، 235، والسلوك ج 1 ق 2/ 705، والنجوم الزاهرة 7/ 348، وتاريخ ابن سباط 1/ 478، وبدائع الزهور ج 1 ق 1/ 350.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٧٤)
الصدر فتح الدين المذكور على مولانا السلطان أحضر أمراء المشور، وقرئت عليهم، فلم يلووا على ذلك، وقالوا: نحن إذا لقينا القوم ودارت بنا رحى الحرب الزّبون لم يبق يعرف لنا إقبال من إدبار.

وأمر مولانا السلطان بتسريح الطائر بجوابها، مضمونه أن تثبت ولا تخرج من القلعة أنت والبحريّة(1) المجرّدون بها إن مرّوا به ويدعهم. غير أنه يسارع بتسريح الطائر مخبرا بمرورهم عليه لا غير، ويدعنا ولطف الله وإيّاهم. فلم يكن بأسرع من أن عادت الطيّر بأنّ جماعة خرجوا من الحصن بشعار التتار من السراقوجات(2) وغيرها. / 49 ب / وأنّ الخبر الصحيح ورد عليه من مكاتبي طرابلس النّصحاء أنّ الذين خرجوا ليسو(3) تتارا بل فرنجا أرادوا التشويش والإبهام والإيهام. وأنهم لم يجسروا أن يبعدوا عن باب طرابلس. بل حيّلوا وتحيّلوا(4).

ففهم مولانا السلطان الصورة، وهو آخذ في شأنه من جهاد القوم، مكبّ على حملاته التي لم ير في أنف وسالف ما لها من يوم.

ولما فرّ القوم لا يلوي أولهم على آخرهم، وانهزموا بين يديه كلمى قد أثّرت الجراحات في بواطنهم وظواهرهم، وعاد مولانا السلطان إلى منزلته وقد ظفر بيوم نصره الموعود المنزل من السماء بمحكم آيته. فبينما هو كذلك إذ عاد من كان من التتار قد ساق خلف الميسرة عندما خاتلتهم بالانحياز، واستجرّتهم لتريهم صدق الكرّة التي جعلها الله للمسلمين عليهم الحقيقة من المجاز. وكان هؤلاء القوم من التتار عشرة آلاف فارس أو يزيدون. وللوقت ركب مولانا السلطان في شرذمة يسيرة / 50 أ / من مماليكه. ولم يكن عند ركوبه من هو من الأمراء واقف بين يديه، إلاّ الأمير سابق الدين بوزبا الساقي الظاهري، وعلم الدين زريق الجولاني(5). وللوقت أمر مولانا السلطان فدقّت الكوسات، ونشرت الرايات، وأتت العساكر عند سماعها مسرعين، وعند إعلان بوقاتها باستدعائهم لإتمام إهلاك عدوّ الله سامعين مطيعين.
(1) البحرية: جماعة من المماليك كانوا يبيتون بالقلعة حول دهاليز السلطان بهدف الحراسة.

(2) السراموج: غطاء الرأس عند المغول.

(3) هكذا، والصواب، «ليسوا» بالألف في آخره.

(4) تفرّد المؤلّف بهذا الخبر فلم أجده في المصادر المتوفّرة.

(5) في الدرّة الزكية 243 «علم الدين زريق الرومي».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٧٥)
وعندما اجتمعت العساكر تحت الصناجق المنصورة، وغدت التتار بين مولانا السلطان وبين إعدام بقيّتهم محصورة دهشوا لما نابهم من هذه الحيرة، وعلموا أنهم لا خلاص لهم وقد أحاط بهم مولانا السلطان ضرره وضيره، ولّوا الأدبار، وفرّوا ولكن لم ينفعهم الفرار، لأنّ مولانا السلطان - خلّد الله ملكه - حدّ لهم فجدلهم، وعاج لهم فعاجلهم، وساق لهم فما صاقلهم، وغسل بماء السيف خبثهم. فطهّر منهم العباد والبلاد / 50 ب / وساق أرواحهم الكافرة ولا غير الخزّي واللعنة زاد.

وكانت هذه الطائفة التي أخّرها عمّن قتل من قومها ما فرغ ربّك منه من ساعة ذلك الأجل، وأمهلها ولم يهملها إلاّ ريثما قضته في أكدر عيش من الخوف والوجل. قد نزلوا السوق خلف الميسرة الإسلامية إلى المحلّ الذي عزمت الميسرة على الكرّة عليهم منها، واشتغلوا بكسب حمالة المسلمين واغتنام كسر سفرهم. وحملتهم نهمة الجوع على سوء عاقبة سفرهم، إلى رجب من صفرهم. وأطمعهم ما بلغهم من كثرة مال مولانا السلطان، وما صحبه من الخزائن التي ملئت بما يملأ العين من العين، وما الخبر كالعيان.

 

‌ذكر غريبة اتفقت عند المصاففة

لم يشعر مولانا السلطان والقسيّ من الجهتين متراسلة / 51 أ / برسل الموت من سهامها، والسيوف حاسرة بتجرّدها من الأغماد مدار لثامها. والعوامل من القبيلتين على الاندفاق في الصدور عامله، والصفوف حوامل وكم ولدت من عجيب حقود، هي على طلب التتار حامله، إلاّ وقد حضر بعض أجناد الحلقة، ومعه نشّابه فيها بطاقة مربوطة فحلّ رباطها، وشكر عن أداء نصحها جهادها ورباطها.

وحين فضّ مولانا السلطان ختامها، وحسر لثامها، تقدّم الصدر فتح الدين صاحب الديوان فقراها، وأحسّ بحسّ الأداء قراها، ومضمونها:

«يا سلطان الإسلام، قد بلغ التتار، أنّ بين يديك خزانة يقال لها خزانة دينار، على ماية بغل مايتا صندوق، في كل صندوق خمسة آلاف دينار عينا، وقد عيّنوا عليها، وعرفوا جهتها، فانصبّوا إليها، فخذ حذرك، والسلام».

فشكر مولانا السلطان معار جناح هذا السهم المسرّح، / 51 ب / وأثنى على
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٧٦)
مرسله ثناء من كنّا(1) وصرّح. وودّ لو عرفه ليجزيه عن هذه الحسنة عشر أمثالها، ويعامل نصيحته الإسلامية بما يقضي بإحلالها أعلا(2) محالّ إجلالها.

وتقدّم أمر مولانا السلطان إلى خزانة دينار ففرّغت، وأديرت أكياسها على خواصّ الأمراء مماليكه ولا أقول أكواسها، وجزم مولانا السلطان فيما من هذا الخبر عنّ، وجزم والجزم سوء الظنّ. وتقدّم مرسومه الشريف فكتبنا أسماء من تسلّم هذا المال، وأحسن الله تعالى بسعادة مولانا السلطان فيه وفي من تسلّمه العقبى والمآل.

 

‌ذكر من جهّزه مولانا السلطان في أثر من لعلّه من التتار انهزم.

ولما فرغ مولانا السلطان من قتالهم، وبلغ الغرض من إدبارهم باستقبالهم، تقدّم أمره إلى المجلس العالي الأمير بدر الدين بيليك / 52 أ / الأيدمري الصالحي بأن يسوق في جماعة من العساكر المنصورة في أثر من لعلّه انهزم منهم، وأن لا ينفصل إلاّ بعد تطهير الأرض عنهم.

ولم يزل الأمير بدر الدين إلى أن وصل إلى مقصبة على نهر، فبلغه أنهم أكمنوا في المقصبة مستقتلين، وأنّ كلاّ منهم فرّغ تركاشه(3) وجثا على ركبتيه متقرّبين ومبعدين.

وكان من المجرّدين صحبة المذكور جماعة من المماليك السلطانية الزّرّاقين(4). فإنّ مولانا السلطان، خلّد الله ملكه، كان قد علّم جماعة من مماليكه إلى أن أجادوا، فأمرهم الأمير بدر الدين برمي قوارير النفط فمنهم من احترق. ومنهم من استجار من حرّ النار بما لبرد الماء من الغرق. وعاد الأمير بدر الدين. وأقام مولانا السلطان بحمص مكان الوقعة إلى أن جهّزت البشائر بكتبها، وسارت أنباء هذه النصرة في شرق البلاد وغربها.

وبلغ مولانا السلطان أنّ أهل دمشق قد قلقوا عندما وصل إليهم بعض الأمراء
(1) الصواب: «كنّى».

(2) الصواب: «أعلى».

(3) تركاشه: جعبته.

(4) الزّرّاق: هو النافخ في آلة حربية على هيئة القارورة أو الأنبوب تحشى من الداخل بكرة من الكتّان والأنسجة المخلوطة بذرّات الحديد، تزرق بزيت النفط وتشعل وتلقى على الأعداء. (معجم المصطلحات والألقاب التاريخية 220).
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٧٧)
/ 52 ب / الفارّين بين يدي الميسرة المنحازة ريثما كرّت، فكانت لها الكرّة وعادت فحمدت عاقبة العود بما نال (عين)(1) أعيانها من القرّة. فأكّد مولانا السلطان على الصدر فتح الدين في سرعة تجهيز طير البطائق ولا أسرع من الطير، وحثّ على أن يحثّ البريد تحتها السير. فأسرع الصدر فتح الدين إلى أن صار يسرّح الطير والبطائق مخلّقة بالزعفران من غير كتابه، ويضمّخ الطير فيأتي بأدلّ دلائل النصر عند داعي طايره المقابل بالإجابة.

وكنت قد أنشأت قبل الركوب للمصافّ ما يكتب به في هذه البشرى تفاؤلا بيمنها، وتبرّكا بحسن طنّها. وهي:

 

‌ما يكتب به بعد الألقاب

«نوضح لعلمه أنّا لمّا ركبنا على إسم الله بنيّة الغزو والجهاد، وفارقنا الأهل والوطن (لا نلوي)(2) على العود، وتوقا لحسن الجزاء يوم المعاد. / 53 أ / ولم نزل نطوي المراحل (مستنجزين) (2) ليوم النصر الموعود مجدّين لشهادة وقته المشهود. ونحن واثقون من الله بالنصر والظفر. متحقّقون أن سيبلغ أدنى الرعيّة وأقصاها من نصرنا خير خبر. وما من منزلة إلاّ ونجد مع ترادف أخبار القوم وقوّتها في نفوسها انبعاثا وانشراحا، ولا أدلجنا في مهمه إلاّ ورأينا مساءه بانبساط خاطرنا صباحا، وعندما حللنا بحمص أخذنا في الأهبة بالحزم، وحدّدنا ما لم يرثّ من العزم. وأدّنّا في الناس بالجهاد فأتوا من كلّ فجّ عميق، وأعلنّا بكلمة التوحيد فتتابعت خيل الله يقفو منهم الفريق الفريق. وجاء نصر الله والفتح، واقتدح زناد سيوف الله فأنار الوجود بذلك الاقتداح، بما لمشهور ما في الأعداء من قدح. وبلغنا عن القوم وبلغهم عنّا، وأقبلوا علينا صورة إلاّ أنّا أقبلنا عليهم (صورة) (2) ومعنى.

ولما كان / 53 ب / يوم الخميس أقبل القوم وأقبلنا، إلاّ أنهم استدبروا من أمرهم ما استقبلنا، وشاهدوا من تنوّع قتالنا ما لم يكن لهم به يدان، ودانوا ودنّا إلاّ أنّا نصرنا بأشرف من به يدان، ورأينا جمعهم الملفّق فكانوا كالمثل المضروب بالذباب. الكثرة والتتان. ولم نلبث أن صدقناهم الحملة، فأتى كلّ مفرد من
(1) عن الهامش.

(2) كتبت فوق السطر.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٧٨)
جيوشنا على الجملة منهم فالجملة. فأخذوا في المخاتلة، ونحن نجدّ في المقاتلة. وعمدوا إلى المخادعة، ونحن لا نفتر في المقارعة، وجروا على عادتهم في تولّيهم الإدبار، أي أنهم انكسروا، وظنّوا أنه تجلب لهم ريح خديعة خسروا. وكانت عدّة القوم ماية ألف أو يزيدون، وجاءوا في أجناس محبّشة من تتار وفرنج وأرمن وأعجام وكرج من كل حدب ينسلون. وحمي الوطيس، وتنوّع فيهم القتل ما بين / 54 أ / جريح وكسير وفطيس. وجدّ النضال، وقرعت النصال النصال، وطلبت الأوتار الأوتار. وغنّت السيوف الإسلامية بعرس النصر ولا غيّر رؤس أعداء الله التتار (النثار)(1). ولم يكن إلاّ كلمح البصر أو هو أقرب، أو جلسة خطيب ومن ألسن الخرصان(2) على منابر العوامل أخطب. حتى محيت آثارهم، وهتكت عن أرواحهم من الأجساد أستارهم. وحيل بينهم وبين ما يشتهون، وظلموا أنفسهم بالتجاسر على بلاد الله (ولسان)(3) النصر يتلو(4) {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}(5). ولم يبق العزم الإسلامي منهم فاتك(6)، ولا من يقول لهمّتنا المؤيّدة: فاتك. وكانوا قد حملوا على الميسرة بجملتهم فما حمدوا عاقبة حملتهم، فكرّت عليهم أيّما كرّه، وأخذتهم وقد وثقوا بانحياز المسلمين عنهم على غرّه. وكتابنا هذا وقد أيّد الله الإسلام ونصره، وأظفره بأعدائه وأقدره، وجنود الله قد شفوا صدور السيوف من ظهور الملحدين، وعونه / 54 ب / قد أيّدهم فأصبحوا على عدوّهم ظاهرين. فليأخذ حظّه من هذه البشرى بهذه النوبة التي ما سطر مثلها من النوب. وهذه النصرة التي وهبها الله فله الحمد فيما منها وهب. وليتقدّم بضرب البشائر، والتحدّث بنعمتها في كل مقيم وسائر. والله تعالى الموفّق بكرمه».

 

‌[عودة السلطان المنصور إلى القاهرة]

وعاد مولانا السلطان إلى دمشق وقد زخرفت بالأمتعة الثمينة، وزيّنت فكان
(1) عن الهامش.

(2) هكذا، والصواب: «الخرسان».

(3) عن الهامش.

(4) الصواب: «يتلو» من غير ألف.

(5) سورة الشعراء، الآية 227.

(6) الصواب: «فاتكا»، وأوردها المؤلّف هكذا لاتفاق السجع.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٧٩)
يوم دخوله إليها في الحقيقة يوم الزينة. وأقام بها ريثما استجمّ، ورحل قاصدا كرسيّ مملكته القاهرة وقد قدّر فقهّر، وقهر(1) فقدّر. ودخلها وقد هيّئت(2) بدخوله، وزيّنت أتمّ زينة سرورا بحلوله. وقد حلّيت أخطاطها من ثمين الجواهر بأشرف الحلى، وملي من نفائس الأقمشة والأمتعة الملا. وحين حلّ بقلعة الجبل أفاض ملابس الخلع على من كان في خدمته من الأمراء والكتّاب، وأثاب كلاّ / 55 أ / أحسن ما يثاب(3).

 

‌[ظهور أمر التتار اعتبارا من سنة 615 هـ]

وانقضت هذه الغزوة على أحسن الصّور، وتكفّل الله تعالى أعانها بألطافه في الورد والصدر. وهي غزوة ما اتّفق مثلها في الإسلام، ولا جرت حتى ولا في الأوهام. فإنّ هذا العدوّ كان ظهور أمره في سنة خمس عشرة وستماية، وقصد العراق والعجم فأبادهم، وخرّب ديارهم، وعفّى آثارهم. وقصد بغداد وفيه جيش لا يردّ يد لامس بقتال، ولا يعرف ما للحرب من أوجال انقضاء الآجال. وهو اسم بلا جسم، وداء بلا حسم. وجمع بلا كثرة، وكثرة بلا جمع، وقوم لا يعرفون لأوامر الجهاد طاعة ولا سمع(4). وممّا يسطع به عليهم أنه قيل لأحدهم: لم لا حملت على خصمك؟ فقال: القنطارية بيدي اليمنى، والطارقة بيدي اليسرى، واللكازات في رجلي كيف أعمل به أكضمه(5)؟

ولما قصدوا حلب ودمشق كان الملك الناصر بن العزيز(6) مشغولا بملاذّه
(1) كتب بعدها: «وفهر» ثم شطب عليها.

(2) في الأصل: «هيات».

(3) الدرّة الزكية 248.

(4) الصواب: «ولا سمعا».

(5) هكذا، والمراد: أكظمه.

(6) هو الناصر يوسف بن العزيز الأيوبي صاحب حلب ودمشق والجزيرة، وهو آخر ملوك بني أيوب بالشام. قتله التتار سنة 658 هـ. أنظر عنه في: تاريخ مختصر الدول 280، وذيل الروضتين 212، وذيل مرآة الزمان 1/ 461 - 469 و 2/ 134، وتاريخ المسلمين لابن العميد 176، وتالي وفيات الأعيان 166 - 168 رقم 277، والمختصر في أخبار البشر 3/ 211، والدرّة الزكية 57 - 59، وتاريخ الإسلام (وفيات 658 هـ). ودول الإسلام 2/ 166، والعبر 5/ 256، 257، وسير أعلام النبلاء 23/ 204 - 207 رقم 123، والتحفة الملوكية 43، وتاريخ ابن الوردي 2/ 212. ومرآة الجنان 4/ 151، وأمراء دمشق 102، وفوات الوفيات 4/ 361 - 366 رقم 595، والسلوك ج 1 ق 2/ 434، والنجوم الزاهرة 7/ 203، وشفاء القلوب 408 - 421 رقم 107، والدارس 1/ 115، وتاريخ ابن سباط 1/ 394، 395، والقلائد الجوهرية 81، وشذرات الذهب 5/ 299، وترويح القلوب 57 رقم 89، وإعلام النبلاء 2/ 302.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٨٠)
عن الفكرة / 55 ب / في طارقهم، منهمكا على مأكله ومشربه ومتنزّهاته، مشغولا بمجلس خواصّه في الحسن ومطابقهم. على أنّ هولاكو كتب إليه مهوّلا عليه فيما حكى لي الصدر تاج الدين أحمد بن سعيد المشهور بابن الأثير كاتب درجه، وكان رفيقي بديوان الإنشاء بمصر، أنّ هولاكو كتب إليه: «وقد حضرنا إليك في جيوش لو نزلت على الجبال لنسفتها، أو وردت البحار لنزفتها، وهذه القرينتان فيهما من بلاغة الإبلاغ (وإبلاغ)(1) البلاغة ما لا عليه مزيد».

ثمّ، والوقعة التي كانت على عين جالوت(2) مع الملك المظفّر قطز مملوك الملك المعزّ مع أبغا نوين، كانوا تمانا واحدا. والتمان عشرة آلاف فارس.

 

‌[مقتل المظفّر قطز]

وكان الملك المظفّر قد خرج بالعسكر المصري والشام والجافل إليه، والشهارزة، والأكراد، وسائر العربان والعشير. وياليته عندما بها نجح(3)، وعندما وازن نفسه معجبا بها جاء الحقّ لكنه نقص وما رجح، فإنه قتل / 56 أ / بمنزله قصير الصالحية سنة سبع(4) وخمسين وستماية، عند عوده.
(1) عن الهامش.

(2) أنظر عن موقعة عين جالوت في: الروض الزاهر 63 - 66، والتحفة الملوكية 43، 44، والحوادث الجامعة 166، وذيل مرآة الزمان 1/ 365 - 367، وذيل الروضتين 207، 208 و 209، والدرّة الزكية 49 - 51، وتاريخ المسلمين 175، وتاريخ مختصر الدول 280، وحسن المناقب السرية، ورقة 7 ب، وتالي وفيات الأعيان 129 وفيه «عين جالود»، والمختصر في أخبار البشر 3/ 205، ودول الإسلام 2/ 163، والعبر 5/ 242، 243، وتاريخ الإسلام (658 هـ). ومرآة الجنان 4/ 149، ونهاية الأرب 29/ 474، وتاريخ ابن الوردي 2/ 206، 207، والبداية والنهاية 13/ 220، 221، وتاريخ ابن خلدون 5/ 379، ومآثر الإنافة 2/ 205، وجامع التواريخ 313، والسلوك ج 1 ق 2/ 430، 431، وعيون التواريخ 20/ 227، وعقد الجمان (1) 243، 244، والنجوم الزاهرة 7/ 77 - 81، وتاريخ ابن سباط 1/ 391، 392، وتاريخ الأزمنة 242، وتحقيق النصرة للمراغي 70، وشذرات الذهب 5/ 291، وتاريخ الخلفاء 475، ومعركة عين جالوت للدكتور عماد عبد السلام رؤوف، بغداد 1986.

(3) كتب في الأصل: «يحج نخج».

(4) هكذا في الأصل. وهو غلط. والصواب أنه قتل في 17 من ذي القعدة سنة 658 هـ. أنظر عنه في: الحوادث الجامعة 45، وذيل مرآة الزمان 1/ 371، وذيل الروضتين 211، وتاريخ مختصر الدول 282، وتاريخ الزمان 319، والروض الزاهر 68، وتالي وفيات الأعيان 128، 129، والمختصر في أخبار البشر 3/ 207، والنور اللائح 56، والدرّة الزكية 61 - 63، وآثار الأول في ترتيب الدول للعباسي 268، وحسن المناقب (مخطوطة باريس 1707) ورقة 9 و 136، ونهاية الأرب 29 / -
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٨١)
‌[سلطنة الظاهر بيبرس]

وفيها(1) تسلطن الملك الظاهر وتلقّب بالملك القاهر، ثم رجع عنها إلى الملك الظاهر(2).

 

‌[وقائع الظاهر بيبرس]

ووقعة الملك الظاهر على كينوك(3)، وهي وقعة أبلستين(4)، كانوا خمسة
= 477، 478 والمختار من تاريخ ابن الجزري 257، 258، وسير أعلام النبلاء 23/ 200، 201 رقم 119، ودول الإسلام 2/ 163، 164، وتاريخ الإسلام (658 هـ). والعبر 5/ 247، وتاريخ ابن الوردي 2/ 209، 210، والبداية والنهاية 13/ 225 - 227، وفوات الوفيات 3/ 201 - 203 رقم 398، وعيون التواريخ 20/ 228 - 230، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي 8/ 227، ومرآة الجنان 4/ 149، وتاريخ ابن خلدون 5/ 380، 381، ومآثر الإنافة 2/ 105، والسلوك ج 1 ق 2/ 307، 308، وعقد الجمان (1) 252 - 254، وتاريخ ابن سباط 1/ 397، وتحقيق النصرة 71، والنجوم الزاهرة 7/ 83 وشذرات الذهب 5/ 293، وأخبار الدول 198، والتحفة الملوكية 45، والإعلام بوفيات الأعلام 5، 2، والإشارة إلى وفيات الأعيان 356، والجوهر الثمين 2/ 59 - 65، وحسن المحاضرة 2/ 39، وبدائع الزهور ج 1 ق 1/ 308.

(1) الضمير يعود إلى سنة 657 هـ. كما أثبته المؤلّف قبل قليل، وهو غلط. والصواب سنة 658 هـ.

(2) أنظر عن سلطنة الظاهر في: الحوادث الجامعة 166 (حوادث سنة 659 هـ). وحسن المناقب، ورقة 9 ب و 136 ب، وتالي وفيات الأعيان 50، والدرّة الزكية 62، وذيل مرآة الزمان 1/ 370 - 373، والتحفة الملوكية 45، والروض الزاهر 69، 70، والمختصر في أخبار البشر 3/ 207، 208، ونهاية الأرب 30/ 14، 15، والعبر 5/ 243، والمختار من تاريخ ابن الجزري 227، 258، ودول الإسلام 2/ 163، وتاريخ الإسلام (658 هـ). والبداية والنهاية 13/ 223، وعيون التواريخ 20/ 229، 230، وعقد الجمان (1) 262، وتاريخ الخلفاء 476، وتاريخ ابن سباط 1/ 398، والسلوك ج 1 ق 2/ 436، 437، وتاريخ ابن الوردي 2/ 299.

(3) في الأصل: «لينوك» والتحرير من: «الروض الزاهر 417، وكينوك هي الحدث الحمراء التي بناها سيف الدولة الحمداني سنة 343 هـ. ومعنى كينوك: المحرقة. وهي من أعمال سيس. وتاريخ فتح الظاهر لها سنة 672 هـ.

(4) أبلستين: بالفتح ثم الضم ولام مضمومة أيضا، والسين المهملة ساكنة وتاء فوقها نقطتان مفتوحة وياء ساكنة ونون. هي مدينة مشهورة ببلاد الروم. (معجم البلدان 1/ 75) وموقعتها كانت في سنة 675 هـ. انظر عن موقعة أبلسّتين في: تاريخ الملك الظاهر 154، 155، وذيل مرآة الزمان 3/ 165، والنهج السديد 439، والمختصر في أخبار البشر 4/ 9، ونهاية الأرب 30/ 234، 235، و 350 - 354، والتحفة الملوكية 85، والمختار من تاريخ ابن الجزري 5.2، والعبر 5/ 304، ودول الإسلام 2/ 76، وتاريخ ابن الوردي 2/ 223، 224، ودرّة الأسلاك 1 / ورقة 49، والدرّة الزكية 190، والبداية والنهاية 13/ 271، وعيون التواريخ 21/ 91، وتاريخ ابن خلدون 5/ 392، والسلوك ج 1 ق 2/ 625، وعقد الجمان (2) 153، والنجوم الزاهرة 7/ 168، وتاريخ ابن سباط 1/ 441، وتاريخ الأزمنة 253، وبدائع الزهور ج 1 ق 1/ 337.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٨٢)
آلاف فارس، وهي نوبة الروم(1)، ودخول الملك الظاهر إليها، وتغرّره بالتجاسر عليها.

ولم يقدم أحد من الأمراء ولا الملك الظاهر على خوض الفرات إلى التتار إلاّ مولانا السلطان وتابعه الناس أول(2) فأوّل، وكان عليه في الاقتداء بالتجاسر المعوّل.

هذه وقعات التتار مع المسلمين، وأين وأين، ولا أثر بعد عين. وأين العشرات من المئين(3) والألوف، وأين مواطن الأمن من الموطن المخوف. وأين الذّرّة من القنطار، وأين ارتكاب الحذر من ارتكاب ذوي الأخطار، لم يسمع بمثل هذا الجيش الذي عالجه مولانا السلطان وعاجله، وناجزه وما أجّله. / 56 ب / وكاثره وما كابره، وساوره وما شاوره.

 

‌[التهنئة بنصرة السلطان]

وفي هذه النصرة يقول الصدر فتح الدين بن عبد الظاهر مادحا لمولانا السلطان ومهنّئا له بهذه النصرة:

الله أعطاك لا زيد ولا عمرو هذا العطاء وهذا الفتح والنصر

هذا المقام الذي لو لم تحلّ به لم يبق - والله - لا شام ولا مصر

من ذا الذي كان يلقى العدوّ كذا أو يدّرع لأمة ما لامها الصبر

يا أيها الملك المنصور قد كسرت جنودك المغل كسرا ما له جبر

واستأصلوا شأفة الأعداء وانتصروا لمّا ثبتّ وزال الخوف والذّعر
(1) نوبة الروم هي موقعة قيسارية التي جرت أيضا في سنة 675 هـ. أنظر عنها في: تاريخ الملك الظاهر 157 - 164 و 175 - 177، والروض الزاهر 453 - 471، وتاريخ الزمان 335، 336، وتاريخ مختصر الدول 287، 288، والمختصر لأبي الفداء 4/ 9 ونهاية الأرب 30/ 354 - 357، وذيل مرآة الزمان 3/ 170، وزبدة الفكرة 9 / ورقة 184 أ، ب، والتحفة الملوكية 84، والمختار من تاريخ ابن الجزري 285، 286، ودول الإسلام 2/ 176، والعبر 5/ 305، والدرّة الزكية 193، 194، ومرآة الجنان 4/ 174، والبداية والنهاية 13/ 271، 272، وعيون التواريخ 21/ 93، 94 و 101، وتاريخ ابن خلدون 5/ 392، والسلوك ج 1 ق 2/ 629 - 631، وعقد الجمان (2) 159 - 162، والنجوم الزاهرة 7/ 170 - 173، وتاريخ ابن سباط 1/ 441، 442، وتاريخ الأزمنة 253، وبدائع الزهور ج 1 ق 1/ 338.

(2) الصواب: «أولا».

(3) في الأصل: «الماين».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٨٣)
يا عزمة ما رأى الراؤن مشبهها ووقعة سار في الدنيا لها ذكر

لمّا بغى جيش «أبغا» في تجاسره ولم يمدّك إلاّ القنا جسر

وأجمع المغل والتكفور واتفقوا مع الفرنج ومن أردى به (الكفر)(1)

جاءت ثمانون ألفا من بعوثهم لأرض حمص فكان البعث والنشر

وافا(2) الخميسان في يوم الخميس ضحى وامتدّت الحرب حتّى أذّن العصر

/ 57 أ / والسيف يركع والأعلام رافعة والرؤس تسجد لا عجب ولا كبر

والخيل لا تغتدي إلاّ على جثث والسهل من أرؤس القتلى به وعر

والبيض تغمد في الأجفان من مهج والسمر ناهيك يا ما تفعل السمر

فجاء في رجب عيدان من عجب للسيف والرمح هذا الفطر والنحر

فكان أسلمهم من أسلموه لأن يقوده القيد أو يسري به الأسر

وراح فارسهم في إثر راجلهم تنتابه الوحش أو ينبو به القفر

فما رعى منهم راع رعيّته إلاّ ارعوى لهم من روعة فكر

وكان يوم الخميس النصف من رجب عام الثمانين هذا الفتح والنصر

وعاد سلطاننا المنصور منتصرا والحمد لله تمّ الحمد والشكر

وقلت مادحا له ومهنّئا بهذه النصرة إلاّ أنها صدرت عن قلب جريح بألم جسمي الجريح:

نجحت مساعي سيفك البتّار بالحدّ في دم أرمن وتتار

/ 57 ب / وخطا إلى الخطاء(3) الذين تجاسروا فأصارهم في ذلّة وصغار

رام الأعاجم ردّه بتناصر فبدا بقتل النجدة الأنصار

عفّيت إذ عفّيت عن آمالهم بالعزم ما لهم من الآثار

وردوا فأوردهم حسامك منهل الإضرام والإضراء والإضرار

وقصدتهم بعوامل من شأنها بالقصف قصف مؤجّل الأعمار

وأسلت بحرا من حديد سلا حك المردي العداة بقوّة التيّار
(1) عن الهامش.

(2) الصواب: «وافى».

(3) الخطا: بفتح الخاء المعجمة وكسرها، وهو الأشهر. وهم أهل البلاد الصين.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٨٤)
ومن العجائب قدح نار زناده أسمعتم ما يكون بنار

جاءوا لأخذ الثأر يا ملك الورى فتلوت ثارا جاولوه بثار

هم يمّموك بقضّهم وقضيضهم كيما ينالوا غاية الأوطار

فحبيتهم آثار من أفقدته فاستبدلوا الأوطار بالأوتار

قد جرّ أبغا للتلاف جيوشه إذ قاسها بالعسكر الجرّار

ما شكّ في إهلاكهم بتجارب لكنّما الإضرار بالإصرار

ولكم إليه أعذرت عزماته وإزالة الإعذار بالأعذار

/ 58 أ / وافوا ذمارك ضلّة من رأيهم فقرنت طيف غرورهم بدمار

وأتوا لحمص مقبلين بهمّة إقبالها في غاية الإدبار

ما هال إكثار لديك وقد أتوا في صورة الإكبار والإكثار

أرشفتهم كأس المنون فأمعنوا جهلا ولم يلووا على الإسار

خادعتهم بتحيّز فتراسلوا واستأنسوا من بعد طول نفار

وحملت فيهم (حملة)(1) علويّة لم تبق في الآثار من ديّار

«أبغا» تأدّب لا تلمّ بمثلها وحذار ممّا قد جنيت حذار

واقنع ولا تطمع فلست بطامع في زور ملك في بديل معار

يا هل ترى نجّى الفرار مخبّرا وأتى إليك بأسوأ الأخبار

وأظنّه لم ينج إذ عمّ البلا جمعا جمعتهم من الأمصار

أبقيت يا مخذول للمنصور ما قد صار جلّ مآثر السّمّار

أمّت جيوشك والهلاك يقول: يا أطلاب «هولاكو» بدار بدار

أو ما قلاون المبيد جموعهم بتواتر الإيراد والإصدار

/ 58 ب / من سالف أبدى الزمان وآنف بتعاضد من عزمه الكرار

كم وقعة بالرأي منه وحرمة دارت دوائرها على الكفّار

عزّت مناقبك التي أوتيتها عن أن توفيها ذوو الأشعار

وتضاءلت لعظيم قدر مديحها نظّامه يا عالي المقدار

تعس امروء وافى يحاول عزمك الخطار بالخطار للأخطار
(1) كتبت فوق السطر.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٨٥)
لم يجر في طرس كما أثرته قلم ولم يمرو على أفكار

كلاّ ولا سير الملوك تضمّنت مثلا لها في سالف الأعصار

ما جاء قبلك قطّ جيش مثله ولقد سمى(1) بالكثر عن أنظار

فليهننا الأمن المنيم بمحقهم عن آخر بحسامك الجزّار

لا زلت منصور اللّواء مظفّرا في قوّة أبدا وفي استظهار

انقضى خبر هذه الوقعة مفصّلا ومفرّعا ومؤصّلا. وقد أفردت لها جزءا مستقلاّ برسم الخزانة العالية المولويّة السلطانية، عمّرها الله تعالى بدوام ملكه.

 

/‌‌ 59 أ / ذكر ما انفصل عليه أمر الأمير شمس الدين سنقر الأشقر

بعد انفصاله من وقعة حمص المذكورة

ولمّا قويت أخبار التتار وتأكّدت، وتجمّعت وتألّبت، طمعا فيما بلغهم من أمر الأمير شمس الدين سنقر المذكور. وبلغ مولانا السلطان أنّ حضورهم إنما كان باستدعائه، وقصدهم البلاد كان استنصارا لهم لكشف بلائه. ورسم فكتبنا إليه ننكر عليه سوء هذه الخاتمة، ونوبّخه بهذه الفعلة التي بلغت بما يجب لملتّها من اللائمة. التي هي لمن يدّعي الإسلام غير ملائمة. وقلنا وقلنا وواجهنا بالمراسيم الشريفة وما استقبلنا، فجاء كتابه وهو يحلف بالله إنّ هذا لم يتمّ منه، ولا صدر عنه، ومعاذ الله أن يبيع آخرته بدنياه، وأن يمدّ لغير مبايعة الإسلام يمناه.

وحين قرئ على مولانا السلطان كتابه، أمر فكتب جوابه. إنه إن كان الأمر كما زعم فليقدّم / 59 ب / خيرة الله ويحضر لتنتظم في سلك الحامدين، ويتّحد جيش الموحّدين. وتبعد الظنّ عمّا قيل إن حقّا وإن كذب، وتخيّب آمال الملحدين بما يتعيّن من اتفاق الكلمة ويجب. وجهّز إليه فعاد جوابه بتلبية مناديه، وأنه سيستدرك الأمر من مباديه.

وكان قد نفّر إليه الأمير سيف الدين أيتمش(2) السّعدي الناصري.

 

‌ذكر سبب تقصير الأمير سيف الدين أيتمش المذكور

كان سيف الدين كوندك نائب السلطنة عن الملك السعيد قد التجى(3) لمولانا
(1) الصواب: «سما».

(2) هو: أيتمش بن أطلس خان. كما في: نهاية الأرب 31/ 21.

(3) هكذا. والصواب: «التجأ».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٨٦)
السلطان عندما أراد من حول الملك السعيد قتّله، وهرب إلى مولانا السلطان كما تقدّم شرحه. قد أحسن إليه مولانا السلطان وقرّ به. وعظّم منزلته في أيام ملكه وأدناه منه وما تجنّبه. وأبت نفسه أن لا تخرج من الدنيا حتى تسيء لمن أحسن إليها، وأن تجزى الحسنة بالسّيئة ومن أساء فعليها.

واتّفق / 60 أ / أنّ مولانا السلطان لمّا خرج إلى الشام في السنة المذكورة صار يبلغه عن هذا المذكور ما يصمّ الآذان خبره، ويكاد أن يسري ضرره، ومولانا السلطان يغضي، ويقيّد حظّ نفسه ولا يمضي. ولم يزل كذلك إلى أن خيّم بالروحاء قريب عكا، وهي منزلة لم تزل الفرنج تهرج إلى مساكن مصر عند نزولها، وتضرّع له بالخضوع والخشوع عند حلولها، وتنوّع في هداياها، وتفنّن في تحاياها خشية أن يمرّ بواديها، أو يلمّ بناديها.

فأقام مولانا السلطان بهذه المنزلة خمسة عشر يوما ولا حسّ ولا خبر، ولا عين ولا أثر، ولا زائرا برز من عكا (حتى)(1) ولا في أقبح الصّور. فحصل تعجّب مولانا السلطان من هذا الفتور، وعلم أنّ هذا الأمر سيكشف لطف الله منه المستور.

وكان بعكا مكاتب يقال له «جوان خندق»، فعندما وجد السبيل طالع بالسبب، وأزال ما كان مولانا السلطان فيه من عجب. وحضر قاصده وعلى يده كتابه الشريف، فإذا مضمونه:

/ 60 ب / «يا سلطان الإسلام سيّر كوندك إلى المقدّمين بعكا كتابا مضمونه أنكم لا تسمعوا ولا تطيعوا لقلاون فإنّا عازمون على قطعه وقتله، فتكونوا معنا ونحن نردّ لكم كلّ القلاع التي فتحت حتى بيت المقدس، وتردّ لكم صليب الصلبوت والقمامة، فاحفظوا ما معكم وانتظروا نجح القصد».

فحين عرّب هذا الكتاب رسّم الصاحب فتح الدين بن عبد الظاهر صاحب الديوان على التراجمة، وهم: السّابق، والاسبتاريّ كاتب الإنبرطور، بحيث لم ينفّس لهم في الاجتماع بأحد من خلق الله تعالى، خيفة أن يشيع هذا الخبر. وقرأه على مولانا السلطان، واستقرّ ذلك في نفسه، واستدرك في يومه فائت أمسه.

ولما كان بعد ليال من ورود هذا الكتاب ركب كوندك وطلع إلى كوم عال
(1) كتبت فوق السطر.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٨٧)
بالمنزلة المذكورة ليلا ومعه جماعة من السلاح داريّة الظاهرية ملبسين مثقلين، ولأنواع الفتن مستقبلين.

/ 61 أ / ولمّا بلغ مولانا السلطان ذلك ثبت له أيّما ثبوت، ولم يظهر عليه من الهلع شيء وانتظر وقت الظفر الموقوت. وطلب في الوقت الأمير بدر الدين بيليك الأيدمري وسيّره إليه، مستفسرا عن الأمر الذي عزم عليه. فقال: بلغني أنّ مولانا السلطان متغيّر الخاطر عليّ، مادّ طرف الغضب إليّ، من غير ذنب ولا سبب. وعاد الأمير بدر الدين المذكور بهذا القول. فللوقت رسّم مولانا السلطان، فكتبت له الأمان، متضمّنا ما فيه خلاصه من الأيمان. وقرنه بالخاتم والمنديل الشريف، فحين دخل على مولانا نهض له واقفا وأمر فأفيضت عليه ملابس التشريف. وأخذ مولانا السلطان في تسكين هلعه، وتوطين جزعه. وخرج من بين يديه، فعاد إلى ما نهي عنه من تسنّم ذلك الكوم، وسام ما كان قد اشتطّ فيه من سوم. فأعاد مولانا السلطان إليه الأمير بدر الدين المذكور قائلا له: ما هذا الاعتماد؟ / 61 ب / فقال: كأنّ هؤلاء رفقتي يشكون من الأمير علم الدين الشجاعي مدبّر المملكة بمصر، ومدّه إلى أرزاقهم يد عدوانه، واحتجب عن شكاوى وكلائهم بالسفهاء من أعوانه.

فحين عاد الأمير بدر الدين بهذه الشكاية أمر مولانا السلطان فكتبت إلى مولانا السلطان الملك الصالح ونائب السلطنة الأمير زين الدين كتبغا بعزله وكفّ يده، وأن لا تكون له قطيعة غير القعود بباب القلّه. وأن يستبدّ الصاحب برهان الدين السّنجاري بالوزارة، والأمير زين الدين الصوابي بشدّ الدواوين.

واستقرّ الحال، وتمّت المكيدة على الرجال، ولم يبق من هذه المنزلة إلاّ الرحال. وقوّض الدّهليز المنصور. ورحل مولانا السلطان إلى المنزلة المعروفة بعيون الأساور، ووجّه دهليزه إلى عكا إذ هي أقرب. فحين رأى الفرنج ذلك وأبطأ عليهم الخبر، ولم يجدوا لصحّته من أثر، بادروا بتسيير الرسل بالهدايا معتذرين، وبمصرع من خالف منهم / 62 أ / وحالف معتبرين. فأهينت رسلهم، وضيّقت سبلهم. ثم استعطف مولانا السلطان عليهم فعطف، ولوطف فلطف. وقبل هديّتهم المحضرة، وأمهلهم وما أهملهم وقوفا عند الهدنة المقرّرة.

وسار مولانا السلطان على اسم الله تعالى والنصر مكتنف بأطلابه، ضامنا نجح طلاّبه. كلّ هذا وأيتمش السّعدي عاقد رأيه وراياته، والمشير بنفيه وإثباته. والحامل على فتنته بجهله، والماكر بسيء هذا الاعتماد ولا يحيق المكر السّيء إلاّ بأهله.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٨٨)
ثم إنّ مولانا السلطان أعمل السّير إلى أن نزل بحمراء بيسان، واستدعى الأمراء فحضروا إلاّ أيتمش فإنّه لم يحضر استشعارا من نفسه بما حملها عليه من الغرر، وجلبه لها من صور الخيانة في أقبح الصّور. وأخذ مولانا السلطان في الحديث مع الأمرا فيما بلغه من ذلك. ثم التفت فأمر الأمير شمس الدين قرا سنقر المنصوري بإمساك كوندك، فبادر إلى سيفه فأخذه، ثم ذهب به فقيّده، وأمر فأمسكت أعوانه، وهم خمسة وعشرون أميرا(1). / 62 ب / وأقرّ بعض المماليك الصغار الظاهرية على جمع كبير منهم فأحضروا وأمسكوا، وخابت آمالهم ممّن كانوا به قد تمسّكوا.

ورحل مولانا السلطان فنزل خربة اللصوص، ومنها هرب أيتمش السّعدي إلى صهيون، وتوجّه مولانا السلطان قاصدا دمشق بعد أن أمّر على أخباز المذكورين بالمنزلة المعروفة بقرن الحرّا، ودخلها وقد تبرّجت له بزينتها من البنّات، وقبّلت الأرض بين يديه باستنابة تساقط يانع الثمرات. وأسالت واديها وأرته حميد العواقب من مباديها. فحلّ قلعتها، واستجلى طلعتها. وحلّ ذراها، وحلّ إذ حلّ عراها. وآنس ما كان من الوحشة قد عراها، ومنها سار للقاء العدوّ.

وحين كتبنا إلى سنقر الأشقر من حمص كتبنا إلى أيتمش السّعدي نؤمّنه على نفسه، وأن يحضر ولا يخشى ممّا كان منه، ولا ممّا بلغنا عنه. ويغتنم فرصة الجهاد، وأن لا يخشى حقدا فالشدائد تذهب الأحقاد. وورد جوابه بالسمع والطاعة لله تعالى ولرسوله ولمولانا السلطان، والتنصّل ممّا نسب إليه / 63 أ / ممّا زعم أنه زور وبهتان، وقال ما نصّه:

«ومن هو كوندك القطعة التركمانيّ حتى أكون أنا معه؟ والله يا خوند ما أبيع نشّابة من تركاشك بألف كوندك».

وأخذ يمتّ بمناصرة مولانا السلطان ومتابعته، ومبايعته. وأنه أول من أطاع وما اعترف بأنه أول من عصى، ولا أنه الحامل على شقّ العصا.

وكانت الحوطة بالديار المصرية قد وقعت على موجوده من خيل وإبل وأسلحة وأثاث وذخائر من فضّيّات لها قيمة، حسب المراسيم السلطانية. فضمّن
(1) في نهاية الأرب، 31/ 78 كانوا ثلاثة وثلاثين نفرا، أحضر بعضهم من جبال بعلبك، وبعضهم من ناحية صرخد.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٨٩)
كتابه العتب بسبب هذه الحوطة، وقال من جملة ما قال: «وهذه عطايا من قبلك من الملوك»، فاستحيى مولانا السلطان من قوله، وأمر أن يكتب إليه بما يقيم العذر في ذلك، وأمرت فكتبت إليه بما مثاله:

«إنّا لم نعتمد ذلك إلاّ لمصلحتك، وحفظا لمالك، فإنّ المجلس يعلم أنّ ولده صغير السّنّ، وليس له وصيّ ولا وليّ يحفظ ماله، إلى أن / 63 ب / يحسن الله ماله. فخشينا أن تمتدّ إليه الأيدي، فكتبنا إلى ولدنا السلطان الملك الصالح عزّ نصره بأن يتقدّم إلى قاضي القضاة وإلى وكيل بيت المال بحفظ ماله بالاعتبار بحضور استاد داره وكبار مماليكه وولده وإن صغر سنا، وأن يجعل المال والأثاث والذخائر في صناديق بمفردها ويختم عليها باسمه، وأن يعتمد في الدّوابّ ما ينبغي من الحزم من بيع ما يتعيّن بيعه واقتناء ما يتعيّن اقتناؤه إشفاقا وحسن نظر منّا. وجهّز له هذا الجواب، فكتبنا بهذه الصورة، وللوقت جهّز البريد إلى مصر بأن يعتمد في ماله ما ذكرناه فاعتمد ما ذكرناه.».

ولما وقف أيتمش السّعدي على العذر الشريف عاد جوابه بالدعاء وتصويب الرأي فيه. وحضر صحبة الأمير شمس الدين سنقر الأشقر إلى حمص بنيّة الغزاة والجهاد. وأبلى في هذه الوقعة بلاء حسنا، وتوغّل فيها توغّلا استحق فيه حسن الثناء وكان شهما، مقداما ليثا هماما.

ولمّا انقضت هذه النوبة / 74 أ / عاد الأمير شمس الدين سنقر الأشقر إلى صهيون(1).

 

‌[وفاة أيتمش السّعدي]

وحضر أيتمش السعدي إلى الديار المصرية، وبها مات معتقلا، لإحداث ذنب اقتضاه (سوء)(2) طبع استحال أن يكون عنه منتقلا(3).

 

‌[نصّ كتاب استقرار الأمير سنقر الأشقر بصهيون]

وأمّا شمس الدين سنقر الأشقر فإنه استقرّ بصهيون على ما أقرّه به
(1) أنظر: التحفة الملوكية 97، 98، والمختصر في أخبار البشر 3/ 227، ونهاية الأرب 31/ 77 - 79، والنهج السديد 322، والسلوك ج 1 ق 3/ 686، وتاريخ ابن الفرات 7/ 207، والدرّة الزكية 240، 241، وتاريخ ابن سباط 1/ 475.

(2) كتبت فوق السطر.

(3) مات سنة 684 هـ. (المقفّى الكبير 2/ 335 رقم 866، نهاية الأرب 31/ 128).
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٩٠)
مولانا السلطان بإقطاعه إيّاها، وإقطاع جهات متعدّدة بمنشور كتبته له.

ونسخته: «الحمد لله جامع شمل القلوب بعد شتاتها، ومكفّر سيّئات هذه الأمّة بحسناتها، وموقظهم من غفلة الإعراض وسناتها.

نحمده حمدا عريق الانتساب، جزيل الاكتساب.

ونشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك لها شهادة تشرق أنوارها، وتشرف آثارها.

ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله المخصوص بالفصاحة المعجزة، والعبارة الموجزة، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تملأ الصحائف ثوابا، وتفتح للغفران أبوابا. وسلّم تسليما كثيرا.

وبعد، فإنّ في ائتلاف / 64 ب / القلوب حكمة بالغة، ومصلحة ظلالها للأمّة سابغة، ورحمة تغدوا(1) الألسن لحلاوتها سائغة. وبه يشدّ الله للأمّة أزرا، ويذيق الأعداء باتفاقها بأسا طالما بأحوالهم أزرا(2). ويزيل به من قلوبهم بغضا، وتشيّد بهم أركان المناصرة إذ هم كما قال صلى الله عليه وسلم كالبنيان يشدّ بعضهم بعضا. لا جرم أنّ الله سبحانه لمّا علم أنّ المصلحة فيه متعيّنة، ووجوه السّداد فيه متبيّنة. سهّل من انقياد القلوب كلّ جامع الرسن، وأجرى في ائتلافها على أحسن سنن. وأخمد من الفتنة ما كان قد ثار، وأطفأ منها ما كان أضرم من نار. وأزال من نيّتها التنافر، ووفّرها على التناصر والتضافر، وأعادها إلى المصافاة كما بدأها أول مرة، وهيّأ من أسبابها ما أنسى أيام الهجر المرّة.

وكان المقرّ العالي، المولوي، الزعيمي، العالمي، العادلي، المؤيّدي، الغياثي، الذّخري، الكافلي، الظهيري، النصيري، الشمسي، غياث / 65 أ / الإسلام والمسلمين، ناصر المجاهدين، معزّ جيوش الموحّدين، عضد الدولة، نصير الملوك والسلاطين، وليّ أمير المؤمنين، شمس الدين سنقر الصالحي - خلّد الله نعمته - هو الشقيق في الإخاء، والرفيق في الشدّة والرخاء. والقديم صحبة ومربا(3)، والخليل الذي لا يزيده البعد (منّا) إلاّ قربا. ومن غدا سند موالاته عاليا، ومن تعدّ الألسن في صحبته سنينا(4) لا تعدّ لياليا. إن اتّسقت نجوم الأولياء فهو
(1) الصواب: «تغدو».

(2) الصواب: «أزرى».

(3) الصواب: «ومربى».

(4) الصواب: «سنين».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٩١)
شمسها المنيرة، وإن نضّدت عقودها فضلها معنّى وصورة. وإن ذكرت مآثرها فمآثره المأثورة، وجب أن نجدّد من عهوده. ما كاد أن ينسى، وأن ننشيء من وداده ما هو الحقيق بأن ينشى(1). وأن نريش جناحه، ونغفر جناحه. ونجيب إلى ما أثره، ونعين بالإحسان تطوله ومآثره.

فلذلك خرج الأمر العالي المولوي السلطاني الملكي المنصوري السيفي، لا زالت يده بالعطاء مبسوطه، والأرزاق بمنعها وإعطائها منوطه. أن يجري في ديوانه الكريم / 65 ب / ما رسّم به الآن لخاصّه وخاصّ قلاعه التي تذكر، ولمن يستخدم عليه من حلقة وجند، فليتسلّم نوّابه هذه النعمة التي لسنا عليها نقتصر، ولا من تواليها نختصر. والحبل في الإحسان إليه على الجراره، والله تعالى يجزل منّا حظّه وإيثاره».

 

‌[عودة الأمير سنقر الأشقر إلى طاعة السلطان]

ولم يزل الأمير شمس الدين المذكور يتناول هذا الإحسان الدّارّ، ويمتاره على قلق وإن ظنّ به الاستقرار. إلى أن طالت المدّة، وجفّت من القلم المدّة. وشرع فيما لا يتمّ كما بدأ أول مرة، وتخلّت عنه أعوانه إذ لم يستطيعوا له نصرة. وبلغ مولانا السلطان ما أسرّ، واتّصل به ما أضراه عليه لا بل أغراه به وطالما كان في الإغراء ما ضرّ. وكتب إليه مولانا السلطان بأن يخلّي عنه ما لا يجيء منه شيء، وأن يحضر للاستكنان في فيء ظلّه الذي هو أسبغ فيء. ومن هذه النسبة. وسيّر صحبة المقرّ الحسامي طرنطاي نائب السلطنة المعظمة في جملة من الجيش، على أنه إن وافق فلا كلام، وإن خالف / 66 أ / فالكلام. فحين وصل إليه المقرّ الحسامي لم يسعه إلاّ التسليم قبل التسليم، وتقديم رجل الطاعة وما أحقّها بالتّقديم. ونزل طائعا مختارا، وآبقا بإحسان مولانا السلطان الذي طالما بلغ من الأمن أوطارا. وحضر به الأمير حسام الدّين، فحين وصل ركب مولانا السلطان لتلقّيه، وحين تواجها نزلا وتكارشا، وقبّل الأرض بين يديه، والألسنة تالية: {قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ}(2).

وأحلّه مولانا السلطان من جلوس الإمرة محلّه، وكساه من (حلل)(3) الخلع النفيسة أثمن حلّة. ولم يحصل له في أيام مولانا السلطان إلاّ ما أزال وحشته،
(1) الصواب: «ينشأ».

(2) سورة آل عمران: الآية 26.

(3) عن الهامش.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٩٢)
وحفظ أخوّته. وقام بشرط أيمانه وأمانه، ووفى بما نطق به لسانه، والله تعالى من كلّ قائل عند لسانه.

 

‌ذكر ما اتّفق لمولانا السلطان ممّا لم يتفق لملك غيره من ذلّة التتار

وسؤال / 66 ب / ملكهم الصلح

لا خفاء بقوّة شوكة هذا العدو وسهولة الرواح عليه والغدوّ وكثرة عدده، وعظم همّته مع خساسة عدده، وإقدامه وثبت أقدامه، وصبره على الجلاد، وعدم تأثيره حتى من مصادمة الجماد. وقنعه من الملبوس بما لا يستر عوره، ومن المأكول بما لا يدفع سوره. ومن المشروب بما لا يبلّ غلّه، ومن المكروب بما لا له أربع تقلّه. لا يردّهم الصيف بحرّه، ولا البرد بقرّه، ولا العدوّ بكثره. استهم قتل النفوس وخراب البلاد، وأيتام الأولاد، وطالما طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، واستولوا على التهائم والنجاد، بما لهم من إبراق وإرعاد. واستمرّ عدوانهم من حين خروجهم وهو سنة أربع عشرة وستماية فما تركوا بالعجم والعراق بلدا حتى ملكوه، ولا مالا حتى استهلكوه، ولا سلطانا حتى أذلّوه، ولا منطلقا حتى أخذوه فغلّوه. ولا حريما حتى انتهكوا حرمته، / 67 أ / وأخلقوا جدّته، وفلّوا(1) حدّته، وحسموا مادّته، وقصّروا مدّته. واستولوا (حتى)(2) على مدينة السلام بغداد، وأزالوا بسواد وجوههم ما للشعار العبّاسيّ من سواد. واستولوا على الشام إلى أن وصلوا إلى عين جالوت، واستولى على عبدة الرحمن منهم عبدة الطاغوت. إلى أن نهض مولانا السلطان ونهّض لها الملك المظفّر قطز المعزّي، وحمله على الخروج، وروّج أمره وقد كان يقرب عهده من السلطنة لا يروج. وكان مولانا السلطان مقدمة جيشه، والمتلقّي بثبوته(3) ما لهذا العدوّ من تسرّع طيشه، فولّوا الأدبار لملكهم هولاكو وقد جار، وخار، وندم على حضوره إذ لم يكن لمعبوده ولا معبود له استخار. وجهل بتغريره وما علم أنّ مسامرة العسكر الإسلامي أخذه دستجار.

فلم يزل مولانا السلطان في إثرهم إلى أن جلاهم عن البلاد، وأخرجهم على وجوههم حفاة عراة مشاة ولا غير خشاش / 67 ب / الأرض من زاد. واستمرّت غزوات الملك الظاهر ومولانا السلطان أبو عذرتها وابن بجدتها
(1) هكذا. والصواب: «فلّوا».

(2) كتبت فوق السطر.

(3) الصواب: «بثباته».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٩٣)
وأخو نجدتها. هذا، والتتار لا يذلّون، لا يميلون ولا يملّون، ولا ينتهون إلى غاية ولا ينتهون، ولا يغيّرون لأنفسهم بل يغيرون، ولا يقفون عندما به يضرّون ويضيرون. وكلّما (مادت شوكتهم قويت، وكلّما)(1) قام ملك من عظمهم ظنّ أنّ الأرض له قد زويت. يرون الصلح عارا وأيّ عار، ويظنّون الاستكبار في الاستكثار، والجموع الملفّقة من القوة والاستظهار. وكلّما ردّوا بالعزائم الإسلامية عادوا، وكلّما أرشدتهم الوقائع الإيمانية إلى صواب المسالمة عادوا. ولا تميل لهم جارحة على أنّها بنكاية السهام الإسلامية مجروحة لا جارحة. لم يسمع منذ ظهروا أنّ ملكهم ذلّ بإرسال رسله طالبا الصلح، ولا سائلا في المهادنة ظنّا منه أن في المقابحة لا للمصالحة غاية / 68 أ / النجح.

إلى أن ملّك الله مولانا السلطان، وعلم العدوّ من التتار والفرنج أنّ الملائكة له من جملة الأعوان. وأنه كان فرعا لا يطاق فكيف وقد صار أصلا، وتبعا لا يحمل وإن كان ممّن تابعه أكبر نبلا. ورأوا أنّ الغنيمة الباردة في إطفاء جمرة ثورته، وإخماد فورته. بالصلح الذي هو سيّد الأحكام، وطلب الموادعة التي تنيمهم في الدّعة ممّا لقسيّه من سهام.

 

‌[إسلام أحمد بن هولاكو ومراسلته السلطان قلاوون]

وكان أصوبهم رأيا في ذلك، وأسلكهم لمنهج الصواب الذي كان قد غمّ على من قبله ما لوضوح المصلحة من مسالك. وهو الملك أحمد بن هولاكو(2)، فإنّه لما أفضت نوبة ملك التتار إليه، وانعقد إجماعهم عليه، وصار إليه أمرهم، وأفضى إليه سرّهم، قيّض الله له من الموصل شيخا يقال له عبد الرحمن فهداه السبيل، وأورده السلسبيل، وحسّن له الإسلام، وندّمه على ما مضى في كفره من الأيام. وأراه أنّ المصلحة في مصالحة مولانا / 68 ب / السلطان، وأن يسكن الحال من الجانبين، رفقا بمن بقي عنده من جند القان، فبادر إلى رأيه مستصوبا، وأذّن في بلاده بكلمة التوحيد فكان كلّ لأذانه مثوّبا. وجهّز رسله إلى أبواب
(1) عن الهامش، وكتب في آخرها: صح.

(2) إسمه الأصلي؛ تكدار، واسم أمه قنوخاتون، وهي نصرانية. (تشريف الأيام والعصور 4).
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٩٤)
مولانا السلطان، وهم الإمام قطب الدين(1) قاضي قيساريّة(2)، والأمير شمس الدين ابن التيتي الآمديّ(3) وعلى يدهم كتاب من التتار، من إنشاء جمال الدين ابن عيسى، وقد قعقع فيه قعقعة الأعجام، وأراد أن يزيّنه بالإعراب فشانه بالإعجام.

 

‌[كتاب السلطان أحمد ملك التتار إلى السلطان قلاوون]

ونسخته «بقوّة الله تعالى بإقبال قان(4) فرمان أحمد(5).

أمّا بعد، فإنّ الله سبحانه وتعالى بسابق(6) عنايته، ونور هدايته،(7) قد كان أرشدنا في عنفوان الصّبا وريعان الحداثة إلى الإقرار بربوبيّته، والاعتراف بوحدانيّته. والشهادة لمحمد(8) عليه أفضل الصلاة(9) بصدق نبوّته(10)، وحسن الاعتقاد في أوليائه والصالحين من عباده / 69 أ / في بريّته. {فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ}(11). فلم نزل نميل إلى إعلاء كلمة الدين، وإصلاح أمور الإسلام والمسلمين. إلى أن أفضى بعد أبينا الجيّد، وأخينا الكبير نوبة الملك إلينا(12)، فأفاض علينا من جلابيب ألطافه (ولطائفه)(13)، ما حقّق به آمالنا في جزيل آلائه وعوارفه، وجلا(14) هذي المملكة علينا، وأهدى عقيلتها إلينا. فاجتمع
(1) هو قطب الدين محمود الشيرازي. (التشريف 5).

(2) في تشريف الأيام - ص 5: «قاضي سيواس».

(3) هو شمس الدين محمد ابن الصاحب شرف الدين التيتي المعروف بابن الصاحب وزير ماردين. (السلوك ج 1 ق 3/ 723).

(4) قان - قاآن - خان.

(5) زاد في تشريف الأيام - ص 6 «إلى سلطان مصر». وفي الدرّة الزكية 249 «هذا فرمان أحمد إلى سلطان مصر».

(6) في الدرّة الزكية: «لسابق».

(7) في الدرّة الزكية زيادة: «وعظيم رعايته».

(8) في الدرّة الزكية: «بمحمد».

(9) في تشريف الأيام 6 «أفضل الصلوات والسلام». وفي الدرّة الزكية 249 «صلى الله عليه وسلم».

(10) في الدرة الزكية:250 «والتصديق برسالته وبنبوّته».

(11) سورة الأنعام: الآية 125. وزاد في الدرّة الزكية: «كل ذلك ببركات محمد عليه أفضل الصلاة والسلام».

(12) إلى أن قبض أبينا الملك الجليل وأخينا الكبير، وأفضا الملك إلينا». (الدرّة الزكية 250).

(13) ليست في الدرة الزكية.

(14) في الدرة الزكية «وجلى».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٩٥)
عندنا في قورلتاي(1) المبارك، وهو المجمع الذي تتقدّم فيه آراء(2) جميع الإخوان والأولاد والأمراء الكبار، ومقدّمي(3) العساكر، وزعماء البلاد. واتّفقت كلمتهم على تنفيذ ما سبق به حكم أخينا الكبير، في إنفاذ الجمّ الغفير، من عساكرنا التي ضاقت الأرض(4) برحبها من كثرهم(5)، وامتلأت القلوب(6) رعبا لعظيم صولتهم(7)، وشديد بطشتهم، إلى تلك الجهة بهمّة يخضع لها شمّ الأطواد، وعزمة تلين لها الصّمّ(8) الصّلاد(9). ففكّرنا فيما تمخّضت زبدة عزائمهم عنه. / 69 ب / واجتمعت أهواؤهم وآراؤهم(10) عليه. فوجدناه مخالفا لما (كان)(11) في ضميرنا من إنشاء(12) الخير العام، الذي هو عبارة عن تقوية شعار الإسلام. وأن لا يصدر عن أوامرنا ما أمكننا إلاّ ما يوجب حقن الدماء، وتسكين الدهماء، وتجري به في الأقطار رخاء نسائم(13) الأمن والإيمان(14)، ويستريح(15) به المسلمون في سائر الأمصار(16)، في مهاد الشفقة والإحسان. تعظيما لأمر الله، وشفقة على خلق الله. فألهمنا الله(17) إطفاء تلك النائرة، وتسكين الفتن الثائرة، وإعلام من أشار بذلك الرأي بما أرشدنا الله(18)
(1) في تشريف الأيام - ص 7 «قور للتالي». وقال محقّقه في الحاشية (1): «قوريلتالي؛ قوريلتاي هي في التركية quriltay هو الاسم المغولي لمجلس السلطنة الذي يختار الحكام ويدرس المسائل العويصة التي لا يريد الحاكم أن يفصل فيها وحده». وفي الدرّة الزكية: «قوريلتاي». وأقول: ولقد فسّر الكتاب معنى هذا المصطلح ووظيفته.

(2) في تشريف الأيام - ص 7 والدرّة «الذي تنقدح فيه الآراء».

(3) في تشريف الأيام - ص 7 «ومقدّمو»، وفي الدرّة الزكية: «مقدّموا».

(4) في الدرّة الزكية «بهم الأرض».

(5) في تشريف الأيام - ص 7 «من كثرتها»، وكذا في الدرّة الزكية.

(6) في تشريف الأيام - ص 7 «الأرض» وفي الدرّة: «وامتلأت رعبا».

(7) في تشريف الأيام - ص 7 «صولتها»، وكذا في الدرّة الزكية.

(8) في تشريف الأيام - ص 7 «صمّ».

(9) في الدرّة: «الجلاد».

(10) في الأصل: «أهواهم وأراهم» وكذا في الدرّة.

(11) ليست في الدرّة.

(12) في تشريف الأيام - ص 7 «أقتناء» وفي الدرّة «أنباء».

(13) في الدرّة ص 251 «رجاء تسليم».

(14) في تشريف الأيام - ص 7 «الأمن والأمان» ومثله في الدرّة.

(15) في الأصل والدرّة: «وتستريح»، والتصويب من تشريف الأيام.

(16) في الدرّة: «الأقطار».

(17) في تشريف الأيام - ص 7 «فألهمنا الله تعالى»، وكذا في الدرّة.

(18) لفظ الجلالة ليس في تشريف الأيام، والدرّة.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٩٦)
إليه من تقديم ما يرجى به شفاء العالم(1) من الأدواء(2). وتأخير ما يجب أن يكون آخر الدواء. وأنّا(3) لا نحبّ المسارعة إلى هزّ النصال للنضال إلاّ بعد إيضاح المحجّة(4)، ولا نأذن لها إلاّ بعد تبيين الحقّ وتركيب الحجّة(5). وقوّى عزمنا على ما ذكرناه(6) من دواعي الإصلاح(7)، وتنفيذ ما ظهر لنا به وجه(8) النجاح. / 70 أ / إذ كان شيخ الإسلام، قدوة العارفين، كمال الدين عبد الرحمن(9) الذي هو نعم العون لنا في أمور الدين(10)، فأرصدناه(11) رحمة من الله لمن وعاه، ونقمة على من أعرض عنه وعصاه. وأنفذنا أقضى القضاة قطب (الملّة)(12) والدّين، والأتابك بهاء الدين(13)، فما من ثقات(14) هذه الدولة القاهرة(15) ليعرّفاهم(16) طريقتنا ويتحقّق عندهم من ينطوي(17) عليه لعموم المسلمين جميل نيّتنا. وبيّنا(18) لهم أنّا(19) من الله على بصيرة. وأن الإسلام يجبّ ما قبله، وأنه تعالى(20) ألقى في قلبنا(21) أن نتّبع الحقّ وأهله. ويشاهدون عظيم نعمة الله تعالى على المكافأة(22) بما دعانا إليه من تقديم أسباب
(1) في تشريف الأيام - ص 7 والدرّة «شفاء مزاج العالم».

(2) الأدواء: الحروب.

(3) في تشريف الأيام - ص 7 والدرّة «وأننا».

(4) «الحجة».

(5) المحجة».

(6) في تشريف الأيام - ص 7 «على ما رأيناه» وفي الدرّة «ريناه».

(7) في الدرّة: «الصلاح».

(8) في الدرّة: «ما ظهرنا به من وجوه».

(9) في ملاحق السلوك ج 1 ق 3/ 982 «كمال الدين عبد الرحمن شيخ الإسلام قدوة العارفين، لم ير لوليّ قبله كرامة».

(10) في الدرّة: «نعم العون لنا في أمورنا».

(11) في تشريف الأيام - ص 8 «فأصدرناه»، وفي الدرّة: «أشار بذلك».

(12) ساقطة من الدرة الزكية.

(13) هو الأمير بهاء الدين أتابك السلطان مسعود صاحب الروم. (السلوك ج 1 ق 3/ 703).

(14) في تشريف الأيام - ص 8 «اللّذين هما من ثقات»، وفي الدرّة: «إذ هما من ثقاة».

(15) في الدرّة الزكية: «الدولة الزاهرة والمملكة القاهرة».

(16) يوجّه الخطاب هنا إلى السلطان قلاوون بصيغة الغائبين وهي صيغة فارسية للخطاب ويراد بها «ليعرّفكم».

(17) في تشريف الأيام - ص 8 «تنوي»، وكذا في الدرّة الزكية.

(18) في تشريف الأيام - ص 8 «ويبيّنا لهم». والمثبت يتفق مع الدرة الزكية.

(19) في تشريف الأيام - ص 8 «أننا» وكذا في الدرّة الزكية.

(20) في الدرّة: «وأن الله تعالى».

(21) في الدرّة: «روعنا».

(22) في تشريف الأيام - ص 8 «على الكافة»، وفي الدرّة: «نعمة الله على الكافة».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٩٧)
الإحسان، ولا يحرموها بالنظر إلى سالف الأحوال فكلّ يوم هو في شان. فإن تطلّعت نفوسهم إلى دليل يستحكم(1) بسببه دواعي الاعتماد، وحجّة يثقون بها من بلوغ المراد(2). فلينظر(3) إلى ما ظهر من مآثرنا(4) ممّا اشتهر خبره، وعمّ أثره، فإنّا ابتدأنا بتوفيق الله تعالى / 70 ب / بإعلاء أعلام الدين، وإظهاره، في إيراد كلّ أمر وإصداره، تقديما لإقامة(5) نواميس الشرع المحمّدي على مقتضى قانون العدل الأحمدي إجلالا وتعظيما(6). وأدخلنا السرور على قلوب الجمهور، وعفونا عن كلّ من اجترح سيّئة(7) و(8) اقترف، وقابلناه بالصّفح وقلنا: عفا الله عمّا سلف. وتقدّمنا بإصلاح(9) أوقاف المسلمين من المساجد والمشاهد والمدارس وعمارة بقاع البرّ، والربط الدّوارس، وإيصال حاصلها(10) بموجب عوائدها القديمة إلى مستحقّيها بشرط(11) واقفيها(12)، ومنعنا أن يلتمس شيء ممّا استحدث عليها، وأن(13) يغيّر أحد شيئا(14) ممّا قرّر أوّلا فيها(15). وأمرنا بتعظيم أمر الحاجّ، وتجهيز وفدها وتأمين سبلها وتيسير(16) قوافلها(17). وأطلقنا(18) سبيل التجّار(19)
(1) في تشريف الأيام - ص 8 «تستحكم».

(2) في الدرّة: «وحجّة نبلغ بها غاية المراد».

(3) في تشريف الأيام - ص 8 «فلينظروا».

(4) في الدرّة: «من أمرنا».

(5) في تشريف الأيام - ص 8 «وإقامة»، وكذا في الدرة.

(6) زاد في الدرّة الزكية: «وتبجيلا وتكريما».

(7) في الأصل: «سياة».

(8) في تشريف الأيام - ص 8 «أو»، وكذا في الدرّة.

(9) في تشريف الأيام - ص 8 «وتقدّمنا بإصلاح أمور».

(10) في الأصل كتبت: «حاصلها».

(11) في تشريف الأيام - ص 8 «لشروط».

(12) وفي الدرّة الزكية 252 «على القاعدة المستقيمة لمستحقّها بشروط واقفها بعد إصلاح تالفها».

(13) في تشريف الأيام - ص 8 «وألاّ»، وفي الدرّة: «ولا».

(14) «شيئا» ليست في تشريف الأيام، وفي الدرّة: «ولا يغيّر شيء».

(15) زاد في الدرّة: «وأسند إليها».

(16) في تشريف الأيام - ص 8 «وتسيير».

(17) «وأمرنا بتعظيم أمر الحاج، وتأمين سبلها في ساير الفجاج، وتجهيز وفدها، وإطلاق سبلها، وتسيير قوافلها، وتسبيل فعلها».

(18) في تشريف الأيام - ص 8 «وإنّا أطلقنا». وفي الدرّة: «وأطلقنا أيضا».

(19) زاد في الدرّة الزكية: «الذين هم عمارة ساير الأمصار وكذلك المتردّدين».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٩٨)
المتردّدين إلى البلاد ليسافروا بحسب اختيارهم على أحسن قواعدهم(1)، وحرّمنا على العساكر والقراغول(2) والشحاني(3) في الأطراف التعرّض لهم(4) في مصادرهم / 71 أ / ومواردهم(5).

وقد كان صادف قراغولنا(6) جاسوسا في زيّ الفقراء كان سبيل مثله أن يهلك، فلم نر إهراق دمه صيانة لحرمة ما يحرّمه(7) الله تعالى(8)، (وأنفذناه(9) إليهم)(10)، ولا يخفى عنهم ما كان في إنفاذ الجواسيس من الضرر العامّ للمسلمين(11). وإنّ(12) عساكرنا طالما رأوهم في زيّ الفقراء والنّسّاك وأهل الصلاح فساءت ظنونهم في تلك الطوائف، فقتلوا منهم من قتلوا، وفعلوا بهم ما فعلوا، وارتفعت الحاجة بحمد الله تعالى إلى ذلك بما صدر إذننا به من فتح الطريق، وتردّد التجّار وغيرهم. فإذا أمعنوا الفكر في هذه الأمور وأمثالها. و(13) لا يخفى عنهم أنها أخلاق جبليّة طبيعيّة وعن شوائب التكليف(14) والتّصنّع عريّة. وإذا كانت الحال على ذلك فقد ارتفعت دواعي النفرة(15) التي كانت موجب(16)
(1) في الدرة الزكية: بحسب اختيارهم تطمينا للعباد، آمنين على أنفسهم من حوادث الفساد».

(2) القراغول: حراس الطريق عند المغول.

(3) الشحاني: مفردها الشحنة. قال في القاموس المحيط: الشحنة في البلد من فيه الكفاية لضبطها من جهة السلطان.

(4) في تشريف الأيام - ص 9 والدرّة «بهم».

(5) زاد في الدرّة الزكية 252 «وأن يمشون حيث شاؤا على أحسن ما كانت عادتهم من قواعدهم».

(6) في الدرّة الزكية: «قراول لنا».

(7) في تشريف الأيام - ص 9 «فلم يهرق دمه لحرمة».

(8) في الدرّة الزكية: «كان سبيل مثله أن يهلك، إذ سعا إلى حتفه قدمه، فلم نهرق دمه، تحرمة ما حرّم الله تعالى».

(9) في تشريف الأيام - ص 9 «وأعدناه».

(10) ما بين القوسين ليس في الدرّة الزكية.

(11) في الدرّة الزكية 253: «من الضرر العام للخاص والعام من فقراء المسلمين، وعباد الله الصالحين».

(12) في تشريف الأيام - ص 8 «فإن».

(13) «و» ليست في تشريف الأيام.

(14) في تشريف الأيام - ص 9 «التكلّف».

(15) في تشريف الأيام - ص 9 «المضرة».

(16) في تشريف الأيام - ص 8 «موجبة». وفي الدرّة الزكية 253 وردت العبارة: «فساءت ظنونهم حتى قتلوا من قتلوا من هذه الطوايف بغير حرمة ولا جناح. فإذا ارتفعت الحاجة بحمد الله تعالى إلى ذلك، تأمّنت الطرق والمسالك، وتردّد التجّار وغيرهم، وتطمأن القلوب من الفكر في هذه الأمور، -
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٩٩)
المخالفة، فإنها إن(1) كانت بطريق الدين والذّب عن المسلمين(2)، فقد ظهر بفضل الله(3) ويمن(4) دولتنا النور(5) المبين. وإن كانت لما سبق من الأسباب، / 71 ب / فمن تحرّى(6) الآن طريق الصواب، فإنّ {لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى(7)} وَحُسْنَ مَآبٍ(8) وقد رفعنا الحجاب(9) بفصل الخطاب، وعرّفناهم ما عزمنا عليه بنيّة خالصة لله تعالى(10) (وأنبنا أسيافنا)(11). وحرّمنا على جميع عساكرنا العمل بخلافها، ليرضى(12) بها الله والرسول، وتلوح على صفحاتها آثار الإقبال والقبول. وتستريح من اختلاف الكلمة هذه الأمّة، وينجلي بنور الائتلاف(13) ظلمة الإختلاف والغمّة. فيسكن(14) في سابغ ظلّها البوادي والحواضر، وتقرّ القلوب التي بلغت من الجهد إلى الحناجر(15). ويعفى عن سائر الهفوات(16) والجرائر.

فإن وفّق الله سلطانك لما فيه(17) صلاح العالم، وانتظام أمر بني آدم. فقد وجب عليه(18) التمسّك بالعروة الوثقا(19) وسلوك الطريقة المثلى بفتح
= ويأمن ساير الجمهور. وترتفع دواعي المضرّة، التي كانت توجب المخالفة».

(1) «وإن» ساقطة من تشريف الأيام.

(2) في تشريف الأيام - ص 8 «والذّبّ عن حوزة المسلمين»، وكذا في الدرّة الزكية.

(3) في تشريف الأيام - ص 8 «بفضل الله تعالى»، وكذا في الدرّة.

(4) في تشريف الأيام - ص 8 «في» بدلا من «يمن»، ومثله في الدرّة الزكية.

(5) في الأصل: «النور»، وفي الدرّة الزكية: «الفوز».

(6) في الدرّة الزكية: «ممّن يجري».

(7) في تشريف الأيام - ص 8 «الزلفى».

(8) سورة ص، الآية 25 والآية 40.

(9) زاد في تشريف الأيام - ص 8 «وأتينا»، في الدرّة: «والآن فقد رفعنا الحجاب». وليس فيه: «بفضل الخطاب».

(10) في تشريف الأيام - ص 8 «على استئنافها».

(11) ما بين القوسين لم يرد في تشريف الأيام. وفي الدرّة الزكية 253 «لنعلم ما عندهم من الجواب».

(12) في تشريف الأيام - ص 8 «لنرضي»، ومثله في الدرة الزكية.

(13) في الدرّة الزكية: «بنور الإسلام».

(14) في تشريف الأيام - ص 8 «فتسكن»، وكذا في الدرّة.

(15) في تشريف الأيام - ص 8 «من الجهد الحناجر» بإسقاط «إلى»، وكذا في الدرّة.

(16) في تشريف الأيام - ص 8 «عن سالف الهنات»، وفي الدرّة: «وتعفى عن ما سلف من الهنات، والجراير، ونريح المسلمين من فكر تفتّت المراير».

(17) في الدرّة وفي تشريف الأيام - ص 8 «فإنّ وفق الله سلطان مصر لاختيار ما فيه».

(18) في الدرّة: «علينا».

(19) هكذا. والصواب: «الوثقى».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٠٠)
أبواب الطاعة والاتحاد(1)، وبذل الإخلاص بحيث تنعمر(2) تلك الممالك والبلاد، وتسكن الفتن الثائرة. وتغمد السيوف(3) / 72 أ / الباترة، وتحلّ الكافّة أرض الهوينا(4) وروض الهدون(5). وتخلص رقاب(6) المسلمين من أغلال الذّلّ والهون(7). وإن غلب سوء الظنّ بما تفضّل به واهب(8) الرحمة، ومنع عن(9) معرفة (قدر)(10) هذه النعمة، فبه(11) شكر الله مساعينا، وأبلى عذرنا(12) {وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً}(13) والله الموفّق للسّداد والرشاد(14)، وهو المهيمن(15) على البلاد والعباد، وحسبنا الله ونعم الوكيل(16).

وكتب في أواسط جمادى الأول(17) سنة إحدى وثمانين وستمائة بمقام الألطاق(18). (وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله وصحبه»)(19).

هذه صورة كتابهم الوارد على يد رسلهم الذين اعتمد في أمرهم من الاحتراز
(1) في الدرّة: «الإنجاد».

(2) هكذا في الأصل، وكذا في تشريف الأيام - ص 10، والدرّة 253.

(3) في تشريف الأيام ص 10 «الفتنة».

(4) كذا، والصواب: «الهوينى».

(5) الهدون: الدّعة والطمأنينة. وفي الدرّة الزكية 254 «وروض الهتون».

(6) في الدرّة الزكية 254 «أرقاب».

(7) زاد في الدرّة الزكية: «فالحمد لله على الموافقة، وإخماد البارقة».

(8) في الدرّة الزكية: «واجب»، والمثبت يتفق مع تشريف الأيام.

(9) في الدرّة الزكية: «من معرفته».

(10) كتبت فوق السطر.

(11) في تشريف الأيام - ص 10 «فقد»، ومثله في الدرّة الزكية:254.

(12) في الدرّة الزكية: «وأبلى عذرنا مقبولا».

(13) سورة الإسراء: الآية 15.

(14) في تشريف الأيام - ص 10 «والله الموفق للرشاد والسداد»، وكذا في الدرّة الزكية.

(15) في الدرّة الزكية: «وهو الممتنّ».

(16) في تشريف الأيام - ص 10 «وحسبنا الله وحده». ومثله في الدرّة الزكية.

(17) في تشريف الأيام - ص 10 «الأولى»، ومثله في الدرّة الزكية.

(18) في تشريف الأيام - ص 10 «الإطاق»، وفي الحاشية (4) بمقام الأطاق utaq وتكتب أيضا أوطاق otaq كلمة تركية بمعنى غرفة - خيمة، أو مجموعة خيام أو معسكر، والمراد هنا بمعسكر السلطان. وليس في الدرّة الزكية «بمقام الألطاق».

(19) ما بين القوسين ليس في تشريف الأيام، والدرّة الزكية.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٠١)
في الصدور والورود ما لا عنه مزيد، ووعّر بهم في حالتيه توعيرا لا يعرف منه المقصد أقريب أو بعيد.

 

‌[استقبال السلطان لرسل ملك التتار]

ولمّا أراد مولانا السلطان - خلّد الله ملكه - استحضارهم جلس على منبر ملكه في أحسن الهيئات، وأحسن الصّور الحسنات. / 72 ب / وقد لبس من المجوهر ما يأخذ بالأبصار، وأكثر من نور شموع ليلة استحضارهم إلاّ أنّ نور وجهه بهر مالها من الأنوار، في مماليكه الخاصّ، وحفدته ذوو(1) الاختصاص، وقد بدوا كزهر الربيع ألوانا، وكالرياض التي تشوق وتروق عيانا. وجوه مقمرة، وأغصان قدود بالجمال مثمرة. في ملابس من الذّهب الإبريز، يخال أنّ الشمس طلعت ليلا بتوقّد أشعّتها الباهرة، متمنطقة بما يخيّل أنها فلك البروج السّيّارة، وإن شئت فقل السائرة. ودخلوا على مولانا السلطان وقد تأنّق مجلسه العالي الرواق، وظهر في أحسن الخلق وأشرف الأخلاق، ولسان حال كلّ منهم ينشد:

سامحاني إن اعتراني ذهول واعذراني فذا مقام يهول

ما على الأرض مجلس مثل هذا يرجع الطرف عنه وهو كليل

ولمّا واجهوا مولانا السلطان غضّوا الأبصار هيبة وإجلالا، / 73 أ / وطرأ عليهم من الحصر ما لم يستطيعوا معه أقوالا.

ولمّا حصلوا في الحضرة، ومثّلوا واقفين بين يديه مشاهدين ما هو للعيون قرّة، وللقلوب مسرّة، طلب مولانا السلطان الصاحب فتح الدين بن عبد الظاهر صاحب ديوان المكاتبات، فحين حضر انتصب له قائما وإن كان ربّ وظيفة لا يتكلّف له القيام، وأمر بجلوسه، فجلس ميمنة على عادة الكتّاب من سالف الأيام. ثم أخذ يسأل بالتركي: ما المقصود بسفير معرّب بينه وبينهم، وما المراد الذي أوجب عن وطنهم بينهم.

فقال قطب الدين الشيرازي: ثمّ مشافهة وكتاب.

فأمر مولانا السلطان أن يسلّم الكتاب لصاحب ديوانه هذا، وأن تعاد عليه المشافهة إذ هو أفهم للخطاب، فتوقّف وقال: إنّما أمرت أن أشافه مولانا السلطان
(1) الصواب: «ذوي».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٠٢)
لا من سواه. فكان الجواب: إنني ما أعرف ما تقول، وهذا الذي يعرف فحواه، فلم يسعه إلاّ أن سلّم له الكتاب المشروح / 73 ب / نصّه، المثبت فصّه، وأعاد عليه المشافهة، ولم تفده تلك المجابهة.

وفي صبحة هذه الليلة حضر بالديوان صاحبه المذكور، وتلى(1) على شيوخه نصّ كتابهم المسطور، وأمر كلاّ أن ينشئ نسخة جواب فأحجموا، وعلى مثل ذلك ما أقدموا، إلاّ والده فإنه أنشأ فأبدع، وقال فأسمع. إلاّ أنه لم يكتب به، إذ لم يكن نصّ ما أنعقد عليه المشور.

وكنت عملت نسخة صادفت فيها الرأي، وإن لم أحضر ذلك المحضر. وكان صاحب الديوان المشار إليه قد أنشأ نسخة، فعمدنا إلى نسخته، فكتبنا منها ما وقع الاتفاق عليه، وهي:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ «بقوّة الله تعالى(2) كلام قلاوون، إلى السلطان أحمد(3).

أمّا بعد حمد الله الذي أوضح بنا ولنا للحقّ(4) منهاجا، وجاء بنا فجاء نصر الله والفتح ودخل الناس في دين الله(5) أفواجا.

والصلاة والسلام على / 74 أ / سيّدنا (ونبيّنا)(6) محمد الذي فضّله على كلّ نبيّ، نجّى به أمّته (وكلّ(7) نبيّ ناجى)(8)، (وعلى آله وصحبه)(9) تنير ما دجى(10)، وتبير(11) من داجى. والرضى على الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين، وسيّد الخلفاء المهديّين، وابن عمّ سيّد المرسلين، والخليفة الذي
(1) الصواب: «وتلا».

(2) في تشريف الأيام - ص 10 «والدرّة الزكية 254 زيادة: «بإقبال دولة السلطان الملك المنصور».

(3) زاد في الدرّة الزكية: «بن هلاوون».

(4) زاد في الدرّة الزكية: «لنا وبنا الحق».

(5) في الدرّة: «في الدين».

(6) ليست في الدرّة الزكية.

(7) في تشريف الأيام - ص 10 «وعلى كل».

(8) ما بين القوسين ليس في الدرّة الزكية.

(9) ما بين القوسين ليس في تشريف الأيام. وهو في الدرّة بزيادة «وعترته».

(10) الصواب: «دجا». ولم تردا في الدرة الزكية.

(11) في تشريف الأيام - ص 10 «تنير». وعبارة «تبير من دجى» لم ترد في الدرّة الزكية.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٠٣)
يتمسّك ببيعته أهل هذا الدين)(1). إنه ورد(2) الكتاب الكريم، المتلقّى بالتكريم، المشتمل على النبأ العظيم، من دخوله في (هذا)(3) الدين، وخروجه عن ما خالف(4) من العشيرة والأقربين.

ولمّا فتح هذا الكتاب فاتح بهذا الخبر المعلم المعلم(5). والحديث الذي صحّح أهل الإسلام إسلامه(6). وأصحّ الحديث ما روي عن مسلم. وتوجّهت الوجوه بالدعاء إلى الله سبحانه (في)(7) أن يثبّته على ذلك بالقول بالثابت. وأن ينبت حبّ (حبّ)(8) هذا الدين في قلبه كما أنبت أحسن النّبت من أحسن(9) المنابت.

وحصل التأمّل للفصل المبتدى(10) بذكره من حديث إخلاصه النّيّة(11) في أول العمر، وعنفوان الصّبي(12) في(13) الإقرار بالوحدانية. ودخوله / 74 ب / في الملّة المحمّدية بالقول(14) والعمل والنّيّة.

فالحمد(15) لله على أن شرح صدره للإسلام، وألهمه شريف هذا الإلهام، كحمدنا الله(16) على أن جعلنا من السابقين الأوّلين إلى هذا المقال
(1) ما بين القوسين لم يرد في تشريف الأيام - ص 10، ولا في الدرّة الزكية.

(2) في تشريف الأيام - ص 10 «فقد وصل»، ومثله في الدرّة الزكية.

(3) لم ترد في تشريف الأيام، والدرّة الزكية.

(4) في تشريف الأيام - ص 10 «عمّن خلف»، وفي الدرّة: «عمّن سلف».

(5) في تشريف الأيام - ص 10 «للمعلم المعلم»، وفي النهج السديد 511 «المعلم المعظم».

(6) في الدرّة الزكية 254 «ولما فتح هذا الكتاب بهذا لإخبار، عطر شذاه حتى ملأ الأقطار، فالحمد لله على الإسلام المعلّم المعظّم، والحديث الذي صحّ عند الإسلام إسلامه».

(7) ليست في الدرّة الزكية.

(8) ليست في الدرّة الزكية.

(9) في تشريف الأيام - ص 10 «أخشن»، والمثبت يتفق مع النهج السديد 412. وفي الدرة الزكية 255 «أزكى».

(10) الصواب: «المبتدا»، وفي الدرّة: «والفضل المبدأ».

(11) في الدرّة: «إليه».

(12) الصواب: «الصّبا» كما في الدرّة.

(13) في تشريف الأيام - ص 10 «إلى» وكذا في الدرّة.

(14) في الدرّة: «بالاسم والقول».

(15) في الدرّة: «فالشكر».

(16) في تشريف الأيام - ص 11 «كحمدنا لله»، وكذا في الدرّة.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٠٤)
والمقام(1). وثبّت أقدامنا في كلّ موقف اجتهاد وجهاد تتزلزل دونه الأقدام(2).

وأمّا إفضاء النّوبة في الملك وميراثه بعد والده وأخيه الكبير إليه. وإفاضة(3) هذه المواهب العظيمة(4) عليه. وتوقّد(5) الأسرّة التي(6) طهّرها إيمانه، وأظهرها سلطانه فقد أورثه(7) الله من اصطفاه من عباده، وصدّق المبشّرات له من كرامة أوليائه(8) وعبّاده.

وأمّا حكاية اجتماع الإخوان والأولاد والأمراء الكبار (ومقدّمي)(9) العساكر وزعماء البلاد في مجمع قوريلتاي الذي ينقدح(10) فيه زند(11) الآراء، وأنّ كلمتهم اتفقت(12) على ما سبق(13) به حكم(14) أخيه الكبير(15) من إنفاذ العساكر إلى هذا الجانب، وأنه فكّر فيما اجتمعت عليه آراؤهم، وانتهت إليه أهواؤهم فوجده مخالفا لما في ضميره / 75 أ / إذا قصده الصلاح ورأيه الإصلاح، وأنه أطفأ تلك النائرة، وسكّن تلك الثائرة، فهذا فعل الملك المتّقي، المشفق من قومه على من بقي، المفكّر في العواقب، بالرأي الثاقب، وإلاّ فلو تركوا وآراءهم(16) حتى تحملهم (الغرّة)(17) لكانت تكون هذه الكرّة(18). لكن هو كمن خاف مقام ربّه ونهى
(1) في النهج السديد - ص 512 «إلى هذا الدين، وإلى هذا المقال والمقام»، وفي الدرّة: «لهذا الدين».

(2) في الدرّة: «في كل موقف اجتهادا واجتهادا، وفعلا واعتمادا».

(3) في تشريف الأيام، والنهج السديد: «وإفاضة جلابيب»، ومثلهما في الدرّة الزكية.

(4) في النهج السديد: «النعمة»، ومثله في الدرّة.

(5) في تشريف الأيام - ص 11 «وتوقله»، ومثله في الدرّة.

(6) في الدرّة: الأمر بالتي».

(7) في الدرّة: «فلقد أورثها».

(8) في تشريف الأيام - ص 11 «من كرامة أولياء الله»، وكذا في الدرّة الزكية.

(9) ليست في الدرّة الزكية.

(10) في تشريف الأيام - ص 11 «تتقدح»، وفي الدرّة: تنقدح».

(11) في تشريف الأيام - ص 11 «زبدة». والمثبت يتفق مع الدرّة الزكية.

(12) في تشريف الأيام - ص 11 «قد اتفقت».

(13) في تشريف الأيام - ص 11 «سبقت»، وكذا في الدرّة.

(14) في تشريف الأيام - ص 11 «كلمة»، وكذا في الدرّة.

(15) في تشريف الأيام - ص 11 «في»، وكذا في الدرّة.

(16) في الدرّة 225: «وإلا فلو تركهم ورأيهم».

(17) عن الهامش.

(18) في تشريف الأيام - ص 11 «لكانت تكون هذه الكرّة هي الكرّة»، وفي الدرّة: «لكانت هذه الكرّة هي الكرّة».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٠٥)
النفس عن الهوى(1)، ولم يوافق قول من ضلّ ولا فعل من غوى(2).

وأمّا القول منه بأنه لا تجب(3) المسارعة إلى المقارعة إلاّ بعد إيضاح المحجّة، وتركيب الحجّة، فانتظامه في سلك الإيمان صارت حجّتنا وحجّته المتركّبة. على من غدت(4) طواغيته(5) عن سلوك هذه المحجّة متنكّبة، فإنّ الله (سبحانه و)(6) (تعالى)(7) والناس كافّة قد علموا أنّ قيامنا إنّما هو لنصرة هذه الملّة، وجهادنا (واجتهادنا)(8) إنّما هو لله(9). وحيث قد دخل معنا في الدين هذا الدخول، فقد ذهبت الأحقاد وزالت الذّحول(10) وبارتفاع المنافرة، تحصل المظافرة(11) فالإيمان كالبنيان يشدّ بعضه ببعض ومن أقام / 75 ب / مناره. فله أهل بأهل في كلّ مكان، وحيران بحيران بكلّ(12) أرض.

وأمّا ترتيب(13) هذه الفوائد(14) الجمّة(15) على أذكار شيخ الإسلام قدوة العارفين كمال(16) الدين عبد الرحمن - أعاد الله من بركاته(17) - فلم ير(18) لوليّ قبله كرامة كهذه الكرامة، والرجاء ببركته وبركة الصالحين أن تصبح كلّ دار
(1) اقتباس من الآية 40 من سورة النازعات.

(2) في الدرّة: «ولم يوافق قول ولا هوى».

(3) في تشريف الأيام - ص 12، والنهج السديد: «يحب»، وفي الدرّة 256 «وأما القول فيه: إنه لا يحبّ».

(4) في النهج السديد: «عدت».

(5) في تشريف الأيام - ص 12 «طواعيته». والمثبت يتفق مع: النهج السديد، والدرّة.

(6) ما بين القوسين ليس في تشريف الأيام والنهج السديد.

(7) ليست في الدرّة.

(8) عن الهامش.

(9) في تشريف الأيام، والنهج السديد: «إنّما هو على الحقيقة لله»، ومثلهما في الدرّة.

(10) في الأصل: «الدحول»، بالدال المهملة. والتصحيح من تشريف الأيام والنهج السديد، والدرّة.

(11) في تشريف الأيام - ص 12 «المضافرة»، وكذا في الدرّة.

(12) هكذا. وفي تشريف الأيام: «جيران بجيران في كل» ومثله في الدرّة الزكية.

(13) في تشريف الأيام - ص 12 «وأمّا ترتّب».

(14) في تشريف الأيام - ص 12 «القواعد»، وكذا في الدرّة الزكية.

(15) في النهج السديد «الحميدة»، وكذا في الدرّة الزكية.

(16) في الدرّة: «شجاع».

(17) زاد في الدرّة 256 «قد أشار، فإنه نعم المستشار».

(18) في تشريف الأيام - ص 12 «فلم تر».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٠٦)
للإسلام دار إقامة(1)، حتى تتمّ شرائط الإيمان، ويعود شمل الإسلام مجتمعا كأحسن ما(2) كان. ولا ينكر لمن بكرامته(3) ابتداء هذا التمكّن في الوجود، أنّ كلّ حقّ ببركته إلى نصابه يعود(4).

وأمّا إنفاذ أقضى(5) القضاة قطب (الملّة و)(6) الدّين، والأتابك(7) بهاء الدين الموثوق بنقلهما في إبلاغ(8) هذه البلاغة. فقد حضرا وأعادا كلّ قول حسن(9) (حوالى أحواله، وخطرات خاطره، ومنتظرات ناظره)(10)، من(11) كلّ ما يشكر ويحمد، ويعنعن حديثهما فيه عن «مسند» أحمد.

وأمّا الإشارة إلى أنّ النفوس إن كانت(12) تطلع إلى إقامة دليل، تستحكم بسنّته(13) دواعي الودّ الجميل، فلينظر إلى ما ظهر من مآثره / 76 أ / من موارد الأمر ومصادره، ومن العدل والإحسان، بالقلب واللّسان، والتّقدّم بإصلاح الأوقاف(14). فهذه صفات من (يريد)(15) لملكه الدوام. فلمّا ملك عدل، ولم يلتفت(16) إلى لؤم من عدى(17) ولا لوم من عذل. على أنّها وإن كانت من الأفعال
(1) في تشريف الأيام - ص 12 «أن يصبح». وفي النهج السديد: «أن تفتح دار السلام وكل دار للإسلام وهي دار إقامته»، ومثله في الدرّة الزكية 256 ولكن فيه: «إقامة».

(2) في تشريف الأيام - ص 12 «ممّا».

(3) في تشريف الأيام - ص 12 «لمن لكرامته»، ومثله في الدرّة الزكية.

(4) في الدرّة: «هذا الابتداء والتمكين في الوجود أن كل حق إلى نصابه ببركته يعود».

(5) في الدرّة: «قاضي».

(6) ليست في الدرة.

(7) الأتابك: لفظ تركي مركّب من: أتا، بمعنى أب، وبك، بمعنى الأمير، فيكون أب الأمير، أو شيخه المحترم.

(8) في تشريف الأيام - ص 12 «في إبلاغ رسائل»، وفي الدرّة الزكية: «المؤثرون في نقلهما رسايل هذه البلاغة».

(9) في تشريف الأيام - ص 12 «حسن من»، وفي الدرّة: «فقد حضرا وأعادا من ألفاظهما من كل قول حسن مما يزهوا بحسنه على الصياغة».

(10) ما بين القوسين ليس في الدرّة الزكية.

(11) في تشريف الأيام - ص 12 والدرة الزكية «ومن».

(12) في تشريف الأيام - ص 13 «إن كانت لها»، وفي الدرّة الزكية 257 «إن كانت تتطلّع».

(13) في تشريف الأيام - ص 13 «بسببه»، وفي الدرّة: «يستحكم بسببه».

(14) في تشريف الأيام - ص 13 زيادة «والمساجد والربط وتسبيل السبل للحجّ إلى غير ذلك». وفي الدرّة: «والمساجد والربط والمشاهد. وتسهيل السبل للحاج».

(15) ليست في الدرّة.

(16) في تشريف الأيام - ص 13 «ولم يمل»، وفي الدرّة: «ولم يرجع».

(17) الصواب: «عدا».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٠٧)
الحسنة، والمثوبات التي تستنطق بالدعاء الألسنة، فهي واجبات تؤدّى(1)، وهو أكبر من أنّه بأجراء أجر غيره يفتخر أو عليه تنتصر(2)، (أو له يدّخر)(3).

إنّما يفتخر الملك العظيم بأن يعطي ممالك وأقاليم وحصون، وأن يبذل في تشييد(4) ملكه أعزّ مصون(5).

وأمّا تحريمه على العساكر والقراغولات والشحاني بالأطراف التّعرّض إلى أحد بالأذى(6) وإصفاء موارد (الواردين)(7) والصادرين من شوائب القذى(8) فمن حين(9) تقدّمه بذلك(10) تقدّمنا أيضا بمثله إلى سائر النوّاب(11) بالرّحبة(12) وحلب(13) والبيرة(14) وعين تاب(15). وتقدّمنا إلى مقدّمي(16) العساكر بأطراف
(1) زاد في تشريف الأيام - ص 13: «وقربات بمثلها يبدّى»، ومثله في الدرّة.

(2) في تشريف الأيام - ص 13 «أو عليه يقتصر»، وفي الدرّة: «وعليه يقتصر».

(3) ليس في الدرّة الزكية.

(4) في الأصل: «تسيد».

(5) ورد في تشريف الأيام - ص 13 بدل هذه الفقرة ما نصّه: «بل إنّما تفخر الملوك الأكابر بردّ ممالك على ملوكها، ونظمها على ما كانت عليه في سلوكه. وقد كان والده فعل شيئا مع الملوك السلجوقية وغيرهم وما كان أحد منهم يدينه بدين، ولا دخل معه في دين. وأقرّهم في ملكهم، وما زحزحهم عن ملكهم ويجب عليه ألاّ يرى حقّا مغتصبا ويأبى إلاّ ردّه، ولا باعا ممتدّا بالظلم ويرضى إلاّ صدّه. حتى إنّ أسباب ملكه تقوى، وأيامه تتزيّن بأفعال التقوى». وفي الدرّة الزكية 257 باختلاف يسير: «إنما تفتخر الملوك الأكابر بردّ ممالك على ملوكها، ونظم ما كانت عليه من حسن سلوكها، فقد كان والده فعل شيء (1) من ذلك مع الملوك السلجوقية وغيرهم، وما كان أحد أخذ بدينه دين، ولا دخل معه في دين. وأقرّ بهم في ملكهم، بعد ما زحزحهم عن ملكهم. . .».

(6) النص في الدرّة الزكية هو: «وأما تحريمه على الشحاني والعسكر والقراولات في الأطراف التعرّض إلى الآخذ بالأيدي عن الأذى».

(7) عن الهامش.

(8) في النهج السديد: «الغدى»، وفي الدرة: «موارد الواردين من شوايب العدا».

(9) في النهج السديد وتشريف الأيام - ص 13 «فمن حين بلغنا»، وكذا في الدرّة الزكية 257.

(10) في النهج السديد: وتشريف الأيام - ص 14 «تقدّمه بمثل ذلك»، وفي الدرّة: «أن تقدّموا بمثل ذلك».

(11) في النهج السديد وتشريف الأيام - ص 14 «سائر نوّابنا»، وفي الدرّة: «وقابلنا الجميل بالجميل من فعله، وأمرنا سائر النواب».

(12) الرّحبة: هي رحبة مالك بن طوق، بين الرقّة وبغداد على شاطئ الفرات.

(13) «حلب» لم ترد في تشريف الأيام، والنهج السديد. والدرّة الزكية.

(14) البيرة: بلد قوب سميساط بين حلب والثغور الرومية.

(15) عين تاب: قلعة حصينة ورستاق بين حلب وأنطاكية، كانت تعرف بدلوك.

(16) في تشريف الأيام - ص 14 «وعينتاب وإلى مقدّمي».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٠٨)
تلك الممالك، (بمثل ذلك)(1). وإذا اتّحد الإيمان، وانعقدت / 76 ب / الأيمان، تحتّم هذا الإحكام، وترتّب(2) عليه جميع الأحكام(3).

وأمّا الجاسوس الفقير الذي أمسك وأطلق(4). وأنّ بسبب من يتزيّا من الجواسيس بزيّ الفقراء قتلت(5) جماعة من الفقراء الصالحين(6) رجما بالظنّ فهذا باب من ذا الجانب(7) كان فتحه، وزند منه كان قدحه(8). وكم من متزيّ بفقير(9) من ذلك الجانب سيّروه، وإلى الإطّلاع (على الأمور)(10) سّوروه. وظفر النواب منهم(11). بجماعة فرفعوا(12) عنهم السيف، ولم يكشف ما غطّته حرمة الفقر(13) بلم(14) ولا كيف. وأمّا الإشارة إلى أنّ اتفاق(15) الكلمة يكون صلاح العالم(16). وينتظم(17) شمل بني آدم، فلا رادّ لمن فتح باب(18)
(1) ما بين القوسين لم يرد في: تشريف الأيام، والنهج السديد. وفي الدرّة الزكية 257، 258 «وأمرنا سائر النواب بالرحبة والبيرة وعين تاب بأطراف ممالكنا بالكفّ عما كففتم عنه، وأن نسدّ هذا الباب».

(2) في الأصل: «وتربت».

(3) وفي الدرّة الزكية: «تحتم هذه الحكاية، وترتب في جميع الأحكام مما يجوز في مجالس الحكام».

(4) زاد في الدرّة الزكية 258 «وكان سبيله أن يهلك».

(5) في تشريف الأيام - ص 14، والنهج السديد «قتل»، ومثلهما في الدرّة الزكية.

(6) في تشريف الأيام - ص 14، والنهج السديد «الصلحاء»، ومثلهما في الدرّة.

(7) في تشريف الأيام - ص 14، والنهج السديد «فهذا باب من الجانب»، وفي الدرّة: «فهذا باب من تلقى ذلك الجانب».

(8) في تشريف الأيام - ص 14، والنهج السديد، والدرّة: «وزند من ذلك الطرف كان قدحه».

(9) في الدرّة الزكية 258 «وكم من مزيّ بزي الفقر».

(10) ما بين القوسين لم يرد في الدرّة الزكية.

(11) في تشريف الأيام ص 14، والنهج السديد، «وظفر الله منهم».

(12) في تشريف الأيام - ص 14، والنهج السديد «فرفع»، وفي الدرّة: «مما ظفر منهم بجماعة كبيرة فرفع».

(13) في تشريف الأيام - ص 14، والنهج السديد والدرّة: «ما غطّوه بخرقة».

(14) في الدرّة الزكية: «بكم».

(15) في الدرّة الزكية وتشريف الأيام، والنهج السديد: «أن باتفاق».

(16) في الدرّة الزكية وتشريف الأيام، والنهج السديد: «الكلمة تنجلي ظلم (ظلمة) الاختلاف وتدرّ بها من الخيرات الأخلاف، ويكون بها صلاح العالم»، وفي الدرّة: «وتدرّ بها من الجراير».

(17) في تشريف الأيام - ص 14، والنهج السديد والدرّة الزكية: «وانتظام».

(18) في تشريف الأيام - ص 14، والنهج السديد «أبواب».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٠٩)
الاتحاد. و (من)(1) جنح إلى السلم فما(2) حاد ولا حادّ(3). ومن ثنى عنانه عن المكافحة، كمن(4) مدّ يد المصالحة للمصافحة(5). والصّلح وإن كان(6) سيّد الأحكام (فلا بدّ)(7) من أمور تبنى عليها(8) قواعده، ويعلم من مدلولها(9) فوائده. (فإنّ)(10) الأمور المسطورة(11) في كتابه هي كليات لازمة ينعمر(12) بها كلّ مغنى ومعلم، (إنّ تهيّأ صلح أو لم)(13).

/ 77 أ / وثمّ أمور لا بدّ وأن تحكم(14)، وفي سلكها عقود العهود تنظم. قد تحمّلها لسان(15) المشافهة التي إذا أوردت أقبلت إن شاء الله عليها النفوس، وأحرزتها صدور الرسل(16) كأحسن ما تحرزه الطروس(17).

وأمّا الاستشهاد(18) بقوله تعالى: {وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً}(19) فما على هذا النّسق من الودّ ينسج، ولا على هذا السبيل ينهج.
(1) «من» ساقطة من تشريف الأيام، والنهج السديد، والدرّة الزكية.

(2) في تشريف الأيام، والنهج السديد: «وما».

(3) في النهج السديد «فقد جاد ولا حاد»، وفي الدرّة: «فقد جاد وما حاد».

(4) في الدرّة: «كان كمن».

(5) في الدرّة: «مدّيده للمصافحة للمصالحة».

(6) في الدرّة: «وإن يكن».

(7) ما بين القوسين ليس في الدرّة الزكية:

(8) في النهج السديد والدرّة، وتشريف الأيام: «عليه».

(9) في النهج السديد والدرّة، وتشريف الأيام: «مدلوله»، وفي الدرّة الزكية «مداولته».

(10) في النهج السديد والدرّة، وتشريف الأيام: «فالأمور».

(11) في الدرّة الزكية: «المسطّرة».

(12) في النهج السديد والدرّة، وتشريف الأيام - ص 15: «يعمّر».

(13) ما بين القوسين ليس في الدرّة الزكية.

(14) في الدرّة: «لا بدّ أن تعقد وتحكم».

(15) في النهج السديد، وتشريف الأيام ص 15: «بلسان». وفي الدرّة الزكية: «قد يحملها لسان».

(16) في تشريف الأيام - ص 15، والنهج السديد: «الرسائل» - وفي الدرّة: «أقبلت عليها إنشاء (!) الله النفوس، وأحرزتها صدور الرسائل».

(17) في تشريف الأيام - ص 15، والدرّة، والنهج السديد: «ما تحرزه سطور الطروس».

(18) في تشريف الأيام - ص 15، والدرّة، والنهج السديد: «وأما الإشارة إلى الاستشهاد»، وفي الدرّة: «أمّا الإشارة إلى قوله تعالى».

(19) سورة الإسراء: الآية 15.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١١٠)
بل أفضل التقديم(1) في الدّين حقوق ترعى(2)، وإفادات تستدعى(3).

وعند الانتهاء إلى جواب(4) ما لعلّه يجب عنه الجواب من فصول الكتاب، سمعنا المشافهة التي على لسان أقضى القضاة قطب الدين(5) فكان منها ما يناسب ما في الكتاب(6). من دخوله(7) في الدّين، وانتظام عقده بسلك المؤمنين، وما بسطه من عدل(8) وإحسان، (وسيرة)(9) مشكورة بكلّ لسان(10)، فالمنّة لله في ذلك(11)، فلا يشبها(12) منه بامتنان. وقد أنزل الله (تعالى)(13) على رسوله في حقّ من امتنّ بإسلامه: {قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ} / 77 ب / {بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ.}(14)

ومن المشافهة أنه قد أعطاه الله (من العظائم)(15) ما أغناه به عن امتداد(16) الطّرف إلى ما في يد غيره من أرض وماء(17)، فإن حصلت الرغبة في الاتفاق على ذلك فالأمر حاصل. والجواب(18) أنّ ثمّ أمورا متى حصلت عليها الموافقة، تمّت
(1) في التشريف، والنهج: «بل لفضل المتقدّم».

(2) في التشريف، والنهج: «في الدين ونصره عهود ترعى»، وفي الدرّة: «فما على هذا النسق السبيل ينهج، ولا الودّ ينسج، بل الأفضل للمقدّم في الدين ونصره عهود ترعا».

(3) في التشريف، والدرّة، والنهج زيادة بعدها: «وما برح الفضل للأولوية وإن تناهى العدد للواحد الأول، ولو تأمّل مورد هذه الآية في غير مكانها لتروّى وتأوّل».

(4) في التشريف، والنهج: «وعندما انتهينا إلى جواب»، ومثلهما في الدرّة الزكية 259.

(5) في التشريف، والنهج: «قطب الملّة والدين».

(6) في التشريف، والنهج: «ما في هذا الكتاب»، وفي الدرّة: «فكانت مما تناسب».

(7) في التشريف، والنهج: «من معنى دخوله».

(8) في التشريف، والنهج: «من معدلة»، ومثلهما في الدرّة الزكية.

(9) لم ترد في التشريف، والنهج، والدرّة.

(10) في التشريف، والنهج: «مشكورة بلسان كلّ إنسان»، ومثلهما في الدرّة.

(11) في التشريف، والنهج: «فالمنّة لله عليه في ذلك»، وفي الدرّة «على ذلك».

(12) في التشريف - ص 15 «فلا يثبها»، والمثبت يتفق مع الدرّة الزكية.

(13) لم ترد في التشريف، والنهج، والدرّة.

(14) سورة الحجرات: الآية 17.

(15) عن الهامش.

(16) في تشريف الأيام - ص 15، والدرّة الزكية 259: «ومن المشافهة أن الله قد أعطاه من العطاء ما أغناه عن امتداد».

(17) زاد في الدرّة الزكية: «من ممالك فسيحة تروي الظمأ».

(18) في تشريف الأيام - ص 15 «فالجواب». وفي الدرّة: «فإن حصلت للرغبة الموافقة، فالأمر حاصل، فالجواب».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١١١)
المصاحبة(1) والمصادقة. ورأى الله(2) والناس كيف يكون تصافينا، وإذلال معادينا(3) وإعزاز مصافينا. فكم من صاحب أوجد(4) حيث لا يوجد الأب والأخ والقرابة. وما تمّ أمر الدّين(5) المحمّديّ(6) واستحكم في صدر الإسلام إلاّ بمظافرة(7) الصحابة. فإن كانت له رغبة مصروفة إلى الاتحاد وحسن الوداد(8)، (وجميل الاعتضاد)(9)، وكبت(10) الأعداء(11) والأضداد، والاستناد إلى من يشتدّ به الأزر(12) عند الاستناد، فقد فهم المراد(13).

ومن المشافهة إذا كانت(14) رغبتنا غير ممتدّة إلى(15) ما في يده من أرض وماء فلا حاجة إلى إنفاذ المغيرين الذين يؤذون المسلمين بغير فائدة (تعود)(16). فالجواب أنه لو(17) كفّ كفّ العدوان (من هنالك، / 78 أ / وخلّى لملوك المسلمين مالهم(18) من ممالك. سكنت الدّهماء، وحقنت الدّماء. وما أحقّه بأنّ لا ينه(19)
(1) في تشريف الأيام - ص 15 «متى حصلت عليها الموافقة ابتنى على ذلك حكم المصاحبة»، وفي الدرّة: «ثمّ أمور متى حصلت حصلت الموافقة، وابتنى على ذلك حكم المصاحبة والمصادقة».

(2) في الدرّة: «ورأى الله تعالى».

(3) في تشريف الأيام - ص 15 والدرّة: «وإذلال عدوّنا».

(4) في تشريف الأيام - ص 15 «وجد».

(5) في تشريف الأيام - ص 15 «أمر هذا الدين»، وفي الدرّة 259 «وما تمّ هذا الدين في صدر الإسلام».

(6) ليست في تشريف الأيام، والدرّة الزكية.

(7) في تشريف الأيام - ص 15 «بمضافرة» وهو الصواب، والمثبت يتفق مع الدرّة الزكية.

(8) في الدرّة الزكية: «وحسن الاعتقاد».

(9) ما بين القوسين ليس في الدرّة الزكية.

(10) في الأصل: «وكتب».

(11) في الدرة: الأعادي».

(12) في تشريف الأيام - ص 16 «يشتدّ الأمر به»، وفي الدرّة: «يشدّ».

(13) في تشريف الأيام - ص 16 «عند الاستناد فالرأي إليه في ذلك»، وكذا في الدرّة الزكية.

(14) في تشريف الأيام - ص 16 «ومن المشافهة أنه إن كانت»، وفي الدرّة: «ومن المشافهة إن كانت الرغبة».

(15) في تشريف الأيام - ص 16 «ممتدّة الأمل إلى»، ومثله في الدرّة الزكية.

(16) ليست في الدرّة الزكية.

(17) في تشريف الأيام - ص 16 «فالجواب عن ذلك أنه إذا كفّ»، وفي الدرّة: «فالجواب عنه أنه إذا».

(18) في تشريف الأيام - ص 16 «كفّ العدوان وترك المسلمين ومالهم»، وكذا في الدرّة الزكية.

(19) هكذا. والصواب: «بألاّ ينه».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١١٢)
عن خلق ويأتي مثله(1)، ولا يأمر بشيء(2) وينسى(3) فعله، وقنغرطاي(4) الروم(5) (الآن)(6)، وهي بلاد في أيديكم، وخراجها يجيء إليكم. فقد(7) سفك فيها وفتك(8)، وسبى وهتك. وباع الأحرار، وأبى إلاّ التمادي على ذلك(9) والإصرار.

ومن المشافهة أنه إن(10) حصل التصميم على أن(11) لا تبطل هذه الإغارات(12)، ولا يفتر عن هذه الإثارات. فيعيّن(13) مكانا يكون فيه اللقاء، ويعطي الله النصر(14) لمن يشاء. فالجواب عن ذلك أنّ الأماكن التي اتّفق فيها ملتقى الجمعين(15) مرّة ومرّة ومرّة قد عاف مواردها من سلم من ذلك(16) القوم، وخاف أن يعاودها فيعاوده مصرع ذلك اليوم. ووقت(17) اللقاء علمه عند الله لا(18) يقدّر، وما النصر إلاّ من عند الله لمن أقدر لا لمن قدّر. وما(19) نحن ممّن ينتظر فلته، ولا ممّن له إلى غير ذلك لفته. وما أمر ساعة النصر(20) إلاّ كالساعة لا
(1) يلمح إلى قول الشاعر: لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم

(2) في تشريف الأيام - ص 16 «ولا يأمر ببرّ»، ومثله في الدرّة الزكية 260.

(3) في الدرّة الزكية: «ويثني».

(4) قنغرطاي Kongartai كونغوراداي.

(5) في تشريف الأيام «بالروم»، في الدرّة الزكية: «فهذا قنغرطاي بالروم».

(6) ليست في تشريف الأيام، والدرّة الزكية.

(7) في التشريف: «وقد»، ومثله في الدرّة.

(8) في الدرّة الزكية: «وقتل».

(9) في التشريف: «على الإضرار والإصرار»، ومثله في الدرّة الزكية.

(10) «إن» ليست في التشريف. وفي الدرّة الزكية: «إذا».

(11) كذا، والصواب أن يقال: على ألاّ.

(12) في التشريف: «الغارات»، في الدرّة الزكية.

(13) في الدرّة الزكية: «ولا تغيّر هذه الإثارات، يعيّن».

(14) في الدرّة الزكية: «ويعطي الله تعالى فيه النصر».

(15) في الدرّة الزكية: «الملتقى للجمعان».

(16) في التشريف، والدرّة: «من أولئك».

(17) في التشريف، والدرّة: «فوقت»، وفي الدرّة الزكية: «قوقت الله لا يحصر».

(18) في التشريف، والدرّة: «فلا». وفي الدرّة الزكية: «وما النصر إلا من عند الله فلا يقدر».

(19) في التشريف، والدرّة: «ولا».

(20) في الدرّة الزكية: «الساعة بالنصر».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١١٣)
يأتي(1) إلاّ بغته. / 78 ب / والله الموفّق لما فيه صلاح هذه الأمّة، والقادر على إتمام كلّ خير ونعمه(2). إن شاء الله تعالى».

وكتب في مستهلّ رمضان المعظّم سنة أحد(3) وثمانين وستماية انقضى مضمون جوابهم، ومفهوم خطابهم، وفحوى العرض الذي خطى(4) بهم.

وتقدّم أمر مولانا السلطان فأفيضت عليهم ملابس نعمه، وأجزلت لديهم مواهب كرمه، وخصّ كلاّ منهم بما يناسب قدره، ويشرح صدره، ويحسن له إلى وطنه الكرّه. ثم جيزوا بجوابهم المشروح، فحين وصلوا إلى مرسلهم بالجواب، وأعادوا عليه ماهالهم، وأخبروه أنّ قلم هذا الجواب كان في الكتاب، ورجل سلطانه في الركاب. علما منه بعادة التتار في الركوب خلف كتابهم، والوثوب عند انفصال خطابهم، وقالوا وقالوا، وحدّثوا ولا حرج عن عزّ سلطان جالت أفكارهم عندما(5) / 79 أ / بممالكه المعظّمة جالوا.

إلاّ أنّ الملك أحمد لم يرتكب عادة التتار، في العتوّ والنّفار، ولا ركب رغبة في الصّلح الذي فيه عمارة الدار والجار. بل أقبل على قضيّة الصلح أيّما إقبال، وابتهج به رغبة في سلامة العقبى والمآل. ورأى أنه خير وأبقى، وأبقى وأتقى(6). وأخذ في تجهيز شيخه والهادي له إلى الإسلام كما زعم، والدّالّ له على طريق سلامة الصّلح إن انتظم، وجهّزه وصحبته موكب من الأمراء والخدم، والبرك(7) والحشم. ورفع على رأسه الجتر(8) وهو قبّة من أدم، وحكمه في البلاد فأحكم إذ
(1) في التشريف، والدرّة: «لا تأتي».

(2) حتى هنا في تشريف الأيام، والنهج السديد، والدرّة الزكية.

(3) الصواب: «إحدى».

(4) كذا في الأصل. والصواب: «خطا».

(5) تكرّرت «عندما» في آخر الورقة 78 وأول الورقة 79.

(6) الكلمتان مهملتان في الأصل.

(7) البرك: بسكون الراء. المتاع الخاص من ثياب وأسلحة ونحوها، مما يحمله المسافر.

(8) الجتر: بكسر الجيم، من شعار السلطنة، ويعرف أيضا بالمظلّة التي هي قبّة من حرير أصفر مزركش بالذهب، على أعلاها طائر من فضة مطلية بالذهب. (صبح الأعشى 4/ 7، 8).
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١١٤)
حكم. وتقدّم إليه بالتّوجّه لباب مولانا السلطان، ومصافحته بالصلح يوفي ماله من الضمان.

هذا، والأخبار عند مولانا السلطان من مكاتبيه بحركة هذا الشيخ وسكونه منزلة بمنزله، وأنباؤه مرحلة بمرحله. وعدّة من في صحبته وصورة هيئته وهيبته(1). فلمّا قرب من البلاد. / 79 ب / ودنا المراد من المراد، برزت مراسم مولانا السلطان بالكتابة إلى الأمير جمال الدين أقوش الفارسيّ أحد الأمراء الكبار القديمي الهجرة، المعروفين بالشجاعة في كلّ أمر وإمره، بأن يركب لتلقّيه من البيرة، وأنه إذا عدّى يمنعه من الركوب بالجتر ويقول له: قد صرت في بلاد مولانا السلطان، ولا يركب فيها أحد بالجتر غيره. فحين عدّى ما تعدّى، وحطّ مرفوعه عن راسه، وعرف منذ حلّ أرض مولانا السلطان قدر نفسه(2).

ولمّا وصل إلى حلب المحروسة وجد ما كان قد رسم به لنائبها الأمير شمس الدين قرا سنقر المنصوري من إخلاء القاعات لنزوله، وبهيئة ما يليق به قبل وصوله. فحين وصل وجد ما ينبغي لمثله. وأنزل من رحاب مولانا السلطان منزلا مباركا لا ينكر فرط إفضاله وفضله، وأقيم له من يقوم بمصالح خيله، وأن لا يمكّن أحد ممّن معه أن يخرج من المنزل الذي نزله، إحترازا من تحيّل، وإن لم يكن في خيله(3). / 80 أ / وسيّرت مطالعة من النائب المذكور بحلب بعدّة من معه، ومن أعجب ما رأيت فيها أربع(4) فقراء برسم الزمزمة والسماع.

هذا ما كان من الشيخ المذكور.

 

‌[دخول السلطان قلاوون دمشق]

وأمّا ما كان من مولانا السلطان (فإنّ)(5) مشوره انعقد مع عقلاء أمرائه وشيوخ آرائه على أن يكون الاجتماع بهذا الرسول بدمشق، ليعلم أن بلاده لم تخل
(1) الكلمتان «هيئته وهيبته» مهملتان في الأصل.

(2) نهاية الأرب 31/ 100، الدرّة الزكية 261، تشريف الأيام 49.

(3) تشريف الأيام 49، 50.

(4) الصواب: «أربعة».

(5) مطموسة في الأصل ولم يبق ظاهرا منها سوى «ف».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١١٥)
منه، (ولم يستغن في دفع خيله ركوب عزّ وبعد رسول عنه)(1) فاستخار الله سبحانه وتعالى، وعزم والنصر يرفرف عليه، والتأييد ينظر بعين العناية إليه. وقد راق منظره، وحقّق خبره وخبره. والمنازل تهاداه، والألطاف الإلهية(2) متكفّلة بحسن معاده ومبداه.

فلمّا حلّ مولانا السلطان بدمشق وقد تبرّجت له بزهر أزهارها، وفرشت لوطيء جواده فرش أنهارها. والأغصان قد تمايلت بسماع إدانة الأرض (له)(3) طربا، والطيور قد عادت باسمه الشريف من جملة / 80 ب / الخطبا(4). والأكمام قد رفعت عن يانع ثمرها، لضيافة قدومه كمامها. والسماء قد امتدّت لوقاية قمر وجهه أن تدركه الشمس غمامها فحلّ قلعتها حلول الزهرة في شرفها، والدّرّة في صدفها، وأهل الجنان في غرفها، والآيات البيّنات في صحفها.

فحين استجمّ - خلّد الله سلطانه - تقدّم أمره العالي بحضور الشيخ المذكور مع من معه من حلب، وطلبه فنجح بشرعة امتثاله ذلك الطلب. وأمهل إلى أن استراح ثلاثة أيام. ثمّ استدعي وقد جلس مولانا السلطان على كرسيّ سلطانه في صورة لا شكّ أنّها (أحسن)(5) الصّور، وهيئة تدهش ذوي النظر. وقد تجمّلت خواصّ مماليكه بأحسن مدّخرها من الملابس، وبرزت في هيئة إبريز لا شكّ أنها نار قابس.

ودخل هذا الشيخ في هيئة الفقراء معمّما بفوطة مرخاة، لها عذبة بدلق، طوى كمّيه وجمجم. وفي خدمته أتابك، وشمس الدين ابن التّيتي.

وكان هذا الشيخ يميل إلى الشقرة، فلما شاهد وجه / 81 أ / مولانا (السلطان)(6) أعظم خلق الله بتنزيهه وتقديسه، وتمتّع من كلّ من مولانا السلطان وملبسه بنفيسه. فرأى مولانا السلطان لح (. . . . . .)(7) وأمر بإجلاسه، تنويها من
(1) ما بين القوسين شطب عليه المؤلّف.

(2) في الأصل: «اللاهية».

(3) كتبت فوق السطر.

(4) في الأصل: «الخطباء» بإثبات الهمزة، وهذا لا يتفق في السجع.

(5) عن الهامش.

(6) مطموسة في الأصل.

(7) هنا كلمتان مطموستان.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١١٦)
قدره، وأحضر هذا الشيخ (. . .)(1) المذكور صندوقا لطيفا مقفلا، فلم يشكّ مولانا السلطان أنه جوهر مثمن. وفتحه حين وضعه بين يديه، فإذا فيه دواة من فولاذ (مجوهر)(2) مرب [عة](3) (. . .)(4) [يكو](5) ن طول شبر وفتر، يدور بها طران من ذهب. وداخل (. . . .)(6) فضّة مسكوبّة مطليّة بذهب، وحليتها فضّة مطليّة. قيل إنّها صنعة هذا الشيخ. فحين اطّلعها(7) مولانا السلطان استحقر همّتهم، واستنقص هديّتهم، وأنعم بها في الوقت الحاضر بحضرة الشيخ على صاحب ديوانه الصّاحب (فتح الدين)(8) المذكور.

 

‌[موت أحمد بن هولاكو]

ثمّ سمع مشافهته التي حملها، وأحاط علما بتفصيلها وجملتها، وأعاده إلى منزله ليجهّز، فلم يكن أسرع من أن جاء الخبر بموت أحمد(9) مرسله، وأنّ الحمام / 81 ب / وافاه معجّله. فسيّر مولانا (السلطان)(10) إليه وأطلعه على ذلك فأسقط في يديه، وأغمي عند سماع هذا الخبر عليه. ولم يقم الشيخ المذكور إلاّ أياما بعد
(1) كلمة مطموسة، ولعلّها «عبد الرحمن».

(2) كتبت فوق السطر.

(3) ما بين الحاصرتين مطموس في الأصل.

(4) كلمة مطموسة.

(5) ما بين الحاصرتين مطموس في الأصل.

(6) مقدار ثلاث كلمات طمست من الأصل.

(7) كذا. والصحيح: «اطّلع عليها».

(8) ما بين القوسين طمس في الأصل.

(9) وقد قتل السلطان أحمد في سنة 683 هـ. على يد ابن أخيه أرغون خان في أذربيجان. أنظر عنه في: تاريخ الزمان 346، 347، وتاريخ مختصر الدول 297، 298، وتشريف الأيام 63، والمختصر في أخبار البشر 4/ 17، ونهاية الأرب 27/ 403، 404 و 31/ 101، والتحفة الملوكية 107، والدرّة الزكية 263، 264، وجامع التواريخ مجلّد 2 ق 2/ 112، والمختار من تاريخ ابن الجزري 317، ودول الإسلام 2/ 141، والعبر 5/ 342، 343، وذيل مرآة الزمان 4/ 211 - 213، وتاريخ ابن الوردي 2/ 230، 231، وعيون التواريخ 21/ 341، 342، ومآثر الإثافة 2/ 127، 128، والبداية والنهاية 13/ 303، 304، والسلوك ج 1 ق 3/ 714، وروضة الناظر في أخبار الأوائل والأواخر، لابن الشحنة، أبي الوليد مجد الدين محمد بن محمود، وطبع على هامش كتاب «الكامل» لابن الأثير، بالقاهرة 1290 هـ - ج 9/ 144، وتاريخ ابن سباط 1/ 482، والدعوة إلى الإسلام، للسير توماس أرنولد 360، 361، والتاريخ الغياثي 5/ 45 - 47.

(10) عن الهامش.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١١٧)
هذا الخبر ثم قضى نحبه، بعد أن عالج من هذا الخبر صعبه.

وبرز أمر مولانا السلطان فأحسنت مواراته، وشكرت. بلحاق تلميذه في الإسلام مؤلّفاته. ثمّ ألحق بأتابك فتوافيا في دار الفناء، واستراحا في مقاساة العود من الغناء.

ونقل شمس الدين بن التيتي إلى الاعتقال بقلعة الجبل، ومكّن رعاع من جاء معه من العود، ولم يكن بأحمد، إذ غصصوا بما فاتهم من ملكهم أحمد.

 

‌[ترتيبات السلطان قلاوون وهو بدمشق]

ثم أخذ مولانا السلطان في إرسال القصّاد، ومكاتبة المكاتبين، والنصحاء المجاهدين، باستطلاع ما استقرّ بعد وفاة الملك أحمد، ومن استقرّ، ومن خلفه في الملك ومن ثبت بعد وفاته ومن فرّ.

وأقام مولانا السلطان بدمشق المحروسة حفظا لبلاده، وصيانة لعباده، ممّن يقوم، ومن يغروه لقصدهم بسوم.

/ 82 أ / وبرزت المراسم الشريفة للنواب بالأطراف بالاحتراز من الغيّارة، وحفظ مغرّر الرعيّة أن يلتقطه بعض السّيّارة(1). وأن يحترز على المخائض أيّما احتراز، وأن لا يفرّط في جانب حقيقة الحزم بما لكاذب الأخبار من مجاز.

وكتب إلى الأمير شرف الدين عيسى بن مهنّا أمير آل فضل بأن يحفظ ما عذق به منها، وأن لا يغفل ولا دقيقة عنها.

وعاد مولانا السلطان إلى مقرّ ملكه كما بدا، وقد تحقّق شغل القوم بأنفسهم عن الاعتدا، ووردت كتب النصحاء بذلك، وأن المستقرّ في الملك بعد وفاة أحمد(2). [هو أرغون بن أبغابن هلاوون](3).

 

‌[عودة السلطان إلى مصر]

واستقبل مولانا السلطان مصر مقرّ ملكه، وقد طفح بنيلها، وبرد بالريّ غليلها. وصبّح من مهاب نسيمها عليلها، وراقت بسط ربيعها الممتدّة، وتهيّأت
(1) اقتباس من الآية 10، من سورة يوسف.

(2) في الأصل بياض مقدار سطر. تركه المؤلّف ليكتب اسم خليفة الملك أحمد.

(3) ما بين الحاصرتين إضافة على الأصل من: الدرّة الزكية 263.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١١٨)
خيراتها التي هي لقدومه معتدّة. فتمتّع بها وتمتّعت، وسجدت أغصانها برؤوس(1) أكمام الثمار لله شكرا / 82 ب / حين به كما يسّر (اجتمعت)(2). وأنشد لسان حالها:

إياب كما آب الحسام إلى الغمد وعود كما عاد الندى شجر الورد

هذه صورة الحال في أمر رسول التتار أوّلا وثانيا.

 

‌ذكر حزم مولانا السلطان

عند سفره من كرسي ملكه لمثل ذلك وغيره

كان مولانا السلطان عندما يبرز دهليزه المنصور بظاهر القاهرة، ويعزم منصوره (وما زال)(3) الله ناصره، يتقدم أمره العالي إلى والي القاهرة ومصر المحروستين بالاحتراز التّامّ على الرعيّة ظاهرا وباطنا. وأن يخفرهم الولاة بأنفسهم سكنا وساكنا. وأن يواصلوا بأوراق الصباح، وتعريف سعر الغلاّت وأوراق زيادة النيل مع كل بريد. وأن لا يخلوا(4) علمه الشريف من متجدّد كلّ يوم جديد. ويتقدّم إلى ولده ووليّ عهده السلطان الملك الصالح بأن يلاحظ هذه الأمور، وأن يحسن الخلافة على من استرعاه من الجمهور / 83 أ / ويؤكّد على أخيه السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل في أن لا يناهب أخاه نهيا ولا أمرا، وأن يلزم معه الأدب سرّا وجهرا. فإذا لم يبق إلاّ الركوب من قلعته تقدّم أمره بكتابة تذكرة بتفصيل ما أجمله من وصيّته، ويشملها بخطّه الشريف، ويتقدّم إليه بأن يجعلها نصب عينيه، وأن يراجعها في كل أمر يعزم عليه.

 

‌ذكر نصّ بعض ما كتب له من التذاكر

فمن ذلك ما هو بخطّ الصاحب محيي الدين بن عبد الظاهر وهو بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هذه تذكرة مباركة نافعة بما يتأمّله المقام العالي، السلطاني، الملكي، الصالحي، العلائي، أعزّ الله نصره، ملاحظا، ويكون راجعا إليه، ومسندا عنه، ومتمسّكا به، ومراقبا له، ومستكثرا منه. / 83 ب / وبالله تعالى التوفيق.
(1) في الأصل: «بروس».

(2) كتبت فوق السطر.

(3) عن الهامش، وكتب لفظ الجلالة مرتين: في الهامش والمتن.

(4) كذا، والصواب: «يخلو» من غير ألف.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١١٩)
«قد علم الولد - نصره الله - ما أعطانا الله تعالى من هذا الملك العظيم، والنعمة التامّة، والسلطان المتمكّن، وما نحن عليه من خوف من الله، وخضوع لعظمة الله، واتكال في أمورنا على الله، واستناد إلى قوّة الله، واعتقاد أنّ النصر إنما هو من عند الله، فيكون هذا اعتماد الولد في أموره كلّها، وأحواله جميعا.

والله حسبنا ونعم الوكيل».

 

‌فصل [بضبط قوانين المملكة]

«وللمملكة الشريفة قواعد وضوابط وقوانين لا يجب الإغفال (عن)(1) مهمّ منها».

فمن ذلك ما يعتمد في غيبتنا أحسن الله عاقبتها، وجعلها مقرنة بالنصر والتأييد، والظّفر على ما عوّد برحمته وفضله. أنّه يتقدّم بملازمة المجرّدين بالقلعة المحروسة، وتفقّدهم وأخذهم بالملازمة، وأن أحدا منهم لا يخلّ بنوبته على العادة في مراكز القلعة، / 84 أ / وأبوابها وأسوارها ظاهرا وباطنا، وعلى الاعتقالات والحبوس في الليل والنهار والصباح والمساء، وفي أوقات ركوب الولد ونزوله. وتكون أبواب القلعة محفوظة بالأمراء والمقدّمين والبحريّة على العادة، ولا يفسح لغريب ولا لمتنكّر ولا لمحمول في طلوع القلعة. ويعتمد العادة في تجريد جماعة من الجند حول القلعة في جهة الجبل، ومن جهة القرافة، وعند دار العدل يحضرون في كلّ عشيّة، ويثبتون بخيولهم وغلمانهم طائفين بالقلعة، وحافظين لجهة الثغر. ويتقدّم بتجريد جماعة عند والي مصر وجماعة بالقرافة يطوفون، ويتقدّم بتجريد جماعة بالقاهرة يفرّقهم في المدينة وفي الحسينية، وفي الأحكار وفي الشارع، ويطوفون بالنوبة، ومعهم جماعة من جهة ولاية القاهرة، ويحترزون على الأبواب.

ونوصي المجلس السامي الأمير علم الدين(2) والي القاهرة على الاعتقالات وحفظها وحفظ من بها من المعتقلين / 84 ب / والأسارى، ويؤكّد عليه في حفظهم وضبط أمرهم، والاحتراز على الحبوس وعلى الدّروب والأبواب، ويؤكّد عليه في منع ذوي العدوان وذوي الذّعارة من الاجتماع في مظانّ الفساد، وأماكن العيث.
(1) كتبت فوق السطر.

(2) هو الأمير علم الدين سنجر الشجاعي.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٢٠)
والإنكار على من يمشي في الليل بغير حاجة، أو يخرج لا لضرورة، ويوقع الإنكار على ذوي الفساد، وشراب المنكرات، وإقامة حدود الله فيمن يوجد سكرانا أو على حالة منكرة، ويعفي آثار المنكرات كلّها، وإزالة ما تركنا الله الحمل الكثيرة من ضمانه لأن يعطل ويبطل. ولا يظهر الولد في هذه الحسنة على جميع الولاة، ويشدّد ويغلّظ وينكر ويحذّر. ويشهّر من يتجرّا أو يخالف أمر الله تعالى والمراسم المطاعة، ويعتمد السياسة التامّة في ذلك(1). ويعتمد الولد أمر الله في كلّ سارق وقاتل وجارح، ويحمل الأمر في ذلك على موجب الشرع الشريف، فالشرع يجمع كلّ شيء، ومن قتل يقتل، ومن / 85 أ / سرق يقطع. كلّ ذلك بالحقّ والشرع الشريف. وكذلك في جميع البلاد يأمر بذلك.

ويتقدّم الولد إلى ولاة الأعمال بحراستها وحفظها من المفسدين، ويكتب الحجج على مشايخ البلاد وخفرائها بحفظها في الليل والنهار، والمساء والصباح، والغدوّ والرواح، وإخراج بيوت شعر ينزل بها الخفراء من القرية إلى القرية، لتأنيس الطرقات وحفظها، وإجابة المستصرخ، ولحاق المتعرّي، وإدراك الهارب، وإمساك المفسد.

وتتقدّم إلى الولاة بالمناداة بأنّ السّفّارة لا يسافرون إلاّ بالنهار، وأنهم لا يغرّرون بنفوسهم ولا بأموالهم. ومن غرّر كان إثمه في عنقه. ولا تجعل الولاة ذلك حجّة للخفرا، بل يلزمهم بكلّ ما يعدم. وكلّما يؤخذ، وكلّمن(2) تعدّي عليه، ويعرّفهم أنّ منع الفساد في الليل والنهار إنّما هو من طريق الاحتراز، وإلاّ كلّما يؤخذ لهم يلزمون به.

 

‌فصل [في تدريج الحمام الرسايلي]

يؤكّد الولد - نصره الله - في تدريج الحمام الرسايلي لأجل البطايق / 85 ب / وألاّ يسيّر إلاّ الطيور الجيّدة، وأنها تكون مدرّجة إلى غزّة المحروسة، حتى أنّ الخبر يصل إن شاء الله تعالى في يومه من غزّة، لا بل من الشام، وكذلك حمام بطايق الثغور وغيرها.

 

‌فصل [بالاحتراز على الجند]

يتقدّم الولد بالاحتراز على الجند والمتأخّرين المجرّدين عن العسكر
(1) سها المؤلّف فكرّر جملة: «يعتمد السياسة التامة في ذلك». ثم شطب عليها.

(2) هكذا في الأصل. والصواب: «وكلّ من».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٢١)
المنصور، وأيّ من حضر منهم ممّن كان متأخّرا بسبب مرض أو عاقة، أو كان في إقطاعه، يعرض في ديوان الجيوش المنصورة، ويكتب له ورقة طريق تحليته وحلّية غلمانه، ويعلّم الولد عليها، ويؤمر بسرعة لحاقه للعسكر المنصور، وأن لا يتاجر بالجملة الكافية. ويجدّ في سيره.

 

‌فصل [بوالي الشرقيّة والعربان]

يؤكّد الولد على الوالي بالشرقيّة وعلى والي العرب (وعلى العربان)(1) في ترتيب خيل البريد بعد توجّه العسكر المنصور، وأن لا يحضر إلاّ خيل(2) جيّدة، ولا يحضرون فرسا عجفاء ولا عاجزة. ويأمر بأن لا يفارق صاحب النوبة مكان نوبته / 86 أ / حتى يحضر صاحب النوبة الأخرى ويتسلّمها. ومن ترك نوبته شاغرة ينكر عليه ويؤدّب ويغرّم.

ويتقدّم الولد - نصره الله - بأنّ فرس بريد لا يتعدّى بها أحد (مكانا دون)(3) مكانها، ولا منزلة إلى أخرى.

 

‌فصل [في حفظ المياه]

ويؤكّد على والي الشرقيّة، وعلى والي الغرب في حفظ المحارض والمياه من جهة البرّيّة، الكرك وغزّة من تلك الجهة. ويوصي مقدّمي العائد وغيرهم على حفظ نوبتهم، بحيث لا يفوتهم الطائر إذا طار إلى تلك الجهات بالجملة الكافية، ويحفظ جهة السويس، وماء العنبج، والطريق البدريّة، ومن وجد على غير الطريق الجادّة رائحا أو واصلا أمسك، ويطالع به. ويوصي والي الشرقية في إنفاذ الحمام إلى برج السويس صحبة من جرت العادة بتجريدهم فيه، ويزيد عدّتهم في هذا الوقت به. ويؤكّد عليهم في الحفظ التامّ والاحتراز. ويؤكّد على والي الشرقيّة، وعلى والي الخيريّة في إقامة الخفراء في الأماكن / 86 ب / المعروفة بهم خلف قلعة الجبل المحروسة، وخلف الجبل إلى (جهة)(4) السويس، وإلى جهة إطفيح(5)، ومن جهة شرونة(6) من الأعمال البهنسائيّة،(7) بحيث أنّ هذه الجهات لا يسكنها
(1) عن الهامش.

(2) الصواب: «إلاّ خيلا».

(3) عن الهامش.

(4) كتبت فوق السطر.

(5) إطفيح: بكسر أوله. بلد بالصعيد الأدنى من أرض مصر على شاطيء النيل في شرقيّه. (معجم البلدان 1/ 218).

(6) شرونة: بضم الراء وسكون الواو. قرية بالصعيد الأدنى شرقيّ النيل. (3/ 340).

(7) البهنسائية: نسبة إلى البهنسا. بالفتح ثم السكون. مدينة بمصر من الصعيد الأدنى غربي النيل. (1/ 516).
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٢٢)
أحد، وتكون محفوظة محروسة، محترزا عليها، محفوفة بالخفراء. ويدرك مقدّموها أمرها حتّى إنّه إن حصل خلل - والعياذ بالله - كان دركها لازما لهم، وكانت أرواحهم قبالة ذلك.

 

‌فصل [في استطلاع أخبار الثغور]

يستطلع الولد - أعزّه الله تعالى - الأخبار من جهة الثغور، وما يتجدّد بها من جهة البحر من أمور. ويكون الولد عينه إلى ما يتجدّد من خبرهم من جهة الروم. أو جهة العرب، أو بلاد الفرنج، ويعرّفنا بالمهمّ من ذلك في وقته وساعته. ويعمل بحسب ما يتجدّد من الاهتمام بالمداركة، وانتهاز الفرصة، وتلافي الأمور من غير إهمال ولا إغفال، حسبما يقتضيه الحزم التامّ.

ويؤكّد الولد على والي الإسكندرية في أخذ الرجال من الجند الذين بها، والقبائل، وأهل الثغر بما جرت عادتهم به / 87 أ / من لبس عددهم، والعرض بها، والمرابطة على العادة.

ويؤكّد عليه في حفظ فنادق الفرنج، وحفظ مفاتيحها في الليل، وفي وقت صلاة الجمعة، وفي حفظ الأمكنة المجاورة لها، وفي حفظ المواني من جهة المير ومن كلّ جهة. وأنه يكون مستظهرا في أموره كلّها.

ويتقدّم الولد إلى والي دمياط ووالي الغربيّة، وإلى نستروه(1)، وإلى رشيد(2) بحفظ السواحل والبرور، وكلّ من جرت له عادة من العربان بحفظ مكان يرتّب فيه ويلزم بحفظه. وكذلك جهة الطّينة(3)، وتنّيس(4). ويؤكّد على والي دمياط، ووالي قطيا(5) في حفظها والاحتراز عليها وضبطها وحفظ من يدخل منها أو من يخرج. ويؤكّد في ذلك. ويوصي ولاة الثغرين في إطابة قلوب التجّار واستمالة خواطرهم
(1) نستروه: بالفتح ثم السكون وتاء مثنّاة من فوقها وراء مضمومة، وواو ساكنة. جزيرة بين دمياط والإسكندرية (5/ 284).

(2) رشيد: بليدة على ساحل البحر والنيل قرب الإسكندرية. (3/ 45).

(3) الطّينة: بكسر أوله وسكون ثانيه: بليدة بين الفرما وتنّيس من أرض مصر. (معجم البلدان 4/ 56).

(4) تنّيس: بكسرتين وتشديد النون. جزيرة في بحر مصر قريبة من البرّ ما بين الفرما ودمياط. (معجم البلدان 2/ 51).

(5) قطيا: قطية: بالفتح ثم السكون، وياء مفتوحة. قرية في طريق مصر في وسط الرمل قرب الفرما. (معجم البلدان 45/ 378).
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٢٣)
ومعاملتهم بالعدل والإحسان والرفق والإنصاف ليتوجّهوا شاكرين حامدين، مستجلبين خواطر من يحضر بعدهم من التّجار، مع اعتماد مصلحة الديوان المعمور. / 87 ب / وتتقدّم إلى والي البحيرة بحفظ الطرقات وحفظ المنازل من جهة برقا(1)، وتلك الجهات، وضبطها من متسلّك، أو متسحّب، أو نازح.

ويؤكّد الولد على والي البحيرة في مباشرة خليج الإسكندريّة، وإزالة ما هو في طريق الماء من بلعات(2). وكذلك تتقدّم إلى والي الإسكندرية بحفر ما يلزمه من ذلك. ويؤكّد على والي البحيرة في ملازمة البحر المنصوري المعروف بالطّيريّة، والمطالعة بما يتجدّد فيه من منفعة وبركة ونموّ.

ويؤكّد الولد - نصره الله تعالى - على والي البهنساية(3)، وعلى والي الفيّوم في حفظ جهة ألواح من الجند المتسللين، أو الأكراد، أو الشهرزورية، ويحذر من اجتماعهم في مكان واحد.

ويؤكّد الولد على والي الجيزيّة في أنّه لا يخلّي أحد ممّن ينكر مثل شهرزورية وأكراد بطّالين، أو من يكون من هذه النسبة أنّهم يعدّون بيوتهم وأولادهم مجتمعين، ويوصيه بالاحتراز من هذا الأمر. وأنّه / 88 أ / يتيقّظ لهذه المصلحة ويلاحظها، ويكون على تحفّظ من هذا الأمر. وكذلك يتقدّم بالوصيّة على جهة ألواح من جهة ولاية سيوط(4). ويتقدّم إلى ولاة البلاد بأن (لا)(5) يفسحوا للعربان في حمل شيء من السيوف والرماح، وتؤخذ منهم وتسيّر إلى خزائن السلاح المنصورة على العادة.

 

‌فصل [في مهمّات الأمراء والجند]

وقد علم مهمّات الأمراء والجند، وأنّهم في بيكار(6)، ويحتاجون إلى الملاحظة في غيبتهم، وحسن العناية بنوّابهم. والشّدّ منهم في خلاص حقوقهم من
(1) كذا، وهي برقة: صقع كبير يشتمل على مدن وقرى بين الإسكندرية وإفريقية. وعاصمته حاليا مدينة بنغازي.

(2) بلعة - بالوعة. وهي المصرف الذي يصرف المياه عن الطرقات.

(3) كذا. والمراد: «البهنسائية».

(4) كذا. وهي أسيوط. مدينة معروفة بصعيد مصر.

(5) كتبت فوق السطر.

(6) البيكار: الحرب.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٢٤)
جهاتهم، ومن إقطاعاتهم، وإكرام مخلفيهم. مع المكاتبات إلى ولاة الأعمال بقضاء أشغالهم، وتقوية أيدي نوّابهم ومراعاة أسبابهم، والإعانة لهم في التقدّم بتلافي أمورهم جميعا لتكون أحوالهم ماشية في غيبتهم أكثر من حضورهم، والاعتناء بهم أوفى، والملاحظة أكثر، وتقوية اليد أتمّ.

 

‌فصل [بزيادة النيل]

/ 88 ب / وإذا أتمّ الله نعمته، وأسبغ رحمته بزيادة النيل المبارك وعموم رحمته، وشمول بركته، ويلاحظ الولد أمور الجسور والتّراع(1)، ويكتب إلى الولاة بحفظها وضبطها ومبيت الرجال عليها وتحصيل الأصناف بحيث لا يختلّ جسر إلاّ وتكون الأصناف والآلات التي تدعوا(2) الحاجة إليها حاصلة لإعاقة لها، خصوصا جسور الخيريّة(3) فإنّ أمرها مهمّ لا ينبغي الغفلة عنه طرفة عين. ويرتّب الحمام الرسايليّ عند مباشرتها لاحتمال أن يتجدّد فيها خلل، فيستدرك سريعا بأمير كبير يسيّره للوقوف على ذلك وتلافيه وتداركه. ويجعل هذا الأمر نصب عينيه. ويتقدّم بأن لا يفتح جسر، ولا ينفّس عنه، ولا تفتح قنطرة، ولا تكسر ترعة، إلاّ عند استحقاقها وفي وقتها على حكم مصلحة الوقت ومقدار النيل وكثرته من غيرها. والشهادة على الخولة(4) والمهندسين بذلك.

ويحذّر الولاة والنوّاب من أنّ أحدا من نائب أمير أو غيره / 89 أ / يكسر جسرا بيده لمصلحة إقطاع مخدومه، وتشريق ما عداها. ولا يكسر جسر إلاّ بأمر الوالي في تلك الجهة، واتفاق منه بحضور أكابر البلاد ومشايخها وخولتها، والإشهاد عليهم.

 

‌فصل [في ريّ البلاد]

يتقدّم الولد إلى الولاة بالاجتهاد في ريّ البلاد، ويحذّرهم من أن يبور منها قعر قصبة، أو أن تهمل أمور قوانين الريّ ونظمها، وإنفاذها. ويحذّر الولاة من أن يحضر أحد شاكيا منهم بسبب تشريق إقطاع مخدومه لإهمال أو تفريط، أو محاباة
(1) التراع: مفردها ترعة، وهي الساقية.

(2) كذا، والصواب: «تدعو» من غير ألف في آخرها.

(3) يرجّح أن المقصود هي القناطر الخيريّة حاليا، القريبة من القاهرة شمالا.

(4) الخولة: مفردها: الخولي، وهو البستاني أو المشرف على الزراعة والريّ.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٢٥)
جهة دون جهة، أو تغلّب قويّ على ضعيف، أو أمير على جنديّ. وتكون المساواة شاملة، والمعونة تامّة.

 

‌فصل [بإخراج التقاوي للزراعة]

وإذا عمّت بركات الله تعالى، وشملت رحمته بتغليق الأراضي بالريّ، يصرف الولد - نصره الله تعالى - عنايته ويوالي / 89 ب / مراسمه، مؤكّدا فيها على الولاة بإخراج التّقاوي المرصدة لتخضير البلاد وتغليقها بالزراعة، بحيث لا يبور منها الشبر الواحد بغير زراعة. ويدبّر أحوال البلاد بكلّ ممكن، ولا يحتجّ بحجّة، ولا بحضور وكيل مقطع، ولا غيبته. ويتوعّد الولاة، ويغلظ الإنكار عليهم بهذا السبب، ويفهمهم أنّه إن بار شيء كانوا موآخذين به. وأنّ ذلك لازمهم، وتكون أرواحهم وأموالهم قبالة ذلك. ويؤكّد في المكاتبات إليهم بذلك في جميع الأوقات، ويأمرهم بردّ الفلاّحين إلى أماكنهم(1) ليحصر آثارهم(2).

هذه جمل وراها(3) جمل، وفصول وراها(4) فصول، وأصول وراها(5) أصول.

وفي الولد - أعزّ الله (سلطانه)(6) - من الألمعيّة ما يفرّع أصولها، ويوصل فروعها، وينتزع من مطاوي مفهومها، ما يحسن إلى المصلحة نزوعها. فيتأمّل ما تضمّنته، وينسج على منواله، وينتج منه / 90 أ / مقدّماته ما يناسب معنى تفصيله وإجماله.

والله تعالى يمتع ببقائه، ويؤكّد أسباب عزّ سلطانه واستعلائه، بمنّه وكرمه».

* * *

 

ومن ذلك تذكرة أخرى في سفرة أخرى من إنشاء صاحب ديوان مكاتباته فتح الدين.

 

‌[تذكرة شريفة ملوكيّة من إنشاء فتح الدين ابن عبد الظاهر]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ «تذكرة شريفة ملوكيّة ينتهى إلى فصولها، ويستوعب جميع محصولها، المقام العالي، المولوي، السلطاني، الملكي، الصالحي، العلائي، لا برحت له الذكرى
(1) في الأصل: «إمكانهم» وهو غلط.

(2) بعدها بياض مقدار سطر، تركه المؤلّف.

(3) و(4) و(5) هكذا في المواضع الثلاثة. والصواب: «وراءها».

(6) كتبت فوق السطر.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٢٦)
نافعة والخلائق سامعة، والملوك والممالك طائعة، والأمور إلى أوامره الكريمة ونواهيه راجعة، ويطالعها مطالعة من إذا تلحّظها تحفظها، وإذا نقلها تعقّلها. وإذا غاب عنه فهم أذكرته، وإذا خفي عليه حكم من أحكام الأمور بيّنته له وأظهرته. وقد جعلناها بين يديه نورا يسعى. وحكما يرعى.

 

/‌‌ 90 ب / فصل [في أن العدل أساس الملك]

الولد يعلم أنّ العدل رأس مال الملوك المربح، وفعلهم المنجح، فبالعدل دامت الدّول، وبالعدل العمريّ(1) تعمّر الأقاليم، وبالعدل أمنت البلاد والعباد.

فليعدل في الرعيّة الأقربين والأبعدين، الحاضرين والغائبين. ويكشف ظلاماتهم، ويسمع شكاياتهم. وينصب إلى إنهاآتهم. ولا يحكم للشاكي على المشتكي إلاّ بحضور المتشاكين، فإن كانت القضيّة شرعيّة ردّها إلى القضاة والحكّام الذين نصبناهم للفصل بين الحلال والحرام، وإن كانت شناينه تقتضي التأديب. فهو ذو الفكر الصائب والعقل الأريب. فيفعل (في)(2) ذلك مبلغ حكم ملكه فعل من أقام الحقّ في مكانه، وأمر بالمعروف في زمانه وأهل زمانه.

 

‌فصل [في الإنصاف]

وإذا تعيّن حكم على ذي جاه من ذوي الإمرة لضعيف قدره، أو(3) / 19 أ / قدرته. فلينصف منه أتمّ إنصاف. فما جعل السلطان إلاّ لينصر الضعيف على ظالمه. ويقوّي يد المسكين الذي لا قدرة له على تخاصمه. فينصف - أعزّ الله سلطانه - الضعيف من القويّ، ويفصل بحكمه بين السقيم والبريء.

 

‌فصل [في ملازمة دار العدل]

ودار العدل يتقدّم إلى نوّابها بملازمتها في الأيام المعلومات، ويحضرها من كانت عادته بالحضور فيها مدّة الغيبة في البيكار، ليفصلوا بين شكايات العالم، ويحسموا مادّة الشكاوى، ويقطعوا المظالم.
(1) أي عدل الخليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب، رضي الله عنه.

(2) كتبت فوق السطر.

(3) تكرّرت في آخر الورقة 90 وأول الورقة 91.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٢٧)
‌فصل [في أمور الأموال ومصالح البلاد والدواوين]

وأمور الأموال ومصالح البلاد والدواوين، وترتيب ما بها من الأموال والقوانين هي أصل في التدبير، وباب كبير إلى نيله يسير.

والولد - أعزّه الله تعالى ونصره - يستطلعه من المجلس العالي، الأميري، الأجلّي، الكبيري، العلمي، سنجر المنصوريّ / 91 ب / مدبّر الممالك الشريفة وهو يراجعه فيه. ويتحدّث معه فيما يوفّر الخير ويوفّيه.

فليساعد اهتمامه بمراسمه النافذة، وينهض عزمه بأوامره، حتى إنّه يقوّي يده، ويشدّ عضده، ويحصّل ما هو مهيّمن عليه، ومفوّض أمره إليه. ويكون حديثه معه في المصالح، وحديثه مع الناظرين(1) والديوان، ومفاوضته له، ومفاوضته لهم في كلّ مهمّ.

 

‌فصل [حول الأمراء المنصورية والمماليك السلطانية]

الأمراء المنصوريّة وغير المنصورّية، والمماليك السلطانية، والبحريّة، والمجرّدون بالقلعة وغير القلعة، يلاحظ أمورهم، ويضاعف حسن السياسة والإقبال عليهم، صغيرهم وكبيرهم، ويعاملهم بما يستميل به قلوبهم، ويوفّر من الملاحظة نصيبهم، ومن له خدمة ووظيفة يلازم خدمته ووظيفته ولا يفارقها إلى انقضاء نوبته. ومن بنوبته إن كان ممّن يردّ بالقول / 92 أ / فبالقول، أو بالفعل فبالفعل.

وأيّام العبور إلى الخدمة يدخل من جرت عادته بالدخول إلى الخدمة، ويقف كلّ منهم بمكان وقوفه على عادته. وإذا انقضى السّماط ووقت الخدمة يخرج الجميع. ولا يتأخّر أحد ممّن ليست له عادة بملازمة وظائف الخدمة، وكذلك أوقات الجلوس العام، والجلوس الخاص، لا يدخل أحد في غير وقت دخوله المعتاد، ولا سيما من لا له عادة في خدمة بدخول ولا خروج. ولا يقدّم أحد له قصّة من يده. ولا يتحجّب من ليس له عادة بالحجوبيّة. ولا يتحدّث أحد فيما لا يعنيه. ولا يقف أحد في غير مكانه، ولا الذي لم تكن له عادة بالوقوف إلى جانبه. ولكلّ أحد ممّن هو في الخدمة منزلة ومكان يخدم فيه بحسبه، ولتكن عينه لذلك مراقبه، وفكره في هذه المهمّات صائبه.
(1) كذا، والصواب: «مع النّظّار».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٢٨)
‌فصل [في الباب الجوّاني بقلعة القاهرة]

/ 92 ب / الباب الجوّاني، باب الرحبة، تلازمه صبيان قاعة الأعمدة بالنّوبة، وباب القلعة الجوّاني مثل باب القلعة البرّاني يلازمه أيضا منهم جماعة بالنوبة على العادة في الليل والنهار.

وباب القلعة البرّاني تلازمه المقدّمون ومضافوهم من المماليك السلطانية بالنّوبة(1). ولا يخلّ أحد بنوبته.

 

‌فصل [في إغلاق أبواب القلعة]

أبواب القلعة تغلق وقت العادة، وتفتح وقت العادة. ووالي القلعة يحضر المفاتيح إلى والي القلّة(2)، ووالي القلّة يدخل بالمفاتيح التي للقلعة والقلّة، وتسلّم لمن كانت تسلّم له على العادة، وأبواب السّرّ لا تفتح أبدا إلاّ لمهمّ كبير يقتضي ذلك».

هذا ملخّص فصول هذه التذكرة، وهي كثيرة طويلة، / 93 أ / وفيما ذكرناه مقنع.

ومنها تذكرة أخرى من إنشاء جامع هذه السيرة وهي تذكرة شريفة، أماير اليمن بها مطيفة.

تقدّمت المراسم الشريفة، العالية، المولوية، السلطانية، الملكيّة، المنصوريّة، السّيفية، خلّد الله سلطانها، وأظهر برهانها. بترصيع فصولها، وتفريع أصولها، وتنميق سطورها، وتوفيق صدورها على أعجازها، وأعجازها على صدورها. وإيداعها ما ينطق بالصواب لسان قلمه، وينبي عن فصل الخطاب بتنوّع حكمه. يقف عليها المقام الشريف، العالي، الولدي، السلطاني، الملكي، الصالحي، العلائي، وليّ عهده، عند حدّها المحدود، ويراجع فصولها القاضي بها حسن إرشاد الولد للمولود. ويهتدي بأنوار هديها فيما يأتي ويذر، ويطالع صورها البادية لعلمه في أحسن الصّور، ويجعلها / 93 ب / نصب عينيه نهى وأمر. ولا
(1) كتب المؤلّف بعدها سهوا: «وباب القلعة البرّاني ولازمه من رتّب عليه من الأمراء والمماليك السلطانية بالنوبة»، وتنبّه فشطب عليها خطّا.

(2) القلّة: هي قمّة القلعة.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٢٩)
يخرج عنها في دقيق ولا جليل مدّة الغيّبة، ومن وصّى بما اقتضته حنوّ الأبوّة كمن حضر.

على أنه - أعزّ الله سلطانه - سديد الآراء، بصير بعواقب الأمور، غنيّ بألمعيّته، وإنّما هي وإن بهرت أنوار سؤدده نور على نور.

 

‌فصل [بالاحتراز على المعتقلين بقلعة الجبل]

إذا استقلّ ركابنا الشريف من قلعة الجبل المحروسة بنيّة هذه الغزاة التي أخلصنا فيها النّيّة، وطوينا عليها ما جبلنا عليه من (إصلاح)(1) الطّويّه. وعاد الولد بعد وداعه إليها، وأقبل بوجه حسن الخلف عليها، وجلس بكرسيّ ملكها؛ وانتظم واسطة بجوهرة سلكها، يكون مهمّة المقدّم على كلّ مهمّ، واحتفاله بما من المحذورات يلمّ.

التقدّم بالاحتراز على من اعتقل بالقلعة المحروسة من الأمراء ذوي الفتن، والمودعين بسجونها من ذوي الإحن. والتوكيد على مباشرتهم في الليل والنهار، واقتفاء ما / 94 أ / لهم وللمتردّد إليهم من آثار. والتضييق عليهم إلاّ فيما هو مرتّب لهم من مأكول ومشروب، ومستدعى ومطلوب. وتفقّد مريضهم المتحقّق مرضه بحكماء الخدمة، ومعالجتهم بتعجيل النسخ على ما تقتضيه الحكمة. ولا يؤخّر عنهم طعام عن وقتهم الجاري به العادة ولا كسوة، بل تفاض عليهم في أوانها على ما قرّرناه، وإذا لم يكن زيادة على ما ذكرناه. ويتفقّد الولد أحوالهم، وتبسط بالوعد المؤثّر له في نفوسهم المحبّة آمالهم.

 

‌فصل [ملازمة المجرّدين بباب القلعة]

يتقدّم الولد - أعزّه الله تعالى - إلى من جرّدناه من مماليكنا بباب الرحبة، وباب القلعة بالملازمة لهذه الوظيفة، والمواظبة لهذه المصلحة التي هي به مطيفة. وأن يكونوا على بصيرة من أمرهم، واحتراز من ذوي المكر، ولا يحيق بمشيئة الله تعالى بهم إلاّ سوء مكرهم.

وباب القلعة الذي إلى جهة القرافة / 94 ب / لا يفتح مدّة غيبتنا، ولا يزال مغلقا في وجه ذوي التصرّف إلى حين أوبتنا، ولوازم القلعة المذكورة محروسة من
(1) كتبت فوق السطر.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٣٠)
الولاة والجان داريّة(1) والكنانيّة(2)، والبرتداريّة(3) والبوّابين، والطّرادين.

يتقدّم أمر الولد - أعزّه الله تعالى - بأن لا يخلّوا بما هو معذوق بهم، ومنوط بسببهم.

 

‌فصل [بحراسة الأكناف]

يتقدّم أمره العالي إلى كلّ من والي مصر والقاهرة بحراسة الأكناف، وصيانة الأطراف من الأطراف، والاحتراز على المعتقلين من ذوي الجرائم والذنوب العظام، والانتصاب على أبواب أدرهما لإغاثة الملهوف من قريب وبعيد. (وأن)(4) يكونا(5) لداعي التظلّم أسرع مجيب. وأن يكفّا يد من حولهما عن قطع المصانعات، والإرجاف في المدينتين بما يذهل المرضعات. ويؤكّد عليهما أن لا يناما هما ومن هو مضاف إليهما من ظواهر المدينتين، / 95 أ / كالقرافتين والسواحل والبرك عمّن يقصدها من المتحرّمة، ويجوس خلالها في الليالي المقمرة فكيف المظلمة. وليكن لهما في كلّ ناحية نائب يسرع إليهما من نائبة تنوب، وليحترز في احتراز من عنهما ينوب. ولا يخلاّ بالركوب في الليل ومراعاة جانب الرعيّة، بحيث تكون أحوالهم بالتطواف عليهم مرعيّة. ويحذّر من الإهمال، ويؤكّد عليهما في تعفية رسوم المنكرات، وتأديب بنات الخطا وأهون بهم من بنات. وأن تغلق قاعات العلاج، وتحسم مادّة ما يتمّ بها ممّا يقتضيه القوّة من الهياج. وبالحسينية قاعات تسمّى «قاعات الفتوّة» يأوي إليها القطيعون من أبنائها ومن يظنّ من نفسه القوّة. فيتقدّم أمره بالمبادرة إلى غلقها، وسدّ مستوعر طرقها، واستنزال بدورها من أفقها. ومن ظفر به منهم فليمثّل به غاية التمثيل، وليشعف به مالهم من قبيل.
(1) الجان دارية: لفظ تركي فارسي مركّب، جان: تركي بمعنى روح. ودار: فارسي بمعنى: مالك أو صاحب. وأمير جان دار - جاندار - جندار لقب موظّف من العصرين الأيوبي والمملوكي، من مرتبة أمراء الطبلخاناة، مهمّته تنظيم دخول الأمراء على السلطان وتقديم البريد له مع الدوادار. (المجموع اللفيف. د. إبراهيم السامّرائي - دار عمّار، عمان 1987 - ص 99).

(2) الكنانية: طائفة عسكرية كانت بمصر قوامها الأمراء وأصحاب الإقطاعات من قبيلة كنانة الذين كانوا قد هاجروا من جنوب فلسطين بعد سقوط عسقلان سنة 548 هـ / 1153 م. وسمح الوزير طلائع بن رزّيك باستيطانهم في دمياط وما جاورها. (معجم الألقاب 371 - 372).

(3) في الأصل: «البرتدادية» بدال ثانية، وهو غلط، والصواب ما أثبتناه. ويقال: برددارية من: برد دار، وهو الجان دار نفسه، أو الموظّف الذي يعمل تحت إمرته. (معجم الألقاب 73).

(4) كتبت فوق السطر.

(5) الضمير يعود إلى كلّ من والي مصر ووالي القاهرة.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٣١)
والمنجّمون فلا يمكّن أحد منهم من الجلوس، وليؤخذ عريشهم وسرماطيهم ومقرقلهم / 95 ب / ومكشّبهم(1) بالردع الذي تطيب به النفوس، وينادى في البلدين وظواهرهما بأمر الولد - أيّده الله تعالى - أن لا يعتمد أحد ذلك، ولا يسلك شيئا من هذه المسالك. وليهذّبهم بالصّلب والضرب وما أشبه ذلك.

 

‌فصل [بانتصاب القضاة للأحكام]

تتقدّم إلى قضاة قضاة المسلمين بالانتصاب للأحكام، والتبتّل للنقض والإبرام. وأن لا يتّخذوا حجّابا ولا بوّابين يمنعون الطارق، وأن يجلسوا بأواوين المدارس طرفي كلّ نهار حتى أيّام الجمع لفصل القضايا الشرعيّة بالعزم الصادق. وأن يلازموا دار العدل، ولا يتأخّر أحد منهم عنها إلاّ لعذر شرعيّ يمنع منها. وأن يتركوا ما بينهم من التنافس، وأن يكونوا يدا واحدة كما يقتضيه حسن التجالس.

 

‌فصل [بالتشديد على الولاة بالعدل والإحسان]

لا تزال كتب الولد متردّدة إلى الأعمال شرقيّها وغربيّها / 96 أ / وقبليّها وبحريّها بالتشديد على الولاة في العدل والإحسان، واعتماد ما يقتضي للبلاد بالعمران، وللرعيّة بحسن الاستيطان، والرفق بالفلاّحين، وتفقّد أحوالهم في كلّ حين. وأن لا يمكّن منهم عسوف ظالم، ليتظافروا(2) على عمارة البلاد إذ هم لهم كالمعالم لا بل المعالم. وتفقّد الجسور والتراع، والعدل في زيّ البلاد، بحيث تنحسم مادّة النزاع والاجتهاد في تحصيل الأموال الدّيوانية عند استحقاقها من غير حيف، وحملها إلى بيت المال المعمور الشتويّة في الشتاء والصّيفيّة في الصّيف. ووكلاء المقطعين من الأمراء والجند تقوّى يدهم على تخليص الحقوق، وأن لا يهمل جانب العناية بهم فإنّ ذلك ممّا لموكّليهم عن القيام بالخدمة يعوق.

 

‌فصل [بالمبادرة للإطلاع على البريد]

متى وصل البريد من جهتنا إلى الولد يبادر إلى الإطّلاع على مضمونه والإحاطة على مكنونه. والتفهّم لمعانيه، والوقوف عند أوامره / 96 ب / ونواهيه،
(1) هكذا قيّدها بالأصل، ولعلّ الصواب: «ومكسبهم»، ولم أقف على معاني الألفاظ التي قبلها، والمرجّح لديّ أنها أدوات التنجيم.

(2) كذا. والصواب: «ليتضافروا».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٣٢)
والمجاوبة عنه في وقته وساعته، وتجهيز برد النوبة به إلى دهليزنا الشريف بنهاية الاحتفال وغايته. بحيث لا يحصل الخلل في الجواب بإهمال فصل، ولا إغفال فرع ولا أصل.

 

‌فصل [باستعداد العسكر]

العسكر المقيم عنده من الأمراء والجند واستداريّة من هو صحبة ركابنا ومن عنده، وممّن لعلّه متأخّر من مماليكهم ومماليكه ومماليكنا، تتقدّم إليهم بأن يكونوا على أهبة واستعداد مزاحين(1) من كلّ ما يلزم الأمراء والأجناد، ومن بالبلاد من العرب وولاة الإقطاعات ونوّاب الأمراء، بحيث إن دعت الحاجة - والعياذ بالله - إلى طلبهم أسرعوا في الحضور، وبادروا إلى ما دعوا إليه من غير فتور.

فصل يتقدّم في كلّ وقت إلى مباشري الوزارة والمستوفين والنّظّار / 97 أ / بتحصيل الأموال، والاستكثار من الغلال، من غير إجحاف ولا طلب ما لا يستحقّه بيت المال، فالظلّم إن لم يتدارك بالتلافي كان مضنّة التلاف.

 

‌فصل [بتحصيل المباشرين للأموال]

الولد، أعزّه الله تعالى، لا يكثر من الركوب، وليحترز - صانه الله - ممّا لذوي القدر من الوثوب، ولا يقرّب منه إلاّ من هو واثق بولائه، ولا يعلي إلى رتبة التقرّب منه إلاّ من هو حقيق باستعلائه. وليكن موكبه محفوفا بالسّكينة والوقار، مشحونا ممّا ألفناه منه من القوّة والاستظهار. ولا يزيد على ركوب العادة، ولا يوغل في التسيير بسلوك غير الجادة. وإذا رفعت إليه قصص في ركوبه فليأخذ بيد رافعها بالعدل والإنصاف، وليكشف ظلامته بنفسه، ولا يكله على ذوي التسويف، وهو أمر عن علمه غير خاف.

 

‌فصل [العناية بخيل البريد]

خيل البريد هي المقرّبة ما بين المسافتين، والطّاوية لما طال / 97 ب / من الشّقّتين. والمحضرة غائب أخباره، والمبينة عن كنه أسرار الملك وأسراره.
(1) كذا، والصواب: «مزيحين».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٣٣)
فليتقدّم أمره العالي بأن لا(1) يخل المراكز منها ولا طرفة عين، وأن تكون من الخيول المقصر سيرها بطول خطوته خطى البين.

 

‌فصل [العناية بثغري الإسكندرية ودمياط]

الثغران: ثغر الإسكندرية وثغر دمياط هما المعتبران(2) إن اعتني بأمرهما من طارق يطرقهما إلا بخير، الباسمان إن روعيت مصلحتهما في دفع كلّ ضرر وضير. والمخشيّ عليهما منه إنّما هو الفرنج وكرساليّتهم المتلصّصة، وحراميّتهم المفترسة المفترصة.

فليكن الولد - خلّد الله سلطانه - منهما رائيا(3) ومسمع، وليوكّد على ولايتهما فيما أكّدنا عليهما فيه من المراقبة بالقعود لهما في كلّ مرقب حتى لا يكون ولا لرياحهم إن هبّت مطمع. وأنه متى لاحت لهم بارقة، أو طرقهم - والعياذ بالله - طارقة، بطّقوا في الساعة الراهنة. والحذر كلّ الحذر أن يكون لما يظهر من سفن كامنه. وليحترز عليهم حتى من سرقة الماء، / 98 أ / والتّحيّل على أسار من لعلّه يغرّر معرضا على التعوّذ بما لله تعالى من أسماء. وعلى هذين الثغرين وظيفة موظّفة، ولوازم كلّ منهما بها مكلّفة، من أموال وأقمشة برسم الخزانة الشريفة، فلا يهمل الولد أمرها في أوانها، وبروز مراسمه بطلبها في أحيانها. من غير إزعاج الرعيّة، ولا مصادرة بطلب ما لا يجب وحسبنا ما فيه من المعيّة.

وليتقدّم أمره العالي إلى واليي هذين الحصنين بكفّ الكفّ، ومجانبة ما ثقل وإتيان ما خفّ. ومعاملة التجّار الواردين من المعدلة بما يشيع خبره، ويحمد أثره. وتتلى على روس(4) الأشهاد سوره، فالعدل أجلب للبركات، وأجلب لثدي المرضعات، وبه عمارة البلاد، وتثمير الأموال التي هي مادّة الأجناد، واستجلاب أدعية العبادة، بالنصرة على أهل العناد.

 

‌فصل [بدار الطراز]

دار الطّراز هي مادّة الرياش، ومؤثرة ما يقضي حسن مرآه / 98 ب /
(1) كذا، والصواب: «ألاّ».

(2) في الأصل: «المفتران».

(3) رسمت الكلمة في الأصل: «نرا»، وما أثبتّه قد لا يكون صوابا، ولكنه يتّفق مع السياق.

(4) كذا. والصواب: «رؤوس».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٣٤)
بالانتعاش، وهي المفاضة خلعة المحلّى للأعطاف موشعها، المجملة الخزائن تعابيها(1)، المضيّقة صدورها بما يشرح الصدور من مشرفها وكابيها. ولها مال يحمل من جهات معيّنة، وحواصل هي في جرائد الاستقرار مبيّنة، ومتى أخلّ بها أخلّت الخزائن من تحفها النفيسة، وقبضت الأيدي عن إفاضة ملابسها التي بها بذار زهرة ربيعها مغروسة.

فليتقدّم الولد - عزّ سلطانه - في كلّ وقت بتفقّد أحوالها، والمواصلة بالأموال التي هي أحوى لها. والرفق بها إلى أن تضع حملها، وتؤدّي فرضها(2) ونفلها، وتواصل من حللها بما هو المعلم، وتسطّر بأقلام أخلتها، من ألقابنا الشريفة كلّ محكم.

 

‌فصل [بخزائن السلاح]

وخزائن السلاح هي الناب والظّفر لمن لا ظفر له ولا ناب. وكم استنابها فأغنت فيما دهم وناب.

فليكن الولد ملاحظا لمجدّداتها، غير واقف عند حدّ في الاستكثار من (مرهفاتها)(3)، بحيث / 99 أ / خزائنها شاكية السّلاح، دامية الجراح، دارية الاقتداح. وإنّما ملاكها توفير الأموال، ومجانبة الإقلال، ولها حمل في كلّ وقت فلتطلب عند حلوله، ليحث مباشروها على معقوله ومنقوله.

 

‌فصل [بدار الضرب]

دار الضّرب هي أحد ما للملك من علوّ الرّتبة، وتسامي الهضبة، وهل شكّ في أنه عبارة عن السّكة والخطبة.

فليتقدّم أمره العالي بأن لا يعطّل قلم درهمها ودينارها، ولا يغب فيها باسمنا الشريف الذي هو مادّة أنوارها، وعنوان إيسارها، وأن تتجنّب فيها إتيان الزائف، وأن يكون دينارها موصوفا (بعدل أيّامه)(4) بأنّه الحايف.

 

‌فصل [بالحذر من التجّار]

إذا ورد عليه تاجر من تجّار المماليك فليحذّر التّجار من بيع ما يصلح
(1) في الأصل: «تعايها».

(2) في الأصل: «فرضلها».

(3) ما بين القوسين كتب فوق السطر.

(4) عن الهامش.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٣٥)
للخاصّ الشريف لأحد من الأمراء كائنا من كان، وليبذل في / 99 ب / التحذير من ذلك غاية الجهد والإمكان. وإذا صلح منهم شيء من الجنس الجيّد فليتقدّم بالمعاقدة عليه وإنضاض ثمن من غير مطل فإنّ ذلك أجلب للتجّار، وأدعى ببلوغ الأوطار. وليكتب للتاجر توقيع بالمسامحة ممّا يتبضّع به من ثمن بيعه لسفرة واحدة، ويشرف من الخزانة بما جرت به عادة أمثاله ليكون ذلك أدعى لرجوعه، وإذا ورد عليه تاجر بمرسومنا بثمن ما اشتريناه منه هنالك، فليسلك معه في الوفا أحسن المسالك. ولا يؤخّر عنه حقّه ساعة واحدة، بل يوصل إليه مهيّنا ميسّرا فما خابت ذمّة ناقده.

وثمّ أمور غير ما ذكرناه، وفصول غير ما أردناه، يتفرّع عنها، ويتولّد منها. وكم أنتج القليل من كثير، واليسير من جمّ غفير.

وإذا أنعم الولد النظر فيما نصصناه، وتدبّرنا ما أصّلناه، نشأ له عن ذلك أحوال فأحوال، وتفصيل وإجمال. ونحن واثقون منه بأنه سيكون عنده ما توسّمناه، وأنه غنيّ عن ما رسّمناه حين رسمناه. / 100 أ / وإنّما الله سبحانه وتعالى، يقول، وهو أصدق القائلين: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}(1).

 

‌ذكر ما آل إليه أمر الملك خضر بن الملك الظاهر

وصورة نزوله من الكرك

كان مولانا السلطان - خلّد الله ملكه - قد استقرّ بالملك خضر ابن الملك الظاهر، وأخيه سلامش بالكرك، بعد موت أخيهما الملك السعيد، وأمكنهما من ذخائرها وخزائنها، حفظا لعهد أبيهما وأخيهما، فلم يقف الملك خضر عند حدّه، ولا أحسن المجاورة يتعدّى من لم يغن عنه غنا(2) من جنده. ووالوا أسباب التعدّي حتى يقطع الطريق، ومدّ اليد إلى أموال الفريق فالفريق(3) فالفريق. ومولانا السلطان يكتب إليه، ويهوّل ولا يهوّن عليه، ويشير عليه إشارة(4) الوالد للولد، ويأمره بكفّ كلّ يد، والحال لا ينتهي، والتصميم كلّما أنهي عاد إلى ما عنه نهي.

/ 100 ب / فجرّد مولانا السلطان من أخذ عليه الأنفاس، وأذاقه بقطع المادّة
(1) سورة الذاريات، الآية 55.

(2) الصواب: «غنّى».

(3) كتبت فوقها إشارة «ح».

(4) في الأصل: «قا».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٣٦)
عنه وإن كثر حاصله من الذّهب مرارة الإفلاس. فاقتضت له هذه الشدّة قصر المدّة، بتطاول منع هذه المادّة، أن (سيّر)(1) مستجيرا (بحنوّ)(2) مولانا السلطان، باذلا في التنصّل غاية الإمكان.

وتكرّرت رسله سائلا الصّلح وإن لم يبق له موضعا، مستعطفا خاطر مولانا السلطان متضرّعا.

فرجع مولانا السلطان إلى طبعه الشريف، وخلقه اللطيف، ووافق على الصّفح والإغضاء، وما أحقّ أوامره بالإمضاء. وحلف على ما اقترحوه، وأعرض جانبا عمّا اجترحوه. ووادعه وأنامه بالرضى منه في الأمن والدّعه، وتحرّرت هذه الموادعة، بخطّي ومولانا السلطان خلّد الله ملكه بدمشق المحروسة، ومضمونها:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ «أقرّ مولانا السلطان، الملك، المنصور، السيّد، الأجلّ، العالم، العادل، المؤيّد، المظفّر، سيف الدنيا والدين، أبو الفتح قلاون / 101 أ / الصّالحي - خلّد الله ملكه - المقرّ العالي المسعوديّ خضر ولد السلطان السعيد الشهيد الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصّالحي، رحمه الله تعالى (على ما كان بيد أخيه الملك السعيد ناصر الدين بركة، رحمه الله تعالى)(3) من الكرك، وما هو متعلّق بها ومضاف إليها، إقرارا منه به في سربها، وأعذب له موارد شربها، وأمكنه من صهوتها، ووطنه عالي ذروتها وصرّفه فيها، وخصّه من الدّعة بوافيها، حفظا لعهد أبيه، ومراعاة لنسابة أخيه. على أنه يلزم أدبه وما أولاه بلزومه، ويقف عند حدّ بنوّته التي بلغته من حنوّ الأبوّة غاية مرومه. وعلى أنه لا يتعدّى (حدّه)(4)، ولا يسمح ولا يسامح من فيه ممّن حوله حدّه. وعلى أنّه متى عنّ للإسلام ما يقتضي إنفاذ من عنده من الجند، بادر إلى إنفاذه، وأمره بالملازمة إلى حين فراغ الشغل من العدوّ باستنقاذه. وعلى أنه متى حضر أحد إليه مقفّزا(5) من مماليكنا أو عسكرنا أو مماليك أمراء دولتنا أعاده بشفاعة منه إن كان ذنبه ممّا يشفع (في)(6)
(1) كتبت فوق السطر.

(2) كتبت فوق السطر.

(3) ما بين القوسين عن الهامش، وكتب بجانبها «صح».

(4) كتبت فوق السطر.

(5) مقفّزا: تعبير يراد به الهارب أو الآبق.

(6) كتبت فوق السطر.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٣٧)
مثله، ومتى وصل إلينا أحد من جهته (أعدناه إليه)(1) على هذا الحكم».

واستقرّ الحال على ذلك.

واتّفق أمر عجيب / 101 ب / بعد هذا الاستقرار في أمر الإمير علاء الدين الحرّاني نائبه.

 

‌ذكر ما اتّفق في أمر المذكور.

كان هذا علاء الدّين ينوب عن الملك خضر، وكان شرة إلبا على مجاوري الكرك والمارّين ما بينها وبين غزّة، والمقوّى بجأشه وجيشه، والموافق على قلقه وطيشه.

وكان أمرنا مولانا السلطان فكتبنا إليه عدّة ملطّفات عن مولانا السلطان حاوية من الملاطفة ما لا عنه مزيد، مستجلبة له بالوعود التي هي بما يريد وفوق ما يريد. وما من ملطّف إلاّ ويعطف على ملطّف أمان، وملطّف منشور بإمرة الماية، وهو لا يزاد إلاّ غلظة، ولا يقف عند وعظ وتخويف وترهيب وتهديد ولا يسمع وعظه، وكلّما سيّر له قاصدا(2) أحضره بملطّفاته وفاء منه بزعمه.

فلمّا كان بعد استقرار هذه الموادعة، ولزوم حنوّ هذه المطاوعة، وحضور مولانا السلطان إلى ديار مصر، وردت بطاقة من الشوبك تتضمّن أنه / 102 أ / لمّا كان بتاريخ كذا وكذا وصل الأمير علاء الدين الحرّاني مقفّزا قاصدا الأبواب العالية، ومعه مملوك واحد، والفقيه زكيّ الدين صاحب(3) ديوان المكاتبات: بطّق(4) إلى نائب الشوبك وحذّره من أن تكون هذه حيلة على أخذ قلعة الشوبك بدخوله إليها، وأكّد عليه أن لا يمكّنه من الدخول إليها، ويعجّل بتجهيزه. فللوقت سرّح الطائر بهذا الرأي السعيد، وهذه الفكرة التي ما على صحّتها مزيد. فلم يك بأسرع من أن بطّق بوصول المذكور إلى غزّة، فزال التّوهّم، وحضر المذكور. فأقبل مولانا السلطان عليه وشرّفه وأمّره، وجعله من جملة سلاح داريّته.

فلم يكن بأسرع من أن ورد كتاب الملك خضر بطلبه بمقتضى شرح الموادعة
(1) عن الهامش.

(2) في الأصل: «قاصد».

(3) في الأصل: «قال الصاحب»، والصواب ما أثبتناه.

(4) بطّق: أي اكتب بطاقة ممّا يحمله طائر الحمام الزاجل.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٣٨)
المشروحة. فحين قرئ عليه، لم يلتفت إليه. وقال لصاحب ديوان مكاتباته المذكور: اكتب واعتذر إليه كما تعرف، واقطع حجّته بخبرتك. / 102 ب / فقال له: يا خوند ماذا أقول؟ ومتى لم يسيّر المذكور انتقض(1) الشرط. فقال مولانا السلطان: ما أعرف، وهذا ما أسيّره، ومتى حصل عن المذكور خروج عن الشرط كنت أنت السبب. فخرج وهو حاير في فكره، لا يعرف له مخرجا من أمره.

وحكى لي ولوالده الصورة وما قاله مولانا السلطان. ورأيت عنده تألّما. فعاودت قراءة كتاب الملك خضر الوارد بطلب المذكور. فإذا حجّة مولانا السلطان به قائمة، وأعذاره في عدم تسييره لازمة، لا بل حازمة، لا بل جازمة. والصورة التي ظفرت بها من كتابه هي:

«إنّ الأمير علاء الدين أيدغدي الحرّاني طلب من المملوك دستورا(2) ليخرج إلى بعض أغراضه، فخرج وقصد أبواب مولانا السلطان، والمملوك يسأل إنفاذه بمقتضى شرط كتابه».

هذه صورة كتابه.

وللوقت كتبت جوابه بما مثاله:

«إنّا أحضرنا الأمير علاء الدّين الحرّاني، وسألناه عن الغرض / 103 أ / الذي طلب منه الدستور بسببه. فقال: الغرض الذي طلبت لأجله الدّستور هو الحضور إلى أبواب مولانا السلطان».

ونقلت نسخة كتابه بنصّه وسيّر إليه. فحين وقف عليه أسقط في يديه، وسكت عنه، ووجد له بدّا منه.

وحقيقة الأمر أنّ طلبه الدّستور كان (في الظاهر)(3) بسبب مطلب كان أنهي للملك خضر أنه خارج الكرك وطال العمل فيه، والغرامة عليه. وشمّ علاء الدين
(1) في الأصل: «اتنقظ».

(2) دستور: كلمة فارسية معناها: قانون. دخلت العربية عن طريق الأتراك، كان يقصد بها في البداية: الكهنة من أتباع الديانة الزرادشتية. تطوّر مدلولها فيما بعد، ليصبح من معانيها: القاعدة الأساسية التي يقوم عليها الحكم في البلاد. ومن هذه القاعدة انبثقت القوانين والتشريعات. (القاموس الإسلامي 2/ 370) والمراد بالدستور هنا الإذن أو تصريح المرور والانتقال من مكان إلى آخر بموجب كتاب رسميّ موقّع من الأمير.

(3) كتبها المؤلّف ثم وضع فوقها إشارة. وكأنه أراد حفظهما.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٣٩)
ممّن حول الملك خضر تغيّر نفس. فجعل طلب الدستور لأن يخرج ويستنهض عمّال هذا المطلب وسيلة إلى الحضور والخلاص. وما أمكن الملك خضر أن يذكر ذلك، بل وقف عند قوله لغرض.

هذه صورة أمره.

ولم يزل مولانا السلطان وافيا لهم بشرطه، واقفا عند قبض الكفّ الكفّ عنه (إلى أن قضى عدوانهم)(1) ببسطه، وأمتدّت أطماعهم، وتجاسرت أتباعهم، ونقضوا عهودهم، واستحقّوا موعودهم.

وبلغ مولانا السلطان سوء حالهم، ونفاذ مالهم، وسوء مآلهم، وأنّهم أصبحوا على الأرض / 103 ب / إلاّ أنها السودا، ووقعوا من الفاقة (على)(2) ما دونه (معضل)(3) الأدوا.

جرّد(4) مولانا السلطان نائبه المقرّ الحسامي طرنطاي(5) في شرذمة إلى الكرك بكتاب منه، مضمونه: أنه قد بلغنا ما أنتم فيه من ضائقة وضرورة هي على كلّ فاقة فائقة، وأنه لم يبق عندكم درهم ولا دينار، وأنّ حالكم قد آلت إلى ما لا يطاق معه القرار. وقد سيّرنا نائبنا، فتحضر أنت وأخوك ومن حولك معه، فقد جعلنا لكم من ضيق ما أنتم فيه من صدرنا ونعمتنا أعظم سعه، ولكم الأمان والوفاء بالأيمان على ما يقتضيه صدق الإيمان.

فحين وصل الأمير حسام الدين إلى الكرك سلّموها، ونزلوا إليه، فحين حضروا ركب مولانا السلطان لتلقّيهم، وعاملهم من التعظيم والتبجيل بما يجب لرعاية حقّ أبيهم. وأنزلهم بقلعة الجبل، وعاملهم بما الله عليه طبعه الجميل جبل(6).
(1) عن الهامش.

(2) كتبت فوق السطر.

(3) عن الهامش.

(4) هكذا في الأصل، والصواب أن يقول: «فجرّد».

(5) هو الأمير حسام الدين طرنطاي المنصوري، كان من جملة مماليك الأمير سيف الدين قلاوون قبل سلطنته. وبعد سلطنته ولاّه النيابة عنه بمصر. وعندما تسلطن الأشرف خليل بن قلاوون أواخر سنة 689 هـ. قبض عليه وكان آخر العهد به. (تالي وفيات الأعيان 94).

(6) في الأصل: «حبل» بالحاء المهملة.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٤٠)
هذه صورة أمرهم (‌‌1).

 

/ 104 أ / ذكر أمور الفرنج بالمرقب وطرابلس ومهادنتها

أمّا المرقب(2) فهو للاسبتار(3)، وحكمها راجع إلى مقدّمهم بعكا وهو افرير(4) كليام (جوان دمونفرت)(5).

وكان الملك الظاهر - رحمه الله تعالى - قد هادنهم لمدّة عشر سنين(6)، ومات، وقد انقضت. وبقيت من سنة ستّ وسبعين وإلى سنة ثمانين غير مهادنة، وحصل منهم الطمع في البلاد والتّمادي على الفساد.

وكان نائب السلطنة عن مولانا السلطان بحصن الأكراد مملوكه الأمير الإسفهسلاّر سيف الدين بلبان الطبّاخي(7)، فاقتضى له عدوانهم أن ركب هو ومن
(1) أنظر عن الخضر بن الظاهر بيبرس وأخيه سلامش، وأخذ الكرك منهما في سنة 685 هـ. في: تشريف الأيام والعصور 32، 33 و 123، 124، وزبدة الفكرة 9 / ورقة 175، والتحفة الملوكية 115، ونهاية الأرب 31/ 28، 29، والمختصر في أخبار البشر 4/ 22، والدرّة الزكية 277، ودول الإسلام 2/ 186، والعبر 5/ 351، وتاريخ ابن الوردي 2/ 233، ومرآة الجنان 4/ 201، وتذكرة النبيه 1/ 102، والبداية والنهاية 13/ 307، وعيون التواريخ 21/ 373، 374، وتاريخ ابن خلدون 5/ 399، والسلوك ج 1 ق 3/ 730، 731، وعقد الجمان (2) 348 - 350، والنجوم الزاهرة 7/ 319، وتاريخ ابن سباط 1/ 488، وشذرات الذهب 5/ 390، وتاريخ الأزمنة 263.

(2) المرقب؛ بالفتح ثم السكون، والقاف، وباء موحّدة. بلد وقلعة حصينة تشرف على ساحل بحر الشام وعلى مدينة بلنياس، بساحل جبلة. وهو حصن يحدّث كلّ من رآه أنه لم ير مثله. (معجم البلدان 5/ 108).

(3) الإسبتار Hospitallers أطلق المؤرّخون المسلمون هذا الاسم على جمعية فرسان الهسبتاليّين التي يرجع تأسيسها إلى سنة 1099 م. على يد «بليسد جيرارد Blessed Gerard بعد استيلاء الصليبيّين على بيت المقدس، وكانت دارها Hospice به قبل ذلك بزمن طويل مأوى الحجّاج المرضى من المسيحيّين. (السلوك ج 1 ق 1/ 68 حاشية 4).

(4) افرير: تعريب للفظ الفرنسي» Frere «بمعنى الأخ.

(5) عن الهامش. والمقصود بالاسم. Guillaume Juan de Monfeurt :

(6) انعقدت الهدنة في سنة 665 هـ. (1267 م). أنظر عنها في: الروض الزاهر 266 و 283، ونهاية الأرب 20/ 297، 298، والسلوك ج 1 ق 2/ 560، وعقد الجمان (2) ص 9، والتحفة الملوكية 60، ونصّ الهدنة في: صبح الأعشى 14/ 13.

(7) توفي سنة 700 هـ. أنظر عنه في: تالي وفيات الأعيان 56 رقم 85، والعبر 5/ 410، وتذكرة النبيه 1/ 234، ودرّة الأسلاك 1 / ورقة 153، والوافي بالوفيات 10/ 282، والمنهل الصافي 3/ 422، والنجوم الزاهرة 8/ 194، والسلوك ج 1 ق 3/ 764، وتاريخ بن الفرات 8/ 111، وشذرات الذهب 5/ 457، تاريخ طرابلس السياسي والحضاري - تأليفنا - ج 2/ 33.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٤١)
عنده من البحرّية، وقصدها بجهل، فخرج إليه الفرنج، وأكمنوا لهم، وأخذوا جماعة من البحرية الصالحية في الأسر، وسلم هو وبعض من كانوا معه(1). فلّما بلغ مولانا السلطان سوء هذا الاعتماد من نائبه، أمر، فكتبت بصيغة ما تلفّظ به. وهو:

/ 104 ب / «يا متخلّف، متى سمعت أنّ أحدا طلب في ميمنة وميسرة، وحمل على قلعة حجر»، وأنكر عليه غاية الإنكار. وبقيت في نفس مولانا السلطان وهو مشغول بمعالجة ما هو أهمّ منها، منهمك (- غير غافل -)(2) على مداواة الأخطر عنها.

 

‌[مهادنة عكا]

ولما رحل مولانا السلطان عن الرّوحاء ونزل بعيون الأساور في نوبة كوندك(3)، على ما تقدّم شرحه، وحضرت رسل الفرنج من عكّا لاستدراك الفارط، وملاقاة فعلهم السّاقط، كان من جملتهم رسول الإخوة الاسبتار، المسمّى سير(4) كليام حضر يسأل المهادنة على المرقب، فوافق مولانا السلطان، ورسم بمهادنتهم، فكتبتها بالمنزلة المذكورة(5). والنّيّة الشريفة خلافها. وقيّدت بشروط متى أخلّ بشرط منها كان فيه تلافها.

وما وسع في ذلك الوقت وخاطر مولانا السلطان مشغول بحديث كوندك وعصبته، وفكره منصبّ إلى اتساع الحيلة في قضيّته.

وقضى مولانا السلطان في تلك السّفرة، وانتهز فرصة تلك النصرة، وعاد إلى مقرّ ملكه / 105 أ / وهو مترقّب أمر المرقب، وما يعتمد ممّن به من أمور تقضي بفسخ الهدنة وهو إلى ذلك منصبّ، فاتّفق أن زلّت بهم القدم، واعتمدوا ما أوجب منهم خفض الذّمم.

 

‌[فتح حصن المرقب]

ولمّا كان في سنة أربع وثمانين قصدها مولانا السلطان فأقصدها، ووافاها،
(1) أنظر عن كمين الفرنج بالمرقب في حوادث سنة 679 هـ. في: تشريف الأيام والعصور 80، والتحفة الملوكية 95، 96، والدرّة الزكية 239، ونهاية الأرب 31/ 69، 70.

(2) عن الهامش.

(3) أنظر ما تقدّم.

(4) سير: لفظ إنكليزي (Sir) بمعنى: سيّد.

(5) تشريف الأيام والعصور 34 - 41 (حوادث سنة 682 هـ).
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٤٢)
فنجز لها من وعد الهلاك ما به توعّدها. وأخذ منهم الثأر، ورماهم بقوارص الدّمار، وأراهم الذّلّ بغزوه إيّاهم في عقر الدار(1).

 

‌[وصف المرقب]

وللصاحب فتح الدّين بن عبد الظاهر فصل من كتاب يصف منعتها، وهو:

«وهذه القلعة لها بالنجم مناط، وبالسّحاب ارتباط، وعلى(2) الدّهر اشتراط، ولبروجها ببروج السماء اختلاء واختلاط، تكاد تسهو(3) إليها السّهى، ولولا المغالاة - وأستغفر الله - لقيل:(4) تكاد تستظلّ بسدرة المنتهى، كأنّما الرياح لجيدها محنقة، (والغيوم لخصرها منطقه)(5). تجاور البحر، وقد(6) كمّل الله بها القلاع العشر(7)، فأمست لنحر الأعداء عيدا، فما هو(8) إلاّ عيد النحر، مصونة السّرح، وكأنّه(9) ما تمنّاه فرعون على هامان من صرح. وقد(10) أحسن الله بها للأمّة المحمّديّة الإدراك، / 105 ب / وجعل الموهبة بها لمساعدة(11) الملائكة حسنة الاشتراك. وما كانت الممالك لتفتخر فإنّ(12) لها حصن أكراد إلاّ فتزاد(13) من هذه حصن أتراك. وقد أمن بأخذها من أهل حصون الدّعوة(14) النازح
(1) تشريف الأيام والعصور 77، 78، زبدة الفكرة 9 / ورقة 155، التحفة الملوكية 113، 114، نهاية الأرب 31/ 39، السلوك ج 1 ق 3/ 727، 728، عقد الجمان (2) 339، تاريخ ابن الفرات 8/ 18، لبنان من السقوط بيد الصليبيّين حتى التحرير - القسم السياسي - (تأليفنا) - ص Gestes des chiprois - PP. 217، 218، 361.

(2) في تشريف الأيام: «ولها على».

(3) في تشريف الأيام: «كم يسهو».

(4) في تشريف الأيام والعصور: «لقلت».

(5) عن الهامش.

(6) «وقد» ليست في تشريف الأيام.

(7) في تشريف الأيام: «وكمّل الله القلاع العشر بها»، والمثبت هو الصحيح لاتفاق السّجع.

(8) في تشريف الأيام: «فما هي».

(9) في تشريف الأيام: «وكأنها».

(10) «وقد» ليست في تشريف الأيام.

(11) في تشريف الأيام: «بمساعدة».

(12) في تشريف الأيام: «لتفخر بأن».

(13) في تشريف الأيام: «وتزاد».

(14) في تشريف الأيام: «من بلاد الدعوة».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٤٣)
والمقيم، وما كان ليكون كهف إلاّ ولها من هذه رقيم(1). كم عاند أهل هذا(2) الكهف بها(3) شيطان رجيم مريد، وكم شاهدوا منه(4) كلبا باسطا ذراعيه بالوصيد. كم سمح إخوة بيت الاسبتار في عمارتها من الذّهب(5) والفضّة. بما يوزن بالقنطار بعد القنطار. وكم كانوا إخوة فما تحاسبوا في الإنفاق عليها حساب التّجّار.

وما سمّي «المرقب»(6) إلاّ لأنّ الأهلّة منه ترقب(7). وما ثقب(8) إلاّ لأنّه جوهرة قد(9) قذفها البحر إلى ذلك الساحل، والجوهرة ما(10) يضمّها السّلك حتى تثقب»(11).

 

‌[وصف المؤلّف للمرقب]

وللمملوك جامع هذه السيرة فصل في معناها، وهو:

«وهي قلعة لا يدرك الطّرف منتهاها على حدّة تحديقه، ولا الطّير أعلاها على توغّل تحليقه. وقد أمن متسنّمها مرامات من رمى، ومداناة / 106 أ / من نمّ نمى(12). وإنّا وهي كالشجرة الطّيّبة وإن خبثت {أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ}(13). تحجب الشمس في توسّطها، وتقبض أنفاس الرياح تبسطها، يرجع الطّرف عنها وهو كليل، ويظلّ المرسل إليها فلا نجد إلى أداء ما حمّله (من)(14) سبيل، قد أمن صمّ جندلها عويل المعاول، ومتدبّر أعلاها ما يسوء من الخصم المقاوم المقاول، لا فرق في منعتها بين من أقام أو رحل، أو منع أو نحل. ثمّ
(1) في تشريف الأيام: «وما كان ليكون لها كهف إلاّ ومن هذه لها رقيم».

(2) في تشريف الأيام: «أهل الكهف».

(3) في تشريف الأيام: «منها».

(4) في تشريف الأيام: «منها».

(5) في تشريف الأيام: «من الفضّة والذهب».

(6) في تشريف الأيام: «ما سمّي بالمرقب».

(7) في تشريف الأيام: «لأنّ الأهلّة ترقى ومنه ترقب».

(8) في تشريف الأيام: «وما نقب بالفتكات السلطانية إلاّ».

(9) «وقد» ليست في تشريف الأيام.

(10) في تشريف الأيام: «لا».

(11) زاد في تشريف الأيام - ص 85 «تجاوز رفعته الأفلاك بأحاديثها، وتجاور الفلك لتأثيثها، وتجاوز الحصر بما أباحته من سلب جماعتها وأخذ مواريثها».

(12) الصواب: «نما».

(13) سورة إبراهيم: الآية 24.

(14) كتبت فوق السطر.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٤٤)
والمشافهة لها (بألسنة السهام)(1) كأنّما يخاطب زحل. أقرب من السماء إلى الأرض، وإلى الطّول من العرض، وإلى النجوم من التخوم، وإلى التخوم من النجوم. قد تناسبت طرفاها في المنعة فهي لا تؤتى من المصاعد ولا من القواعد، ولا ينال الغرض منها من الأقارب ولا من الأباعد. يتلقّى هبوب الرياح حجارة المجانيق المرسلة إليها بصدره، ويحجب عنها سهم المرسل فتكفيه عاقبة مكره، وتكاد أن تناضل عنها رجوم النجوم بحقّ الجوار، وترعى لها الدّخول تحت أذيال السحاب أفقها فعل من أجار. قد اكتنف بها التحصين من كلّ / 106 ب / الجهات، واكتنفها التمتين فلا سبيل إلى ما يؤلم من الملمّات يصادمها الشهم من السهم فيرجع من فوق بلا فوق، والحجر الصّلد فيعود وقد وجد من جلادتها ما يعوق، (من مسامته العيّوق)(2). وقد حمت منعتها عرض عرضها من أن يثلم. وطول طولها على متديّرها بحفظ الإيواء أن تتحكّم في بنائها المحكم. إلاّ أنّا أيّدنا من السماء فأسقطنا بداء المحاصرة الدّفين قوّتها، وألنّا نيوب السهام السّود نبوتها إلى أن جعلناها {حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ}(3). وأسكتن حسّ هبوب الرياح المارّة بمنافسها فلم نبق لها من حسّ. وأخذناها وواخذناها، ونبذناها ونابذناها، وزاولناها فأزلناها، وقابلناها. وعلى سوء الأدب في عدم تقبيل الأرض عند مشاهدتنا فقابلناها. وسيّبنا وسبينا، وسرّينا وسرينا.

وكتابنا هذا وقد أذعن جامحها، وكان سانحها وبارحها. وخرس من الكفرة نابحها، ودنى(4) إلى القبضة نازحها. وأطاع عاصيها، وأخذت - ولله الحمد - من صياصيها. / 107 أ / واستقرّ قرارها، وتوطن نفارها. وصارت - والحمد لله - دار إسلام، ومحلّ تحيّة وسلام. ومقرّ ملك سيستولي - بمشيئة الله تعالى - حتى على مدينة السّلام والسّلام. انقضى أمرها وهي الآن بيد الإسلام، يعلن فيها بعد الناقوس بالأذان».

 

‌ذكر مهادنة طرابلس الشام

كان هذا الحصن أيضا مهادن مع الملك الظاهر(5)، رحمه الله تعالى، وانقضت هدنته، وتصرّمت مدّته، واستحالت مودّته.
(1) عن الهامش.

(2) عن الهامش.

(3) سورة يونس، الآية 24.

(4) الصواب: «ودنا».

(5) كانت مهادنة الظاهر بيبرس لطرابلس في سنة 669 هـ. أنظر: الروض الزاهر 266 و 383، ونهاية -
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٤٥)
فلّما توجّه مولانا السلطان إلى دمشق المحروسة سنة ثمانين وستماية على ما تقدّم حضر رسل طرابلس من جهة صاحبها الإبرنس(1) بيمند ابن بيمند(2).

 

‌[دخول الظاهر بيبرس طرابلس متنكّرا]

واتّفق في تلقيبه بالإبرنس حكاية غريبة، وهي:

أنّ الملك الظاهر كان قد نازلها(3)، وتردّدت الرسل بينه وبين / 107 ب / صاحبها في طلب الصّلح. فلمّا حصل الاتفاق توجّه الأمير فارس الدين أقطاي الأتابك(4)، وصحبته الصّدر محيي الدّين بن عبد الظاهر إلى طرابلس لإبرام الهدنة على ما تقرّر. واقتضى تغرير الملك الظاهر أن يتنكّر، ودخل خلف الأتابك في صورة سلاح دار ليرى الحصن المذكور ويكشفه، ويعلم كيف يؤكل كتفه(5).

فلمّا حضروا مجلس الإبرنس، وتقرّر الحال، وشرع الصّدر محيي الدّين يكتب، فكتب ما مثاله:

«استقرّت الهدنة بين السلطان الملك الظاهر وبين حضرة المقدّم، فلمّا رآها الإبرنس قال: من هو المقدّم.

قال: أنت.

قال: أنا إبرنس.

قال: لا، الإبرنس هو الملك الظاهر، لأن الإبرنس عبارة عن صاحب
= الأرب 30/ 297، 298، والسلوك ج 1 ق 2/ 560، وعقد الجمان (2) ص 77، وذيل مرآة الزمان 2/ 450، وزبدة الفكرة 9 / ورقة 83 ب، والتحفة الملوكية 72، وعيون التواريخ 20/ 402، والنجوم الزاهرة 7/ 152، والدرّة الزكية 157، والبداية والنهاية 13/ 259، لبنان من السقوط بيد الصليبيين حتى التحرير (القسم السياسي) تأليفنا ص 320.

(1) الإبرنس: لفظ فرنسي (Le Prince) معناه: الأمير.

(2) هو «بوهموند السادس» مات سنة 673 هـ / 1275 م. أنظر كتابنا: تاريخ طرابلس 1/ 567.

(3) وكانت منازلة الظاهر لطرابلس في سنة 669 هـ. / 1271 م. أنظر: الروض الزاهر 375، والدرّة الزكية 143 و 151، والتحفة الملوكية 70، ونهاية الأرب 30/ 176 و 326، والسلوك ج 1 ق 2/ 590، لبنان من السقوط بيد الصليبيين 320.

(4) وهو أقطاي المستعرب، توفي سنة 673 هـ. (تالي وفيات الأعيان 10، 11 رقم 16).

(5) حسن المناقب، ورقة 107 ب، 108 أ، سيرة الظاهر بيبرس - لمؤلّف مجهول - نشره عبد الحميد أحمد حنفي - مصر، الطبعة الأولى - ج 3/ 273.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٤٦)
القدس واسكندرونة وأنطاكية، وهؤلاء لمولانا السلطان الملك الظاهر.

فامتعط(1) لهذا الأمر وصعب عليه، وظهر عليه الغضب إلى أن كاد. وعدّها الملك الظاهر ممّا للكتاب من إنكاد، / 108 أ / ولكزه لكزة خفيّه، إلاّ أنّها بالغرض وفيّه.

فالتفت الأتابك وقال: يا محيي الدين صدقت، وهذا الاسم هو لمولانا السلطان، وقد وهبه لهذا كما وهبه حصنه وبلاده ورعيّته. وأنا أضمن هذا الأمر له، فحينئذ كتب له وبيّن الإبرنس.

ولمّا انفصلوا، ووصل الملك الظاهر إلى مقرّ دهليزه حكاها لأمراء دولته، وتضاحكوا منها. وقال له: يا ابن عبد الظاهر: هذا كان وقته، لعن الله الإبرنس».

كذا حكا(2) لي رحمه الله تعالى.

ونعود إلى أمر طرابلس ومهادنتها مع مولانا السلطان.

 

‌[محاججة رسول بوهموند صاحب طرابلس]

ولمّا حضرت رسل الإبرنس بين يدي مولانا السلطان، وحضر الصاحب فتح الدّين وأنا معه، أخذ السلطان يسأل الرسل فيم(3) جاءوا، بالتّركي،

فنهض الوزير غراب، وكان محجاجا داهية متمحّلا، فكان جوابه عن سؤال مولانا السلطان بما صورته: إنّ محبّ دولته والمتوالي في عزّ سلطانه بيمند يسأل عزّ سلطانه في استمرار المودّة التي كانت بينه وبين الملك الظاهر / 108 ب / والنّسج على منوال هدنته.

فكان جواب مولانا السلطان: أين المال الذي جئتم(4) به، وأيّ شيء تعطونني من البلاد؟

فأحسن هذا غراب السّفارة إلى أن ليّن عريكة مولانا السلطان بحسن مداراته، ولطيف عباراته. ولم يزل يذلّ إلى أن أتى بما أطاب به النفس، وأقرّ به العين،
(1) كذا، والصواب: «فامتعض».

(2) كذا، والصواب: «حكى».

(3) في الأصل: «فيما».

(4) في الأصل: «جبتم».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٤٧)
وحقّق بائتلاف القلوب أنّه غراب جمع لا غراب بين. وأجلس، وأخرج هدنة الملك الظاهر المشمولة بخطّه، وأحضرنا نحن نسختها المدّخرة عندنا، وشوهد منها ما يسمح به الملك الظاهر و (ما)(1) فيه شحّ، وقوبل بها حرفا حرفا، وأوجبت موافقتها أن يقال: قوبل فصحّ. إلاّ أنّا لمّا وصلنا إلى مدينة عرقا (2)، وهي من أجلّ بلادهم وأعظمها نفعا قال له الصاحب فتح الدين صاحب الدّيوان: يا وزير، إلاّ أن هذه عرقا(2) لا ينسحب عليها حكم الهدنة.

 

‌ذكر السبب فيها

كان الملك الظاهر قد هادنهم(3) على شرط أن يقوموا بآلاف من الذّهب / 109 أ / وآلاف من الأسرى المسلمين، وتوجّه الأمير سيف الدين بلبان الرومي الدوادار لقبض الذهب وتسليم الأسرى، فأقام عندهم ستّة أشهر وهم يخاتلونه ويراوغونه ويدافعونه انتظارا للغرضيّات، وهي عادتهم - لعنهم الله تعالى. . فتحيّل الأمير سيف الدّين إلى أن حضر إلى الملك الظاهر هاربا، فأوقع الملك الظاهر الحوطة على هذه عرقا من أوّل الهدنة وإلى أن مات(4).

فلمّا قيل للوزير غراب: إنّ هذه عرقا لا تدخل في الهدنة، فهم الصورة، وأخذ في المحاججة عنها، وأنّ التأخير إنّما كان ليحصل المال وتحضر الأسرى من البلاد.

فقال له صاحب الدّيوان: كنتم سيّرتموهم في السنة الثانية أو الثالثة أو الرابعة!

فلمّا لم يجد له مخرجا من أمره ولا موضعا لمكره وافق على أن يؤدّوا المال والأسرى، وقال: نريد مرسومكم بأن نحاسب على ما قبضه الملك الظاهر من هذه عرقا في مدّة عشر سنين، علما منه بأنه يفضل لهم لا عليهم.
(1) كتبت فوق السطر.

(2) ضبطها المؤلّف هكذا بفتح العين المهملة وسكون الراء، ثم قاف وألف ممدودة، وهي عند ياقوت الحموي في (معجم البلدان) بكسر العين وسكون الراء، وآخرها هاء مربوطة. وكانت عرقة تعتبر عاصمة إقليم عكّار وقاعدته. وهي مندثرة الآن. بالقرب من مدينة حلبا شماليّ طرابلس.

(3) في شهر محرّم 674 هـ. / 1276 م. أنظر: الروض الزاهر 447، ونهاية الأرب 30/ 344، وعقد الجمان - المخطوط - ج 20 ق 4 / ورقة 597.

(4) حسن المناقب، ورقة 112 ب.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٤٨)
فانزعج عليه صاحب الديوان / 109 ب / المذكور. واستفهم مولانا السلطان الصورة، فجذب عليه النّمشاه(1) وكاد أن يأخذ رأسه.

فقلت - وكان أكبر أمراء المشور وهو الأمير علاء الدين طيبرس(2) الوزيري يسمعني -: نحن في مجلس تحاكم وتناصف وتشارع، لا مجلس حرج. ولما قاله جواب.

فقال لي: وما جوابه؟

فقلت: إذا رسم مولانا السلطان جاوبته وحاججته. فرسم لي.

فقلت له: يا غراب، إنّما احتاط الملك الظاهر على هذه عرقا نكاية لكم، لا أن يرفق بكم، ويأخذ المال مقسّطا. ثمّ إن العوامل بهذه البلدة والتقاوى(3) والفلاّحين منه لا منكم، وبنوّابه لا بنوّابكم، وأرضها مملوكة له بالسيف، لا بل والكلّ، لأنّ الهدنة قد فسدت بإخلافكم بالشرط، وإنّما هو أبقى عليكم بأخذ البعض، وقابلت(4) فاسده بالصّالح، وإن كان مقابلة الفاسد (بالفاسد)(5) من وجوه النظر. واندفعت عليه اندفاع السّيل فبهت الذي كفر. فوافق، وما نافق.

واستقرّت الهدنة على هذا الشرط(6).

وأمر مولانا السلطان الأ (مير)(7) سيف الدين بلبان الرومي الدوادار أن يتوجّه لتحليف الإبرنس وقبض المال، وأن أتوجّه معه / 110 أ / فتنصّلت لأمرين:

أحدهما: متابعة أمر قريبي صاحب الدّيوان في أن لا أفارقه.

والآخر: الفكرة في العقبى والمآل(8).
(1) النمشاه - النمجاه: سيف لطيف خاص بالملك أو السلطان.

(2) هو الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري الصالحي النجمي، كان من الأمراء الأكابر المشهورين بالخير والشجاعة. لازم صحبة الملك الظاهر قبل أن يملك وبعد أن ملك. له أوقاف للبرّ بمصر والشام. توفي سنة 689 هـ. (تالي وفيات الأعيان 93 رقم 138).

(3) التقاوى: الغلال، من حبوب ومزروعات وبقول وغيرها.

(4) قابلت - واجهت. والمتحدّث هنا هو المؤلّف.

(5) عن الهامش.

(6) في شهر ربيع الأول سنة 680 هـ. تمّوز (يوليو) 1281 م.

(7) كتبت فوق السطر.

(8) حسن المناقب، ورقة 112 ب - 114 ب.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٤٩)
‌[فتح طرابلس الشام]

واتّفقت وفاة هذا بيمند بن بيمند(1) إلى لعنة الله تعالى، وفسد نظامها، وتعدّت أقوامها، وساء مستقرّها ومقامها، وتعدّى ضررها، وتطاير شررها، وكثر غررها، وطمع غررها، فلم يسع مولانا السلطان إلاّ معاجلتها ومفاجأتها(2)، فخرج إليها بعساكره، فما لبث أن ملكها(3)، ولا ونى أن استهلكها(4).

 

‌[التهنئة بفتح طرابلس الشام من إنشاء ابن الأثير]

وفي فتحها ما كتب الصّدر، الفاضل، البليغ، البارع، تاج الدّين أحمد بن سعيد المعروف بابن الأثير، الكاتب الحلبي، وهو الكاتب الذي لا يبارى قلمه،
(1) مات بوهموند السابع في 19 تشرين أول (أكتوبر) 1287 م. (686 هـ).

(2) في الأصل؛ «مفاجتها».

(3) كان فتح طرابلس ظهر يوم الثلاثاء في 4 من شهر ربيع الآخر سنة 688 هـ.26 نيسان (إبريل) 1289 م. وقيل غير ذلك. أنظر عن فتح طرابلس في: تاريخ سلاطين المماليك، لمؤرّخ مجهول - نشره زترستين - طبعة ليدن 1919 - ص 248، وتاريخ الزمان لابن العبري 357 وفيه أن الحرب لفتح طرابلس استمرّت ثلاثة أشهر! وهذا غير صحيح، فحصارها دام 33 يوما، وتمّ فتحها في اليوم الرابع والثلاثين، وتالي وفيات الأعيان للصقاعي 130، ووفيات الأعيان لابن خلّكان 5/ 88، وفتوح النصر، لابن بهادر (مخطوط) 2 / ورقة 163، وزبدة الفكرة 9 / ورقة 272 وفيه خرم، والتحفة الملوكية 120، والمختصر في أخبار البشر 4/ 23، والدرّة الزكية 383، والمختار من تاريخ ابن الجزري 448، ونهاية الأرب 31/ 47، 48، ومسالك الأبصار (مصوّر) ج 8 ق 1 / ورقة 90، 91، ونثر الجمان للفيّومي (مخطوط) ج 2 / ورقة 346 أ، ب، وتاريخ الإسلام للذهبي. (مصوّر) ج 32 / ورقة 84 أ، والعبر 5/ 356، ومرآة الجنان لليافعي 4/ 207، والبداية والنهاية 13/ 313، والسلوك ج 1 ق 3/ 747، وتاريخ ابن الفرات 8/ 80، والإلمام بالإعلام، للنويري السكندري (مخطوط) ج 1 / ورقة 699، وعقد الجمان (2) 382، والنجوم الزاهرة 7/ 321، والمنهل الصافي (المصوّر) ج 3 / ورقة 39، ومشارع الأشواق لابن النحاس 2/ 948، وعيون التواريخ (المصوّر) ج 12 ق 1 / ورقة 2، ومختصر التواريخ، للسلامي (مخطوط) ج 1 / ورقة 359، ودول الإسلام 2/ 188 ودرّة الأسلاك (مصوّر) 2 / ورقة 391، وتاريخ ابن الوردي 2/ 234، وتذكرة النبيه 1/ 122 - 124، وتاريخ ابن خلدون 5/ 401 - 403، ومآثر الإنافة 2/ 122، ودرر التيجان، لابن أيبك (مخطوط) ورقة 225 أ، وقطف الأزهار للبكري (مخطوط) ورقة 33 أ، ومناهل الصفا للسيوطي (مخطوط) ورقة 224 أ، وذخيرة الأعلام للغمري (مخطوط) ورقة 111 أ، وغربال الزمان لابن الأهدل (مخطوط) ورقة 199 ب، وشذرات الذهب 5/ 403، وتاريخ ابن سباط 1/ 491، 492، وبدائع الزهور ج 1 ق 1/ 357، وتاريخ الطائفة المارونية 1/ 119، وتاريخ الأزمنة 264، 265، ومصادر أخرى عربية وأجنبية حشدتها في كتابي: لبنان من السقوط بيد الصليبيين حتى التحرير 336 - 378.

(4) هذه إشارة إلى هدم المدينة بعد فتحها. راجع المصادر المذكورة آنفا.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٥٠)
ولا يضاهى كلمه، ولا يكمل كاتب لإلاقة دواته، ولا لمعارضة أدواته. كتب مهنّيا بفتحها للملك المظفّر شمس الدين صاحب اليمن(1) كتابا، وهو:

«أعزّ الله أنصار المقام العالي، المولوي، السلطاني(2)، المظفّري، الشمسي، ولا زالت أولياه في نصرة الإسلام(3) مشمّرة الذّيل، ملحقة الخيل(4) / 110 ب / بالخيل، مقبلة على الجهاد إقبال السّيل، مايلة إلى جهة النصر كلّ الميل، عاقدة(5) سنابك جيادها سماء(6) نجومها الأسنّة وعجاجها الليل. تنشد الإسلام ضوالة الشوارد(7)، وتخلي من أعدائه المعاقل، وتحلّ منهم المعاقد(8)، إلى أن تبلغ أقاصي المراد، وتملك نواصي العباد، وتفترع صياصي البلاد، ويطيع من [في](9) الأرض عواصي البلاد(10) والوهاد.

(التّهاني)(11) من عادتها(12) أن تستدعي سرور القلوب، وتستخرج من الحمد خبايا(13) الألسنة إذا استخرج سواها خبايا الجيوب. وتسري في النفوس مسرى(14) الأرواح في الأجسام، وتقبل على الآمال(15) إقبال الأنوار على الظلام. لا سيما بتهنية دلّت على إدالة الحقّ (على الباطل)(16) وإعادة الحلى(17) إلى العاطل، وتقاضت الدّيون المنسيّة، وأذكرت الإسلام وقائعه الأمسيّة، وأخذت ثاره
(1) هو الملك يوسف بن عمر بن علي بن رسول. أقام في مملكة اليمن 47 عاما، وتوفي سنة 694 هـ.

(2) في مسالك الأبصار، وغيره، زيادة: «الملكي».

(3) في مسالك الأبصار، وغيره: «في نصر الله».

(4) كّرر المؤلّف «الخيل» ثم أشار فوق الثانية لحذفها.

(5) في المسالك وغيره: «عامدة».

(6) في الأصل: «سمأ»، وفي مسالك الأبصار، وغيره: «شما».

(7) في المسالك، وغيره: «تنشد للإسلام صواكم الشوارد».

(8) هنا نقص، يراجع المسالك وغيره.

(9) إضافة على الأصل من المسالك وغيره.

(10) في المسالك، وغيره: «القلاع».

(11) عن الهامش.

(12) في المسالك، وغيره: «عاداتها».

(13) في المسالك، وغيره: «وتستخرج الحمد من خبايا».

(14) في المسالك، وغيره: «سري».

(15) في المسالك، وغيره: «على الأملاك».

(16) عن الهامش.

(17) في المسالك، وغيره: «وأعادت الجليّ».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٥١)
ممّن أخفر له الذّمم، واستعادت من خدّه صعر أو في أنفه شمم(1)، وإذا كانت بهذا الوصف كانت في المرج أمرع، وإلى القلوب أسرع، ولمرعى القبول(2) أمرع. ترتاح إليها الأسماع والأبصار، وتودّ كلّ جارحة لو كانت فيها من المهاجرين والأنصار. ومن حقّها أن ترفع(3) لها الحجب، وترقل(4) بها المحامل أرقال(5) النجب. لتستدعي من(6) لطف الله بدينه الذي ارتضاه، وتحمده على الإعانة لسيفه(7) الذي جرّده وانتضاه.

وهذه الخدمة تقصّ من أنباء البشرى كلّما يسري ويسرّ، ويمري أخلاف(8) النصر ويمرّ. وتظهر منه عناية الله بهذه الأمّة التي خصّها (منه)(9) بالمقة(10)، وخصّ عدوّها بالمقت. وأنّ حقوقها لا تضاع وإن اغتصبت في وقت.

وهو الهنا بما تسنّى من فتح طرابلس الشام، وانتقالها من بعد الكفر إلى الإسلام(11). وهو فتح طال عهد الأسلام بمثله، وفتح فتّ عضد(12) الشرك وأهله. لم يجل أمره في خلد ولا فكر، ولا ترقّت إليه نعمة عوان (من النوب)(13) ولا بكر. طريدة فكر ساقتها(14) العزائم، وضالّة أمل(15) ما نشدتها الأماني إلاّ عادت عنها وقد جرّت(16) ذيول الهزايم، ومرّت عليها
(1) في المسالك، وغيره: «واستأدّت من في خده صغرا، وفي أنفه شمم» أو في لحظه صور، أو في لومه لحم».

(2) في المسالك، وغيره: «القلوب».

(3) في المسالك، وغيره: «ترتفع».

(4) في المسالك، وغيره: «وترفل».

(5) في المسالك، وغيره: «أرقاب».

(6) في المسالك، وغيره: «وتستدعي المزيد من».

(7) في المسالك، وغيره: «ونحمده. . . بسيفه».

(8) في المسالك، وغيره: «أحلاف» بالحاء المهملة.

(9) كتبت فوق السطر.

(10) «بالمقة» لم ترد في المسالك، وغيره.

(11) في المسالك، وغيره: «وانتقالها بعد الكفر اللآم إلى الإسلام».

(12) في المسالك، وغيره: «فتّ في عضد».

(13) كتبتا فوق السطر.

(14) في المسالك، وغيره: «طريدة دهر شاقتها».

(15) «وضالّة أمل» لم تردا في المسالك، وغيره.

(16) في المسالك، وغيره: «جرّدت».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٥٢)
الأيام والليالي، وعجز عنها من كان(1) في العصور الخوالي.

ولم تزل الملوك تتحاماها، / 111 ب / وإذا أخطرتها(2) الظنون في بال تخشى أن تحلّ حماها. وكنّا لمّا أفضى الله تعالى إلينا بأمر الملك(3)، وأنقذ(4) بنا من الهلك، عاهدناه على أن نغزو أعداءه برّا وبحرا، ونوسع (به)(5) من كفر به قتلا وأسرى(6). ونجعل شعائر(7) الجهاد منصوبة، ونسترجع حقوق الإسلام المغصوبة(8). ونورد المشركين موارد الحرب المفضية بهم إلى الحرب(9)، ونجليهم عن البلاد (كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم(10) بإجلاء(11) طوائف المشركين عن جزيرة العرب.

فلمّا أمكنت الفرصة(12)، وأخذنا في أمرهم بالعزيمة دون الرخصة، جئناهم بمثل السّيل إذا طمى، والسّحاب إذا همى(13)، والبحر وأمواجه، والبرّ وفجاجه، والليل ونجومه(14)، واللّيث وهجومه(15)، فزلزلنا أقدامهم، وأزلنا إقدامهم، وأذقناهم بأسنا مرّة ومرّة، وعرّفناهم أنّ ما كلّ بيضاء شحمه، ولا كلّ سوداء فحمه، ولا كلّ حمراء جمرة(16)، وبرزنا إليهم (بشقائهم)(17) لشقاقهم(18) وسددنا
(1) في المسالك، وغيره: «وعجزت عنها الملوك في».

(2) في المسالك، وغيره: «وإذا خطرتها».

(3) في المسالك، وغيره: «ولمّا أفضى الله إلينا أمر الملك».

(4) في المسالك، وغيره: «وأنجى».

(5) لم ترد في المسالك، وغيره.

(6) في المسالك، وغيره: «وأسرا».

(7) في المسالك، وغيره: «شعار».

(8) في المسالك، وغيره: «للإسلام مغصوبة».

(9) في المسالك، وغيره: «إلى الهرب».

(10) ما بين القوسين لم يرد في المسالك، وغيره.

(11) في المسالك، وغيره: «جلاء».

(12) في المسالك، وغيره: «فلمّا أمكننا الله تعالى منهم بالفرصة».

(13) في المسالك، وغيره: «وأخذناهم بالعزيمة في أمرهم دون الرخصة، بمثل السّيل إذا طما، والسحاب إذا هما».

(14) في المسالك، وغيره: «والليل وهجومه».

(15) في المسالك، وغيره: «والضباب وغيومه».

(16) في المسالك، وغيره: «ولا كلّ حمرة ثمرة».

(17) عن الهامش «بشقاءهم». وفي المسالك، وغيره: «لشقائهم».

(18) في المسالك، وغيره: «وسياقهم».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٥٣)
عليهم آفاق(1) نفاقهم. (وأنهضنا إليهم همّة الهمّ، وجعلنا عليهم ظلّة من غيم الغمّ)(2) وقصدناهم في وقت / 112 أ / تجمّعت(3) فيه أشتات الشّتى(4)، ولبّت فيه ندا الأندى(5). في طرق خفيّة المدارج، أبيّة المعارج(6)، ملتبسة المسالك، ممتنعة على السّالك. صيفها شتى(7)، وصباحها مسا، شايبة المفارق بالثلوج، (منهلّة المدامع من عيون الجبال على خدود المروج)(8)، مزرّرة الجيوب على أكمام الغيوم (التي ما لملابسها)(9) من فروج. ولم تزل أقران الزّحف في غدران الزعف(10) ترميهم بالقوارص، وتأتيهم من الباس بما ترعد منه(11) الفرائص. وقلب لهم ظهر المجنّ، فتطرق أقبيتهم من الحرب بكلّ فنّ. وتقرّب الأسوا(12) من الأسوار. وتمزج لهم الأدواء في الأدوار. وتبعث إليهم السهام برسل المنايا، وتحذّرهم أن يغترّوا بما يسمعونه من حنين المنايا(13)، وتجمع لهم من جفوة الجفاتي، ورزيات(14) الزّيارات، وترميهم(15) من قساوة القسيّ بما يشغلهم عن مداراة نوب النوب المدارات، وتسلك بهم من المضايقة(16) كلّ مسلك. وتجلو عليهم صورة(17) المنازلة فتخرجهم من (مطلب)(18) وتدخلهم في مهلك(19). إلى
(1) في المسالك، وغيره: «إنفاق».

(2) ما بين القوسين لم يذكر في المسالك، وغيره.

(3) في المسالك، وغيره: «جمعت».

(4) في المسالك، وغيره: «الشتاء».

(5) في المسالك، وغيره: «الأنداء».

(6) في المسالك، وغيره: «المعارج».

(7) في المسالك، وغيره: «شتاء».

(8) ما بين القوسين لم يذكر في المسالك، وغيره.

(9) ما بين القوسين لم يذكر في المسالك، وغيره.

(10) في المسالك، وغيره: «ترعد من هوله».

(11) في المسالك، وغيره: «ترعد من هوله».

(12) في المسالك، وغيره: «الأسوار».

(13) في المسالك، وغيره: «من حنو الحنايا».

(14) في المسالك، وغيره: «وزيارات».

(15) في المسالك، وغيره: «وتريهم».

(16) في المسالك، وغيره: «المضايق».

(17) في المسالك، وغيره: «ونجلو عنهم صور».

(18) كتب في الأصل: «مهلك» ثم وضع فوقها إشارة، وكتب فوقها «مطلب».

(19) في المسالك، وغيره: «فنخرجهم من مطلب إلى مهلك».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٥٤)
أن وهى سلكها(1) / 112 ب / ودنى(2) هلكها. ورخص منها ما غلا، وسفل منها ما على(3)، ففتحناها وأبحناها، وخلّيناها، وقد أخليناها مقفرة المغاني، خالية الألفاظ من المعاني، خاوية على عروشها، موحشة من أنيسها(4) أنسة بوحوشها. قد أمست كالّذي {يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ}(5) وأضحت(6) {حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ.}(7)

وأمّا من بقي من العدوّ بالسّاحل فقد تركناهم مسلوبين المزايا، مشغولين بالرزايا(8). أذلّهم عدم النّصير، وأصارهم الخوف شرّ مصير(9)، وتبدّلوا بليل(10) الهمّ الطويل عن يوم اللهو القصير.

وهذه المدينة لها ذكر في البلاد، ومنعة كانت قد ضربت دون العزم بالأساد(11)، فتحت في صدر الإسلام في زمن معاوية بن أبي سفيان، رحمه الله(12)، وتنقّلت في أيدي الملوك(13) وعظمت في زمن بني عمار(14)، وبنوا بها «دار العلم»(15) المشهورة في التواريخ.
(1) في المسالك، وغيره: «ملكها».

(2) في المسالك، وغيره: «ودنا» وهو الصواب.

(3) كذا، والصواب: «ما علا»، كما في المسالك، وغيره.

(4) في المسالك، وغيره: «أنسها».

(5) سورة البقرة: الآية 275.

(6) في المسالك، وغيره: «وأصبحت».

(7) سورة يونس: الآية 24.

(8) في المسالك، وغيره: «مسلوبين المرايا، مشغولين بالروايا».

(9) في المسالك، وغيره: «وأصارهم الخوف حتى يصير».

(10) في المسالك، وغيره: «وتبدّلوا لميل».

(11) في المسالك، وغيره: «دون القصد بالأسداد».

(12) في المسالك، وغيره: «فتحت في صدر الإسلام في زمن الصحابة الكرام في ولاية معاوية بن أبي سفيان»، دون ذكر «رحمه الله».

(13) زاد بعدها في: المسالك، وغيره: «من ذلك الزمان».

(14) بنو عمّار، من قبيلة كتامة المغربية، تولّوا القضاء في طرابلس الشام في أوائل القرن الخامس الهجري، ثم استقلّوا بإمارة المدينة عن الدولة الفاطمية قبيل منتصف القرن الخامس، وامتدّت إمارتهم من جبلة شمالا إلى جبيل جنوبا. أنظر عن بني عمّار في كتابنا: لبنان من السيادة الفاطمية حتى السقوط بيد الصلبيّين - ص 143 وما بعدها.

(15) دار العلم: كانت بطرابلس قبل قيام إمارة طرابلس المستقلّة، وكان بها حسب رواية النويري نحو مليون مخطوط. أحرقها الصليبيّون عند احتلالهم للمدينة. أنظر عنها كتابنا: دار العلم بطرابلس في القرن الخامس الهجري - طبعة دار الإنشاء، طرابلس 1982.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٥٥)
ولمّا كان في آخر الماية الخامسة وظهرت طوائف الفرنج بالشام، واستولوا على البلاد. وامتنعت هذه المدينة عليهم، ثمّ ملكوها في سنة ثلاث وخمس ماية(1). واستمرّت / 113 أ / في أيديهم إلى الآن(2).

وكان الخلفاء والملوك في ذلك الوقت ما منهم إلاّ مشغول بنفسه، مكبّ(3) على مجلس أنسه، يصطبح في لهوه ويغتبق، ويجري في مضمار لعبه ويستبق(4). قد بلغ أمله من الرتبة، ومنع من ملكه كما يقال بالسّكّة والخطبة. يرى السلامة غنيمة، وإذا عنّ له وصف الحرب يوما لم يسأل منها إلاّ عن طرق الهزيمة. أموال تنهب، ونفوس(5) تذهب. وقد تجاوزت حدّ إسرافها، وبلاد تأتيها(6) الأعداء فتنقصها من أطرافها. لا يبالون بما سلبوا، فهم كما قيل فيهم وفي أمثالهم:

إن قاتلوا قتلوا أو طاردوا طردوا

أو حاربوا حربوا أو غالبوا غلبوا

إلى أن أوجد الله من أوجده لنصر(7) دينه، وإذلال الشرك وشياطينه، فأحيا فريضة الجهاد بعد موتها، وردّ ضالّة العزّ(8) بعد فوتها. ورجوا(9) بقدرة الله ولطفه أن تفترع ممالكهم ذروة ذروة، ونأتي / 113 ب / إلى عقد قوانينهم(10) فنحلّها عروة عروة(11). ونخلي ديارهم من ناسهم(12)، وتطهّر الأرض من أدناسهم(13). ونجدّد
(1) المشهور أن طرابلس سقطت يوم الإثنين 11 من ذي الحجّة سنة 502 هـ. / 12 تمّوز (يوليو) 1109 م. (أنظر كتابنا: تاريخ طرابلس السياسي والحضاري - ج 1/ 438 وما بعدها).

(2) في المسالك، وغيره: «ولم تزل المدينة بأيديهم». وهنا اختلاف ونقص.

(3) في المسالك، وغيره: «مرابط».

(4) هنا تقديم وتأخير في المسالك، وغيره.

(5) في المسالك، وغيره: «وممالك».

(6) في المسالك، وغيره: «وبلاد تأرّقها».

(7) في المسالك، وغيره: «من ادّخره لنصرة».

(8) في المسالك، وغيره: «ضالّة العزّ للإسلام».

(9) في المسالك، وغيره: «ونرجو».

(10) في المسالك، وغيره: «عقد قراهم».

(11) في المسالك، وغيره: «فنحلّها عقدة عقدة».

(12) في المسالك، وغيره: «بأسهم».

(13) في المسالك، وغيره: «ونطهّر الأرض من أدرانهم وأرجاسهم».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٥٦)
للأمّة قوّة سلطانها، ونعيد كلمة الإسلام(1) إلى أوطانها. إلى أن نلقى الله تعالى بيض الوجوه، ونجد في مجازاته ما نرجوه.

والله تعالى يثبت في صحائف المولى أجر (هذا)(2) السرور بهذه المتجدّدات، التي بها يعظم(3) أجر الحامد والشاكر. ونجعل له أوفى نصيب من ثواب (هذه)(4) الغزوات التي أنجد فيها(5) بهمّته العالية والإنجاد بالهمم مثل الإنجاد بالعساكر»(6).

إنتهى كلامه.

 

‌[كتاب تهنئة للمؤلّف بفتح طرابلس الشام]

وللمملوك جامع هذه السّيرة في المعنى:

«أعزّ الله أنصار المقام العالي ولا زال يسرّه ما يجدّده الله تعالى للإسلام من فتوح، وييسّره من نصرة ما زال طرف الأمل لها الطّرف الطموح. ويردّه عليه من ضالّة طال إنشادها ولا بارقة كما شاء الله لردّها تلوح.

الملوك تخدم خدمة يتأرّج شذاها / 114 أ / العطر الأنفاس، ويهدي إليه من ثنائه ما لا ينضبط بقياس. ومن دعائه ما لم يزل كفّه به مبسوطا، ومن ابتهاله ما غدا(7) بسبب الإخلاص منوطا.

وينهي أنّنا لما نتحقّقه من ولائه الأكيد، وخلوص وداده الذي جمع بين القلوب من قريب بمواصلة إتحافاته ومن بعيد. لا تتجدّد لنا نصرة إلاّ ونتحفه بأنبائها، ونشافهه بما يتهيّأ من أوائلها وأواخرها وأثنائها. ونحضره بكتبنا المبسوطة وإن كان غائبا، ونشهده بنصّ قلمها الذي ما يزال خاطبا للودّ وبه مخاطبا. سنن
(1) في المسالك، وغيره: «كلمة الإيمان».

(2) لم ترد في المسالك، وغيره.

(3) في المسالك، وغيره: «التي يعظم بها».

(4) لم ترد في المسالك، وغيره.

(5) في المسالك، وغيره: «منها».

(6) أنظر النصّ في: مسالك الأبصار (المصوّر) ج 8 ق 1 / ورقة 60 - 70، وكنز الدرر وجامع الغرر لابن أيبك (مصوّر، رقم 2587 تاريخ) ج 8 ق 3 / ورقة 254 - 259، وتذكرة النبيه في سيرة الملك المنصور وبنيه لابن حبيب الحلبي 1/ 123، والدّرّ المنتخب في تكملة تاريخ حلب، لابن خطيب الناصرية (مخطوط السليمانية) ج 1 / ورقة 72 أ - 74 أ.

(7) في الأصل: «غدى».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٥٧)
جرت عليه عادة ذوي الموالاة، ومألف ألفه أهل المغالاة في المصافاة. وقد علم الله أنّا نميّزه على غيره، وإن سار في الترامي إلى موالاتنا كسيره، ونوثر جانبه، ونيسّر مطالبه، كلّ ذلك أوجبه حسن تأتّيه، واقتضاه جميل تأنّيه. وحكم به ما بين القلوب من الأسلاف، والخواطر الواردة من المصافاة كلّ صاف. وعلى أثر ذلك فإنّه قد علم أنّا منذ أفضت نوبة الملك إلينا، / 114 ب / ونصّ بها أمير المؤمنين علينا، عاهدنا الله أن لا نفتر عن الجهاد في سبيله طرفة عين، وأن (نزال ندأب أو (نستخلص من)(1) مغتصب الممالك كلّ دين. فما مرّ وقت إلاّ عن نصر مجدّد، وظفر عن بيض سيوفنا وحمرة نجيعها يتولّد. وعاص يطيع بأول بارقة، ومشاقق مال إلى السّلم بما دهمه من الأنباء الصادقة. وعدوّ غزوناه في عقر داره، واستسلّيناه بزمام الظّفر من بين أنصاره. وحصن أخذناه من مأمنه، ومسكن منيف أخليناه من سكنه.

وكانت طرابلس الشام ضالّة في يد الفرنج منذ زمان، ومغتصبة لم ينهض باسترجاعها قوّة (ذي)(2) سلطان، ومرّت عليها دهور فدهور. واستمرّت في يد الكفر إلى أن أخرجها الله تعالى بعزائمنا من الظلمات إلى النور. على أنّ هذا الحصن كان منيعا وهو في يد بني عمّار إلى الغاية والنهاية، وحاصره الفرنج مدّة سنتين. واقتضى طول المحاصرة أن بنى الفرنج أمامه حصنا(3) أروا به من شدّة المنازلة الآية فالآية. واقتضى طول / 115 أ / سنيّ هذه المنازعة، أن خرج ابن عمّار صاحبها منها مستنصرا بملوك الإسلام(4)، من طول سوء المقام بذلك المقام.
(1) عن الهامش.

(2) عن الهامش.

(3) هو حصن «صنجيل» (سان جيل) نسبة إلى «ريموند الصّنجيلي» (Raymond De Saint - Gilles) بناه سنة 497 هـ / 1103 هـ. فوق أنقاض حصن إسلامي أسّسه القائد الصحابيّ «سفيان بن مجيب الأزدي» في أوائل عهد الخليفة عثمان بن عفان، رضي الله عنه. ومات «ريموند» داخل الحصن وهو يحاصر طرابلس في 4 جمادى الأولى 498 هـ. / 1105 م. ومن هنا نسب إليه. «أنظر كتابنا: تاريخ طرابلس السياسي والحضاري - ج 1/ 407 وما بعدها (طبعة ثانية 1984 م). وكتابنا: لبنان من السيادة الفاطمية حتى السقوط بيد الصليبيين (القسم السياسي) ص 211 وما بعدها).

(4) ابن عمّار الذي خرج مستنصرا بالملوك هو «فخر الملك أبو علي عمّار بن محمد بن عمّار»، وكان خروجه سنة 501 هـ.1108 م. حيث استقبله السلطان السلجوقي في بغداد «محمد بن ملكشاه»، والخليفة العبّاسي «المستظهر». (أنظر: ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي 160، والكامل في التاريخ -
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٥٨)
واستناب بها أخاه(1)، وكان ممرورا(2) فصعد إلى أعاليها ونادى العدوّ، وقد أضجره، لتسليمها، فبادر وتسلّمها، وللوقت تسنّمها.

واستمرّت بيد الكفر إلى أن أتاحنا الله لارتجاعها، وأتى بنا فأثابنا باستنقاذها من يد الكفر وانتزاعها، فرحلنا إليها من كرسيّ مملكتنا بعساكرنا التي محت بياض النهار بكثرة سوادها، (وسواد الليل بنهار بيض سيوفها الهاجرة دون بلوغ العرض موطن أغمادها)(3). وكاثرت الرمل في العدد. والشتاء قد زرّر جيوب الغيوم دون الشمس والقمر، وحجبها عن العيان بتكاثفها فلا عين لها ولا أثر. والثلوج قد أظلمت لبياضها المسالك، وقطعت الطرق دون السالك. والأمطار منسكبة كأفواه القرب، والجمال بثقل أحمالها بمرسل القطار قد حزّها القتب. والسّيول متوافية من جبال تلك الأودية، متراسلة من تلك الأندية. منصبّة / 115 ب / على الخيام التي لم تكن في دفعها مجدية. والرعود ترعد منها الفرائص، والبروق تأتي في خطف الأبصار بالقوارص فالقوارص. لا الشمس تظهر فتصطلى جمرتها، ولا النار تشبّ فترى مع ما تكنّسه من بياض الثلوج حمرتها. وكلّ يد مضمومة، إلى جناحها مكفوفة. لا تستطيع أن تروض عنان الفرس فتردّها عن جماحها. وجنودنا غير ضجرة من طول هذه الشقّة، متلذّذة بتضاعف الأجر كيف والأجر على قدر المشقّة. لا يستوقفهم عن ذلك أمر مهول، ولا يثني عنانهم دون بلوغ السّول. ولا يتثبّتون في اقتحام مخاضه، ومن اعتاد خوض المنايا فأهون ما تمرّ به الوحول. ونحن في ساقتهم على عادتنا في اصطلاء حرّ(4) الغزوات وبردها، لا نتحصّص عنهم في تجشّم صابها ولا بلذيذ شهدها. نتلقّا(5) الواردات السمائية والأرضيّة
= 10/ 452، ومرآة الزمان (مخطوط) ج 12 ق 3/ 260 أ، ب، وغيره. وتاريخ طرابلس 1/ 425 وما بعدها، ولبنان من السيادة الفاطمية 221 وما بعدها. وفيهما مصادر أخرى.

(1) هكذا في الأصل. والصواب «ابن عمّه» وهو: «أبو المناقب محمد بن عبد الله بن عمّار» الملقّب بشمس الملك. أنظر: ذيل تاريخ دمشق 160، وأخبار مصر لابن ميسّر 2/ 43، والكامل في التاريخ 10/ 452، وانظر: تاريخ طرابلس 1/ 425 وما بعدها، ولبنان من السيادة الفاطمية 221 وما بعدها، وفيهما مصادر أخرى. ووقع في (تاريخ سلاطين المماليك 247 «عمّه»).

(2) ممرورا من المرية أي الجدل. ومرى يمري مريا حقّه: جحده. وانظر خبر خروج طرابلس عن ابن عمّار في: ذيل تاريخ دمشق، ومرآة الزمان، ونثر الجمان للفيّومي 2 / ورقة 318 أحيث يصف ابن عمّ أمير طرابلس بالجنون. وانظر مصادر أخرى في: تاريخ طرابلس، ولبنان من السيادة الفاطمية.

(3) ما بين القوسين عن الهامش.

(4) في الأصل: «جرّ».

(5) كذا. والصواب: «نتلقّى».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٥٩)
بالرضى والتسليم، ويتساوى في عزمنا الصّبح البهيّ والليل البهيم. لا يهولنا البتّار، / 116 أ / فكيف القطار، ولا العساكر، فكيف الليل العاكر. ولا العدوّ الطروق، فكيف لمعان البروق. ولا ترادف النصول، فكيف تهادي السّيول. ولا تصويب الرماح. فكيف هبوب الرياح. وهل ذاك عندنا إلاّ أهون ما يكون، وهل السّكون إلاّ ضدّ في (موطن الحركة)(1)، ولا شبهة في أنّ الحركة ضدّ السكون. ولم نزل نقدّ أديم الأرض سيرا حتى حللنا بساحتها {فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ}(2). ونزلنا فقطعنا منهم الوتين. وحين خفقت أعلام نصرنا خفقت قلوبهم رعبا، وعلموا أنّا لا نثبت دون أن نأخذهم وثبا. وسقط في أيديهم (وخرس)(3) من الرعب لسان معيدهم ومبديهم. وأغلقوا دون أرواحهم من الأسوار أبوابا، وهالهم ما شاهدوه وقال: {الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً}(4). وخارت قواهم، وعلموا أنّ نار اقتداح زند سيوف النصر مأواهم. وللوقت أحطنا بهم البلا، وأسأنا لهم الابتلا. وصببنا عليهم عذاب حجارة المجانيق صبّا، (وراسلناهم بالسّهام مراسلة من غدى(5) بصبّ دمائهم صبّا)(6). وأريناهم / 116 ب / بشدّة عزائمنا كيف يكون اقتلاع القلاع. وبتدقيق حيلتنا كيف التوصّل إلى نزع الأرواح من الأجساد من غير نزاع. وتنوّعنا في الفتك بهم، وبلغنا في تهيئة(7) أسباب هلكهم دون مطلبهم. فمن نقوب مترادفة، وجفاتي(8) تتبع الرادفة منها الرادفة، وصيحات منها قلوبهم يومئذ واجفة، وأمطرنا عليهم من المجانيق مطر السّوء، وأثرنا عليهم منها أقبح نوال (من النوء)(9). وأصرنا عاليها سافلها، وبازغها آفلها، وطولها عرضها، وسماها أرضها،
(1) عن الهامش.

(2) سورة الصافّات، الآية 177.

(3) عن الهامش.

(4) سورة النبأ: الآية 40.

(5) كذا. والصواب: «غدا».

(6) ما بين القوسين عن الهامش.

(7) في الأصل: «تهياة».

(8) الجفاتي: مفردها: جفت. لفظ فارسيّ بمعنى زوج أو اثنان متشابهان. أطلق على نوع من أسلحة الصيد بسبطانتين، ويقصد به هنا فارسان متشابهان من حيث الشكل والعدّة التي يحمّلانها، على فرسين متشابهين أيضا، كانا يركبان بين يدي الخليفة في أوقات مخصوصة، حذرا من الوقوع في بعض الحفر أو الكمائن، واستمرّ هذا التقليد في العصرين الأيوبي والمملوكي. (صبح الأعشى 2/ 134، حدائق الياسمين 65، معجم الألقاب 124).

(9) عن الهامش.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٦٠)
وأخذنا (ها)(1) أخذ عزيز مقتدر، وملكناها ملك حازم مبتدر. وتسلّمناها عن يد وهم صاغرون، واستعدناها بعد الكفر إلى الإيمان وهم راغمون.

وكان يومها و (هو)(2) يوم [الثلاثاء](3) (. . .)(4) من سنة 4 ربيع 2 (. . .)(5) يوما مشهودا، ووقتا من أجلّ أوقات النصر معدودا. ولو شاهد الملك حسن صنعنا في استئصالها، وقوّة بأسنا في نضالها. وكيف قبّلت أبراجها بين يدينا الثّرى، وكيف مسحنا / 117 أ / من بها بالسيف حتى غدوا ولا أذن تسمع ولا عين ترى. وكيف علت صفر بيارقنا(6) فوق أسوارها خلوقا بخلوّها من بني الأصفر(7)، وكيف أعلن بكلمة الأذان عوض الناقوس بقول «الله أكبر». وسرّه أنّ في أوليائه من يجاهد عن دين الله بالمال والنفيس، ومن يعيد إلى دين الإسلام في اليوم ما كان في الكفر بالأمس. ولا مدّهم بذخائره التي لا تغني عنه إن لم يمدّ بها أنصار الله شيّا، ولا يستظلّ بسيوف الله المجرّدة لكبت أعدائه فيّا. على أنّا رمينا عنه إذ حضرنا وغاب سهاما فسهاما. وذكرناه في مواقفنا التي بلغت مراما(8) من أعداء الله فمراما.

وكتابنا هذا، وقد نظمت هذه القلعة في سلك فتوحنا المتعدّد، وضمّت إلى مسترجعاتنا من يد الكفر التي بها نتنسّك ونتعبّد. وقد ملئت الدنيا ببشائر محلّق(9) أعلامنا، واستبشرت الأمّة بقوّة اعترامنا. وسنعقّب هذه الخدمة بأختها في النصر والظّفر، ونتلوها / 117 ب / بسور النصر البادية له في أحسن الصّور.

والله تعالى يعيننا على مبهجات نتقرّب بها إلى الله تعالى وإليه، ونقصّ بها أحسن القصص عليه. بمنّه وكرمه»(10)
(1) ما بين القوسين كتبت فوق السطر.

(2) كتبت فوق السطر.

(3) إضافة على الأصل.

(4) في الأصل بياض مقدار أربع أو خمس كلمات. وقد سبق أن ذكرت أن يوم فتح طرابلس كان يوم الثلاثاء 4 من شهر ربيع الآخر سنة 688 هـ.

(5) بياض مقدار كلمة واحدة.

(6) إشارة واضحة إلى أن لون العلم عند المماليك كان أصفر.

(7) بنو الأصفر: الإفرنج.

(8) في الأصل كتب بعدها: «بنابها بها» ثم شطب فوقها.

(9) في الأصل: «مخلق» بالخاء المعجمة.

(10) لم يرد نصّ المؤلّف في أيّ مصدر آخر. ومن هنا تأتي أهمّية هذا النص، وبالتالي أهمّيّة الكتاب.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٦١)
‌ذكر أمر مهادنة عكّا

كانت هدنة عكّا المذكورة أيضا قد انقضت، وعهود موادعتها قد انتقضت. وسنيّها قد تولّت، وأيدي مجاوريها لكفّ عدوان أهلها قد تولّت. فحصروا من غير حصار، وسلّم الله من غير مهاجرين إليها بأنصار.

ولمّا استحكم أمر مولانا السلطان واستفحل، وروّى بماء سيفه ما كان من المهابة السلطانية قد أمحل. وتحقّق الفرنج بعكّا أنّهم لا قرار لهم إلاّ بالمهادنة السلطانية، وأنه لا هدوء إلاّ بالموادعة التي تقارن معها العمل النّيّة. فبادر المقدّمون بها، وهم «افرير كليام ديباجوك»(1) مقدّم / 118 أ / الدّيويّة(2)، وافرير كليام جوان(3) دمونفرت(4) مقدّم بيت الإسبتار، وافرير كليام الرن(5) (مقدّم بيت اسبتار الأمن)(6)، والكوند روجير(7) نائب المملكة بها(8)، إلى إنفاذ رسلهم إلى أبواب مولانا السلطان بالتّقادم النفيسة، على هممهم الخسيسة، وبذلوا من التضرّع والسؤآل، ونفيس الأموال، ما لا عنه مزيد، وتضرّعوا لسلطانه تضرّع العبيد.

ورأى مولانا السلطان أنّ مهادنتهم أولى، وأخذ رأي أمراء مشوره، فرأوا أنّ
(1) في السلوك ج ق 3/ 986 «حضرة المقدّم عبد الجليل (!) إفرير كليام ديباجوك (Guillaume de Beaujeu) وفي الأصل: «ديباحول»، وفي تشريف الأيام 34 بالحاشية (1) «ديباجول» والمثبت يتفق مع النص في موسوعة مؤرّخي الحروب الصليبية Quatremere - OP. Cit 11. I PP. - 179 et Seq .

(2) الدّيويّة - الدّاوية: لفظ أطلقه المؤرّخون المسلمون على جمعية فرسان المعبد Templiers وقد أسّسها «هيغ دي بينز» Hugh de payns سنة 1119 م. لحماية طريق الحجّاج المسيحيّين بين يافا وبيت المقدس. ثم تحوّلت مع جمعية فرسان الهسبتاليّين إلى هيئة حربية دينية فكان لرؤسائهما وفرسانهما شأن كبير في تاريخ الإمارات الصليبية بالشام. (السلوك 1 ق 1/ 68 حاشية 4) وقد عرّفهم ياقوت بقوله: قوم من الفرنج حبسوا أنفسهم على حرب المسلمين ومنعوها النكاح. (المشترك (136).

(3) في الأصل: «حوان» بالحاء المهملة.

(4) لم يرد ذكره في السلوك، وصبح الأعشى، وغيره.

(5) هكذا في الأصل. وفي السلوك، وصبح الأعشى. وغيره: «نيكول للورن» Nicholas le Lorgne أنظر: King - Op. Cit. P. XV .

(6) عن الهامش.

(7) لم يرد في السلوك وغيره. و «كونت - كوت» Comte بمعنى أمير.

(8) في صبح الأعشى، والسلوك، وتاريخ ابن الفرات: «وهم: السنجال أود كفيل المملكة بعكا، وحضرة المقدّم عبد الجليل (!) إفرير كليام ديباجوك مقدّم بيت الديوية، والمقدّم إفرير نيكول للورن مقدّم بيت الاسبتار، والمرشان الأجلّ إفريكورات نائب مقدّم بيت الاسبتار الأمن».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٦٢)
المصلحة في (ذلك، وقال)(1): لأنّ هذه عكّا فندق. تتردّد إليه تجّارنا، وتحضر منه ما يتّسع معه إيثارنا. هذا مع ما أورده من وجوه النفع في الصّلح معهم (مصلحة أم لا)(2). فرأوا المصلحة فيما رآه. وأخمدوا وارد تضرّعهم بتبليغ أملهم عاقبة يسراه.

وحرّرت الهدنة معهم على نسق الهدنة الظاهرية، بعد مجاذبة منّا لهم، وموافقة أيسوا مع السّلامة بما منانا(3) لهم، واستقرّ أمرها، وعادت إليهم رسلهم ورسلنا لتحليف مقدّميهم المذكورين / 118 ب / على ما استقرّ، فبادروا إلى الطاعة، وأظهر كلّ منهم الوفا، وأظنّ أنه أسرّ(4).

هذه صورة الحال فيها.

 

‌ذكر سلطنة مولانا السلطان ولده

الملك الصالح علاء الدين

ولمّا فرغ مولانا السلطان ممّا ذكرناه من المهمّ المقدّم، وأمن غائلة ما كان من الهمّ قد أظلم، وصفي(5) له الوقت، وحلّ بمن تطاول إلى ما لا يستحقّه المقّت، ولم يبق قدّامه عدوّ منافس، ولا خصم يكون به وجه أمله المتبسّم عابس، رأى أن يشدّ عضده بعضده، وأن يورده في كفالة المسلمين على مورده، وأن يتكثّر بإعانته، وإذا كان المرء كبير(6) بأخيه فأجدر أن يكون كبيرا بولده.

وهو المقرّ العالي، المولوي، السلطاني، الملكي، الصالحي، العلائي، خلّد الله دولته ودولة أبيه خلود(7) / 119 أ / الأيام، وعضدهما على المعاضدة في مصلحة الإسلام.
(1) عن الهامش.

(2) ما بين القوسين شطب عليه المؤلّف في الأصل.

(3) هكذا في الأصل. والمرجّح أنّ الصواب: «بما مننّا لهم».

(4) انعقدت الهدنة يوم الخميس 5 ربيع الأول 682 هـ. / 1283 م. أنظر نصّها في: تشريف الأيام والعصور 34 - 43، وصبح الأعشى 14/ 52 - 55، والسلوك ج 1 ق 3/ 985 - 995، وتاريخ الدول والملوك المعروف بتاريخ ابن الفرات (مخطوطة فيينا) المصوّرة بدار الكتب المصرية، رقم 3297 تاريخ - ج 14 / ورقة 88 - 95 أ، وكتابنا: لبنان من السقوط بيد الصليبيّين (الملحق 36). Quatremere - OP. Cit، 11. I. PP. 179 et Seq .

(5) كذا: والصواب: «وصفا».

(6) كذا. والصواب: «كبيرا».

(7) تكرّرت في آخر الورقة 118 وأول الورقة 119.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٦٣)
ولمّا قوي ذلك في عزم مولانا السلطان، ورأى أنّه من تمام الإحسان، عهد إليه بما عهد إليه أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله أبو العبّاس أحمد(1) من السلطنة المنيفة، والمملكة التي بها أماير السعادة مطيفة. وفوّض له كلّما هو مفوّض إليه من حلّ وعقد، ومؤجّل ونقد، وأوامر ونواهي، وحكم وإحكام، ونقض وإبرام، وتولية وعزل، وجدّ ولا هزل، فاقول(2) وهزل. وجعل له أن يكتب الكتائب، وينجح المطالب، ويعطي ويمنع، ويصل ويقطع، ويشرّف المراسيم بقلمه، ويشنّف الأسماع بممتع كلمه. كلّ ذلك حسبما فوّضه إليه أمير المؤمنين. وجعل له تفويضه، وفرضه له علما منه أنه نعم المولى في أداء كلّ سنّة وفريضة. وقرن اسمه باسمه واسم أمير المؤمنين على رؤوس المنابر، ونوّه من قدره إذ جعله له أعظم موازر.

وجلس مولانا السلطان / 119 ب / بالإيوان الكبير المجاور لجامع القلعة للتحليف لولده، وجلست بين يديه للتحليف، فلم يبق من لا حلف(3). وظنّ مولانا السلطان أنّ ولده هذا يكون له خلفا فكان هو لولده الخلف.

 

‌ذكر اخترام الأيام بمولانا السلطان الملك الصالح هذا

ولمّا استقرّ أمر سلطنته، ودانت أيام مملكته، وكان لوالده مولانا السلطان
(1) تولّى الخلافة أربعين سنة، وتوفي سنة 701 هـ. وهو أول خليفة عبّاسي يدفن في مصر. أنظر عنه في: البداية والنهاية 13/ 233، 234، ودول الإسلام 2 / ج 167، والعبر 5/ 263، والوافي بالوفيات 6/ 317 رقم 2819، والجوهر الثمين 1/ 229، 230، والدرر الكامنة 1/ 119، 120 رقم 332، والدرّ الفاخر 87، 79، والمنهل الصافي 2/ 79، 80 رقم 253، والنجوم الزاهرة 7/ 118، والدليل الشافي 1/ 73 رقم 251، والسلوك ج 1 ق 3/ 919، ودرّة الأسلاك 1 / ورقة 155، وزبدة الفكرة (مخطوط) 9 / ورقة 230 ب، والتحفة الملوكية 162، وعقد الجمان (4) 188 - 190، وتاريخ الخلفاء 511 وما بعدها، وتاريخ ابن سباط 2/ 575، والإعلام بوفيات الأعلام 293، ومرآة الجنان 4/ 235، وشذرات الذهب 6/ 2، 3، ومآثر الإنافة 2/ 116 - 118، وتاريخ الأزمنة 283، والروض الزاهر 141 - 148، والمختصر في أخبار البشر 3/ 215، وذيل مرآة الزمان 2/ 186 - 192، والنزهة السنية 122، وتاريخ ابن خلدون 5/ 383، 415، وعيون التواريخ 20/ 266 و 287، وبدائع الزهور ج 1 ق 1/ 320، وأخبار الدول 2/ 204 - 206.

(2) الصواب: «فقول».

(3) بويع الصالح علاء الدين عليّ بن قلاوون بولاية العهد في شهر رجب، وقيل في 17 جمادى الآخرة سنة 679 هـ. أنظر: التحفة الملوكية 95، ونهاية الأرب 31/ 68، والسلوك ج 1 ق 2/ 869، وتاريخ ابن الفرات 7/ 186، والبداية والنهاية 13/ 292، والنهج السديد 320، والدرّة الزكية 238، والجوهر الثمين 2/ 94.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٦٤)
نعم العون، وأصبح وأمسى في حفدة حفظته في غاية الصّون، ورأى فيه من الكفاية ما أقرّ عينه، وقضى من الأمل دينه. فلم يكن بأسرع من أن جاءته منيّته، وخابت فيه أمنيّته، فمرض حتى لا يرجونه، وأخذ من مأمنه وغوائل الأيام لم تكن بالمأمونه. وحصل لمولانا السلطان عليه من القلق ما أعدم النوم وأوجد الأرق، وكانت مرضته دوزنطاريّة كبديّة، واقتضى الطبّ أن يعالج بشراب الياقوت الأحمر. / 120 أ / فمن حذر مولانا السلطان عليه نزع من يده خاتما، وأمرهم بأخذ فصّه، وهو ياقوت بهرمان مسح المعدن. قيل إنّ قيمته عشرة آلاف دينار عينا، فصخن(1) للوقت، ولا والله ما أغنى.

وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ألفيت كلّ تميمة لا تنفع

ولم يزل مولانا السلطان يفديه، بالمعوّذات يرقيه، ويبدي عليه من الهلع ما لا يستنكف أن يعيده ويبديه. فلمّا فرط فيه ما فرط، وكان له رحمه الله نعم الفرط. سكن إلى الصبر والجلد، واحتسب في جنب الله تعالى ما رزئه في هذا الولد.

وما أحقّه بما قيل:

إنّما أجزع ممّا أبقى فإذا حلّ فما لي والجزع

وخرج مولانا السلطان من عنده مودّعا، وغدى(2) لذخيرته عند الله مودعا. ولم يلمّ حتى ولا بذكره جهرا، ولا بفكره إلاّ بالدّعاء له والترحّم سرّا.

/ 120 ب / والحزن للخود ليس الحزن للرجل

ولم يصل إلى قبره، ولا شبهة في أنّ الله بالصّبر عنه جعل له مخرجا من أمره. ودفن بخطّ مشهد السّيّدة نفيسة. واحتفلت نوّاب مولانا السلطان بإقامة عزائه، وحصّته من البرّ بوافر أجزائه(3).
(1) في الأصل: «فصحى» بالحاء المهملة، والإثنان غلط. والصواب: «فسخن».

(2) الصواب: «وغدا».

(3) توفي الصالح علاء الدين عليّ بن قلاوون يوم الجمعة 4 شعبان 687 هـ. أنظر عنه في: المختصر في أخبار البشر 4/ 22، والمختار من تاريخ ابن الجزري 327، وتاريخ ابن الوردي 2/ 234، والبداية والنهاية 13/ 312، وعيون التواريخ 21/ 428، وتذكرة النبيه 1/ 115، ودرّة الأسلاك 1 / ورقة 81، 82، والجوهر الثمين 2/ 98. والدرّة الزكية 282، والتحفة الملوكية 119، ونهاية الأرب 31/ 159، والنجوم الزاهرة 7/ 320، وعقد الجمان (2) 377، 378، وتاريخ ابن سباط 1/ 490، وتاريخ ابن الفرات 8/ 70.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٦٥)
وقلت فيه مرثيا:

حقّا أقول فلن يردّ مقالي ممّا دهى واخيبة الآمال

وأجود بالدّمع المصون فيغتدي بتواتر الهملان كالسلسال

وأخمّش الخدّين لطما مؤلما بيمين ندب مسمع وشمال

وأنوح بالإعلان وهو محرّم إلاّ على فقد العزيز الغالي

وأشقّ ممّا شقّ أثوابي وإن ألفى بغير حلى التفجّع حالي

أوما علاء الدّين أضحى مودعا لحدا رهين جنادل ورمال

مستوطنا دار الفناء برغمنا متفرّدا عن صحبه والآل

يا قبره أصبحت سامي رتبة أو ما أقام بك المقام العالي

/ 121 أ / وحويت منه فلذة الكبد الّذي ربّي بدست تعزّز ودلال

أعليّ قد غادرتنا في مطلق لمّا سكنت بموطن الأوحال

ما كان يخطر فقدك الموهي القوى في خاطر منّا ولا في بال

كلاّ، ولا أن يغتدي بك عامرا بطن الضرّيح ودست ملكك خال

ومنابر أضحى بها اسمك باسم والدك المفدّى بالنفائس تالي

وصواهل كانت إذا وافيتها أرخت أعنّتها من الإجلال

ودوابل كانت تقيك وحسبها بعد الظّلال تطاعن الضلال

وسيوف نصركم تجرّد نصلها لدفاعه عنكم بيوم نضال

وقسيّ نبل كم رمت أعداكم أبدا(1) الزمان بصائبات نبال

أعزر علينا أن تكون مرثيا بعد المديح بصادق الأقوال

أو أن نفوه بذكر موتك إنّه ليسوء في التفصيل والإجمال

صبغت حدادا فيك أقلام غدت تبكي بدمع مدادها الهطّال

وبغمّ وسوّدت الدويّ كآبة أسفا لفوت العزّ والإقبال

/ 121 ب / لو تفتدى لفدتك حتى بالّذي ما أن يجود به ذوو الإجلال

ولكانت الأموال فيك حقيرة هيهات ما الأرواح كالأموال

لو كان يدفع عنك جيش أسرعت لعلاء قدرك شامخات عوال
(1) الصواب: أبدى».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٦٦)
أبدى عليك تجلّدا ملك الورى ولتلك عادة جلّة الأبطال

وغدا وقد وافاه نعيك ثابتا ولكم بدا ثبتا على الأهوال

ملك الزمان ومن له شرف بما أوتيه من نصر على الإقبال

المالك المنصور والملك الذي وافا(1) فحلاّ(2) عاطل الأحوال

وعلا بسؤدده على من كان قد حاز الممالك في الزمان الخالي

قد مهّد الملك العقيم بهيبة راعت وما راعت ذوي الإهمال

سارت مناقبه مسير الشمس أو عادت بشهرتها من الأمثال

يعطي على الفور المؤمّل رفده حاشاه حاشاه من الإمهال

ويجود بالبدر النفيسة منعما لم يرض في الإعطاء بالإقلال

من دون ما أبداه عند مصابه في ثبت قعدده أبو الأشبال

/ 122 أ / غفرا لقد يعلو ويغلو قيمة عن أن يقاس ماسه بمثال

ولسوف يثمر أصله والأصل إن يبقى أفاد الثمر منه توالي

لازال عالي الملك مرفوع اللّوى(3) ما اشتاق نبت للحيا الهطّال

 

‌ذكر ما أثّره مولانا السلطان من المدرسة

والبيمارستان بالقاهرة المحروسة

ولمّا حاز الله لمولانا السلطان ممالك البلاد، واستقرّ خاطره من جهة مناوأة كلّ حاضر وباد. وأيّده بنصره، وقاد إليه الأعداء بأزمّة قهره. أبرز إلى الوجود ما كان له من خير قد نوى، وأقبل بوجهه على ما كان في خاطره وما نكب عنه ولا لوى.

وهو أنّه كان قد نذر على نفسه بناء بيمارستان(4) بالقاهرة المحروسة، وأن
(1) الصواب: «وافى».

(2) الصواب: «فحلّى».

(3) الصواب: «اللّوا».

(4) يقال: بيمارستان - كما هنا - وبيمرستان، ومارستان، ومرستان. وهو لفظ فارسيّ مركّب من «بيمار» ومعناه: مرض. و «ستان» ومعناه: محلّ. فيكون: محلّ المرض أو مكان التمريض، وهو المستشفى. ويقال له بالتركية «خسته خانه» أي محلّ المرضى. ويطلق البيمارستان على المحلّ المعدّ لإقامة المجانين أيضا. (محيط المحيط). وهذا البيمارستان بخطّ بين القصرين من القاهرة. كان قاعة ستّ الملك ابنة العزيز بالله نزار بن المعزّ لدين الله أبي تميم سعد. ثم عرف بدار الأمير فخر الدين جهاركس بعد زوال الدولة الفاطمية، وبدار -
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٦٧)
يبرزه في صورة من الحسن تضرب بها الأمثال، / 122 ب / وتقلّ لها الأمثال. فتقدّم إلى مملوكه ومدبّر دولته الأمير علم الدين سنجر الشجاعيّ، وكان ذا عزم قويّ، وحزم هو بكلّ مأمول مليّ، وهيبة رائعة، ومخافة بين أرباب الدواوين ذائعة شائعة. فعمد إلى دار تجري في أملاك بيت المال المعمور، تعرف بمسكن دار القطبيّة، وقد خلت بموت من كان بها من ذرّيّة الملوك. وهي دار كبيرة وسيعة، من حقوق القصر البحري الذي اختطّه القائد جوهر(1) للمعزّ أبي تميم معدّ(2).
= موسك. ثم عرف بالملك المفضل قطب الدين أحمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، وصار يقال لها: الدار القطبية، ولم تزل بيد ذرّيته إلى أن أخذها الملك المنصور قلاوون من مؤنسة خاتون ابنة الملك العادل المعروفة بالقطبية، وعوّضت عن ذلك قصر الزّمرّد برحبة باب العيد في 18 ربيع الأول سنة 682 هـ. بسفارة الأمير علم الدين سنجر الشجاعي مدبّر الممالك، ورسم بعمارتها مارستانا وقبّة ومدرسة، فتولّى الشجاعي أمر العمارة وأظهر من الاهتمام والاحتفال ما لم يسمع بمثله حتى تمّ الغرض في أسرع مدّة وهي أحد عشر شهرا وأيام. وكان ذرع هذه الدّار عشرة آلاف وستمائة ذراع. (المواعظ والاعتبار 2/ 406).

(1) هو أبو الحسن جوهر الصّقلّي القائد الرومي المعروف بالكاتب مولى المعزّ بالله الفاطمي. توفي سنة 381 هـ. أنظر عنه في: الولاة والقضاة 297، 298، 547، 584، وتاريخ الأنطاكي (بتحقيقنا) - فهرس الأعلام - ص 472، ووفيات المصريين 33 رقم 70، ونشوار المحاضرة 4/ 171، ومعجم البلدان 4/ 22، والمغرب في حلى المغرب 101 - 106، وذيل تاريخ دمشق 1، 2، 12، 310، 311، والكامل في التاريخ 8/ 590، 591 و 9/ 90، ووفيات الأعيان 3/ 375 - 380 رقم 145، وتلخيص مجمع الآداب 3/ 561، وتهذيب تاريخ دمشق 3/ 416، والعبر 3/ 16، ودول الإسلام 1/ 232، والإشارة إلى وفيات الأعيان 190، والإعلام بوفيات الأعلام 161، وسير أعلام النبلاء 16/ 467، 468، رقم 342، وتاريخ الإسلام (381 - 400 هـ) - بتحقيقنا - ص 30 - 32، والدرّة المضيّة 120 - 125 و 137 - 140 و 142 - 145 و 177 - 179، وغيرها، والمختصر في أخبار البشر 2/ 128، وتاريخ ابن الوردي 1/ 311، ومرآة الجنان 3/ 411، والوافي بالوفيات 11/ 224 - 226 رقم 320، واتعاظ الحنفا 1/ 272، والمقفّى الكبير 3/ 83 - 111 رقم 1102، وعيون الأخبار وفنون الآثار 604، والبداية والنهاية 11/ 320، والنجوم الزاهرة 4/ 28 - 54، وحسن المحاضرة 1/ 599 و 2/ 201، وشذرات الذهب 3/ 98، 99، وبدائع الزهور ج 1 ق 1/ 189، وغيره.

(2) هو أبو تميم معدّ المعزّ لدين الله العبيدي الفاطمي، أوّل من دخل مصر من الخلفاء الفاطميّين. توفي سنة 365 هـ. أنظر عنه في: تكملة تاريخ الطبري 225. والمنتظم 7/ 82، والحلّة السيراء 2/ 391 - 393، وذيل تاريخ دمشق 14، ونهاية الأرب 23/ 203، والبيان المغرب 1/ 221، ووفيات الأعيان 5/ 224 - 229، والمغرب في حلى المغرب 38، 39، والدرّة المضيّة 173، وتاريخ العظيمي (بتحقيق زعرور) 307، ومختصر تاريخ الدول 271 والمختصر في أخبار البشر 2/ 115، 116، وتاريخ الأنطاكي 163، 164، والعبر 2/ 339، ودول الإسلام 1/ 226، وسير أعلام النبلاء 15/ 159 - 167، وتاريخ الإسلام (351 - 380 هـ). ص 348 - 351، ومرآة الجنان 2/ 383 - 385، وتاريخ ابن الوردي 1/ 299، والكامل في التاريخ 8/ 498، وتاريخ ابن خلدون 4/ 45 - 51، وصبح الأعشى 3/ 426، والبداية والنهاية 11/ 283، 284، وعيون الأخبار 203، واتعاظ -
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٦٨)
فأنشأه بيمارستانا حسن البناء، طيّب الثّواء، بهج المنظر، جميل المخبر، ذا أواوين متّسعة، وأفانين زخرفات متنوّعة، ومياه متدفّقة، وعماير متأنّقة.

ورتّب له من الأوقاف الجلّ بمصر والشام، ما لا يسامى ولا يسام. تقدير ألف ألف درهم في السنة(1).

ولمّا فرغ نزل مولانا السلطان بنفسه إليه، وجلس بصدر إيوانه القبليّ في أمراء دولته، وحماة مملكته، وأحضر إليه من شرابه / 123 أ / قدح فأمسكه بيده، وقال - والقضاة الأربع(2) حاضرون عند شربه -: اشهدوا عليّ أنّني وقفت هذا البيمارستان على من هو مثلي إلى من دوني(3). وأفاض ملابس الخلع على مباشريه، ونهض إلى المدرسة التي تليه.

 

‌ذكر أمر هذه المدرسة وما أنفق في بنائها

هذه المدرسة من زيادات الأمير علم الدين الشّجاعي لم يكن مولانا السلطان أمر بها، ولا أراد غير بيمارستان، واكتساب مثوبته والتعلّق بسببها.

ولمّا خرج مولانا السلطان من البيمارستان كاد أن لا يدخلها إعراضا عنها وفراغا منها، ثم دخلها بعد أن وأن، وما كلّ سرّ يحسن به العلن. وجلس بمحرابها، وجلس مدرّسها قاضي القضاة شهاب الدين ابن الخويّ(4)، (وشرعوا في البحث)(5).
= الحنفا 1/ 229، ومآثر الإنافة 1/ 315، والمواعظ والاعتبار 1/ 351 - 354 و 2/ 222، والنجوم الزاهرة 4/ 69 - 79، وشذرات الذهب 3/ 52، وبدائع الزهور ج 1 ق 1/ 45 - 48، وتاريخ الخلفاء 407، وتاريخ الأزمنة 70، 71، وأخبار الدول (طبعة حجر) 190، والإعلام بوفيات الأعلام 155، والإشارة إلى وفيات الأعيان 181، والجوهر الثمين 1/ 247 - 249، والمجالس والمسايرات (في مواضع مختلفة)، وأخبار مصر لاين ميسّر 159 - 168، والمؤنس 63 - 66.

(1) أنظر عن بناء البيمارستان في: تشريف الأيام والعصور 55 - 57، والتحفة الملوكية 111، ونهاية الأرب 31/ 105 - 110، وتاريخ ابن الفرات 7/ 278، والمواعظ والاعتبار 2/ 406، والنجوم الزاهرة 2/ 326، 327، والسلوك ج 1 ق 3/ 716، 717، 725.

(2) الصواب: «الأربعة».

(3) نهاية الأرب 31/ 106، 107.

(4) هو محمد بن أحمد بن الخليل بن سعادة المعروف بابن الخويّي، نسبة إلى خويّ، بضمّ الخاء المعجمة وفتح الواو وبعدها ياء تحتية، وهي مدينة من أذربيجان أي إقليم تبريز. توفي سنة 693 هـ. (السلوك ج 1 ق 3/ 804، شذرات الذهب 5/ 423 وفيه «أحمد»، والبداية والنهاية 13/ 337، وغيره).

(5) عن الهامش.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٦٩)
واتّفقت قضيّة غريبة، وهي أنّ الآية التي / 123 ب / اتّفق بحثهم في تفسيرها قوله تعالى: {وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَاّ اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}(1). فقال قاضي القضاة: اختلف العلماء في الوقف في هذه الآية. فقال قوم: الوقف على «الله». وقال قوم: لا يجوز الوقف على «الله»(2). فقام مولانا السلطان وقال: ليش(3) ما يجوز الوقف على «الله»؟ كيف تخرجونا بلا أجر؟

واعتقد بتركيّته وغتميّته أنّ البحث في معنى ما وقفه بهذه البقعة. فخرج إلى القبّة التي أعدّها لمواراته. وشحنها بمحكم آياته(4).

ولسان الحال ينشد:

فهنّيتها دارا وبطن ضريحها خال

وفي إيوانها لك مجلس، وهي قبّة قد علا رواقها، وتلألأ إشراقها. وحسن رخامها، وكثر من القرّاء والذّاكرين الله زحامها. وتوفّر رزقها، وتعيّن حقّها. وتألّق بالمثوبات أفقها.

والذي نفق في هذه / 124 أ / العمارة ألوف من الدنانير ما لا تحصره الأقلام، ولا تكاد تتخطّى إليه الأوهام. والي أنفق في عمارتها من السّعادة السلطانية أنّ الدار التي عمّرت مدرسة هي من جملة أدر القصر المذكور. وكان يسكنها أمير يقال له قراسنقر المعزّي، وحمله الطّمع على أن تزوّج جارية من جوار(5) شجر الدّرّ(6) سريّة الملك الصالح نجم الدين أيّوب(7)، ولد السلطان الملك الكامل، تغمّدهما الله برحمته. وشكر عن سالفنا وأنفنا صدقة كلّ منهما وعوّضهما خير جنّته.

وكانت هذه الجارية خزان دارة شجر الدّرّ. ولمّا قتلت ورميت من سور
(1) سورة آل عمران: الآية 7.

(2) كرّر المؤلّف في الأصل سهوا: «وقال قوم لا يجوز الوقف على الله» وتنبّه بعد ذلك فشطب عليه.

(3) هكذا وهو لفظ عامّي، بمعنى: لأيّ شيء. وبالعامّية المصرية: «ليه».

(4) نهاية الأرب 31/ 112، تاريخ ابن الفرات.8/ 1.

(5) الصواب: «جواري».

(6) قتلت شجر الدرّ في سنة 655 هـ. أنظر عنها في: النور اللائح لابن القيسراني - بتحقيقنا - ص 56، وتاريخ ابن سباط 1/ 372 وفيه مصادر كثيرة لترجمتها.

(7) توفي الصالح أيوب ابن الملك الكامل محمد بن أبي بكر بن أيوب في سنة 647 هـ. أنظر عنه في: تاريخ ابن سباط 1/ 345، 346 وفيه حشدت مصادر ترجمته.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٧٠)
القلعة انفصلت هذه الجارية بجملة من مالها، وجابت جيّدا(1) من توفّر حالها، فحاولها المعزّيّ هذا فيما طمع فيه بزواجها، فأنكرته وأبدت العجب العجيب من احتجاجها. فلمّا خافت أن يهاجمها فيأخذ مالها، ولا يحسن مآلها، دفنت ما معها وماتت، ومات / 124 ب / وانقضت دون ذلك سنوات فسنوات.

فلمّا شرع في هدم هذه الدّار لبنائها مدرسة ظفر أحد الفعلة بحقّ أشنان مرصّص، فخبّأه في عبّه، وأخفاه عن صحبه.

ثم أخذوا في الحفر، فطلع لهم قمقم كبير مملوء من الذّهب الإبريز، فلم يمكن إخفاؤه لكبره. وسار الأمر إلى الأمير علم الدين الشجاعي، فأحضره وفكّ ختمه وختم الحقّ الأشنان(2). فأمّا القمقم فهو مملوء ذهبا. وأمّا الحقّ الأشنان فإنّه مملوء جواهر. وللوقت أحضر الأمير علم الدين الجوهريّة وقوّم. فأخبرني من لفظه أن قيمة ما وجد مقدار ما غرم على هذه العمارة من البيمارستان والقبّة المقدّسة والمدرسة مرّتين. وهذا إنّما هو بسعادة مولانا السلطان، وحسن العوض الذي هو لعوض الآخرة عنوان وأيّ عنوان.

 

‌ذكر مظلمة عظيمة أزالها مولانا السلطان

/ 125 أ / كان الناس في شدّة شديدة من أمر ما لم يفرضه الله تعالى من زكاة يقال لها زكاة الدّولبة(3)، أفقرت التجّار، وعفت وما عفت الآثار، وخرّبت الديار. وهي زكاة مقرّرة تؤخذ في كلّ سنة من غير وجوب، ولا متجر به التاجر يؤب(4). وبطل جماعة التجارة من جورها، وهي منهم تجبى، والحريم بهروب أزواجهم تسبى.

فلما ملك مولانا السلطان أبطل رسمها، ومحى إسمها، وأزال وسمها،
(1) في الأصل: «وجابت جيد».

(2) الأشنان: قالوا إنه ليس بعربيّ، وفيه لغتان: ضمّ الهمزة وكسرها. والأشنان هو الحرض. وهو نبات من الحمض تغسل به أو برماده الأيدي بعد الطعام. (سفر السعادة وسفير الإفادة، للسخاوي - ج 1/ 64).

(3) قال ابن دقماق: وأبطل من المظالم زكاة الدولبة، كان يؤخذ على كل من كان عنده مال زكاته، فإذا مات الشخص أو عدم ماله يؤخذ منه. أو ورثه ولده يؤخذ من الولد. فأبطل ذلك. (الجوهر الثمين 2/ 104).

(4) الصواب: «يؤوب».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٧١)
وكتب توقيعا بمسامحتها قرئ على المنابر، ومزّق ما احتوته من دفاتر. وادّخر مولانا السلطان أجرها لليوم الآخر.

 

‌ذكر ما سامح به أيضا

كانت الأموال في تلك الفترة السّعيديّة قد انساقت بواقي، وبلاد تحصيلها بعسف فلاّحيها قد عادت شراقي، فسامح بجملتها وعمّر البلاد، وأمّن العباد برفع ثقلتها، وسيرت التواقيع / 125 ب / بما به من ذلك قد سمح، وترنّم بها لسان الخطباء على أعواد المنابر وصدح.

 

‌ذكر عفّة مولانا السلطان عن سفك الدّماء

كان مولانا السلطان لا يسفك دما، ولا ينقل فيه إلى التجرّي على الله قدما. ولا يأمر فيه إلاّ بما أمرت به الشريعة المحمّديّة. وإذا عرض من ذلك شيء أحضر العلماء باختلاف المذاهب واستفتاهم في تلك القضيّة.

 

‌ذكر شيء من قعدد مولانا السلطان وثبته ورياسته

ما زالت الملوك في أسفارهم إذا خرج الطلب من المنزلة ساقوا تحت الصّناجق مقدارا يسيرا، وخرجوا من تحتها في شرذمة يسيرة من خواصّهم للصيد والقنص (وأفلتوا من طلبهم كما يفلت الطائر من القفص)(1)، إلا مولانا السلطان فإنّه لم يرض بهذه الخفّة، ولا طار في هذه الجفّة. / 126 أ / بل كان لا يفارق أعلامه من المنزلة إلى المنزلة، ولا يرى أن تكون خلوا من أيّ جماله المنزلة.

وأقام في الملك ما أقام ولم يقصد الحمّامات، ولا وصل إلى السكندريّة، ولا توغّل بالدّرك في تلك البرّية. وردّه عن ذلك ما له من التجربة وحنكتها، والدّربة وملكتها. ولا سافر إلى الشام عبثا، ولا خرج إلاّ لمهمّ عدوّ، ولا شكي مصاحب لسفره معه وعفا، خلّد الله سلطانه ما أهناه، وأكمل لفظه بمعناه، وأحسن سمته، وأهون عليه. وإن عزّ ما رمته منه وسمته. وأثبت جأشه، وأحسن رياشه. وليس لله بمستنكر إيداعه في خلقه وخلقه.
(1) ما بين القوسين عن الهامش.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٧٢)
‌ذكر ما أثّره مولانا السلطان ممّا عمّ نفعه

كانت بأعمال البحيرة بلاد لا يبلغها النيل، ولا يصل إليها على عموم ماله من مسيل، وتمادى تشريقها وإلى أيّامه. / 126 ب / واستمرّ عدم ريّها انتظارا لسائع لا بل سائغ إنعامه. وفاتت يحدّ بها خزائن أموال، وشون تشرح الصّدور إذا ضاقت صدورها بالغلال.

فلمّا اطّلع مولانا السلطان على تفويت مصلحتها وإهمال الملوك لتدبير ريّها لعدم رؤيتها. وإعمال الفكرة وما يتيحه صواب رؤيتها. وما هو إلاّ أن حبا الله لمولانا السلطان بحسنتها، وادّخرها لأن يستسنّ سنّتها. وللوقت تقدّم أمر مولانا السلطان بالكتابة إلى والي الأعمال بأن يجمع الخولة وأرباب الخبرة من المهندسين، وأن يركب بنفسه ويكشف من أين يسترق الماء لريّ هذه الأراضي من أسافل العمل وأعاليه. وأن يدقّق النظر (فيه)(1) ليأخذ الماء من مجاريه. وللوقت بادر هذا المتولّي إلى امتثال المراسم، وخرج بمن عيّن ليتتبّع ما هناك من المقاسم. ووردت مطالعته متضمّنة وقوع الاختيار على أن يحتفر فم(2) من جهة يقال لها الطيريّة، وقرينه إشهاد على أرباب (الخبرة)(3) / 127 أ / بذلك.

فبادر مولانا السلطان بنفسه وجيشه، وأمراء دولته وخاصّكيّة خدمته. وتوجّه إلى الأعمال وقد شحن البرّ والبحر بعساكره لانتهاز هذه الفرصة، وإساغة هذه الغصّة.

وكنت في خدمته كاتب درج(4)، فرأيته منتصبا بنفسه من الشمس إلى الظّلّ، وأمراء دولته، وخاصكيّة مملكته، يعملون بالقفّة في الطّين والتّراب، مشوّهين تلك الصّور النهرية بالطّين، وإن كانوا مخلوقين منه، فتبارك الله المبدي من حسن مخلوقاته العجب العجاب. وحين رأيت تلك الأجسام
(1) كتبت فوق السطر.

(2) الصواب: «فما».

(3) عن الهامش.

(4) كاتب درج: بسكون الراء - هو الذي يكتب ما يوقّعه كاتب السرّ أو كتّاب الدّست. والدرج: هو الورق المستطيل المركّب من عدّة أوصال. (صبح الأعشى 1/ 138 و 12/ 477).
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٧٣)
الخالصة قد سيّبت بتتريبها، ولاح نقاء بياضها من خلال مشيبها لا مشيبها.

وقلت:

ما ترب المحبوب جسما بدا من فضّة لمّا عرى من ثياب

إلاّ لتملّ العين من حسنه وليس يملى(1) العين إلاّ التراب

ولم يزل مولانا السلطان إلى أن روّى وما تروّى(2) / 127 ب / وواسا(3) إلى أن سوّى، وأجرى الماء حتى في العود، وجاء إلى سعد أخبية الماء فأظفر منه بسعد بلغ ما له من سعد السّعود. وعاد إلى كرسي مملكته، وقد أثر ما يبقى له ذكره على توالي الأيام، ويتعيّن شكر ماله من الإنعام حتى على الأنعام.

 

‌ذكر ما اتفق في أمر عكا بعد المهادنة

واستمرّت الفرنج الملعونون تحت ظلّ هذه الموادعة، إلى أن قضت خيانتهم بتقليصه. واستقرّوا في هناء العيش إلى أن ختم سوء اعتمادهم بتنغيصه، ولم يشعر مولانا السلطان إلاّ وقد بلغه أنّ الفرنج بعكّا استطالوا على جماعة من المسلمين بها من التّجار وغيرهم فقتلوهم(4)، وبالنسبة إلى كثرتهم استقلّوهم. وللوقت رسم مولانا السلطان فكتب إليهم، وأنكر عليهم، وأعلموا أنّ هذا ناقض للعهد، مناف للودّ.

فورد كتاب / 128 أ / مقدّميهم أنّه إنّما حصل بسبب أنّ الفرنج والمسلمين اجتمعوا في مشربة، وحملهم السّكر على العربدة، وأنّنا أمسكنا جماعة من الفرنج ممّن كان في المشربة، وشنقناهم، فأعيد إليهم الجواب بما صورته: «صدقتم في أنكم شنقتم، ولكن المسلمين. ونحن واصلون بمشيئة الله تعالى إليكم، فجهّزوا الضيافة».
(1) الصواب: «يملأ».

(2) تكرّرت في آخر الوجه 127 أوأول الوجه 127 ب.

(3) الصواب: «وواسى».

(4). التحفة الملوكية 122، نهاية الأرب 31/ 171، تشريف الأيام والعصور 177، المختار من تاريخ ابن الجزري 336، تاريخ الإسلام (حوادث سنة 689 هـ). دول الإسلام 2/ 143، عيون التواريخ 23/ 47، السلوك ج 1 ق 3/ 753، عقد الجمان (3) 10 و 55، النجوم الزاهرة 7/ 324، تاريخ بيروت لصالح بن يحيى 22، تاريخ ابن الفرات 8/ 92، لبنان من السقوط بيد الصليبيين حتى التحرير 382، 383.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٧٤)
ثمّ إنّ مولانا السلطان استحضر أمراء مشوره، وأجرى الحديث معهم في غزو القوم بسبب هذه الفتنة، وقصدهم بما كانوا يتستّرون به من المهادنة من المحنة، فاعترض الأمراء بحديث الهدنة وأنّها ألزمت بأيمان، وتنزّلت منزلة الأمان، وتضمّنت عهدا وحفظ العهد من الإيمان.

فأشار مولانا السلطان إلى صاحب ديوان مكاتباته فتح الدين بأن يتتبّع الهدنة، لعلّ أنّ نظفر منها بمستند في قصد القوم، وأن يتلمّح منها ومن هذه القضيّة الواقعة / 128 ب / ما يبلغ منهم المروم بالحدّ لا تمليس الأشمام بالتهديد، وليس الأشمام كالرّوم.

وكنت كتبت هدنتهم، وعندي نسختها، فاجتمعنا أنا ووالده الصدر محيي الدين، وهو، وقرئت الهدنة من أوّلها إلى آخرها مرارا، فصمّم الصدر محيي الدين أن لا فسحة فيها، ولا موجب فسخ من باديها ولا خافيها. فالتفت إليّ وقال: ما تقول أنت؟

فقلت: نحن مع غرض مولانا السلطان إن كان في فسخها ففيها فسحة تقتضي فسخه. وإن لم يكن له غرض في فسخها ففي محكمها ما لم يقتض نسخه.

فقال: مولانا السلطان متحمّل عليهم، يودّ لو أعير جناحي طائر ليطير إليهم.

فقلت: يتأمّل مولانا هذا الفصل من الهدنة. وهو على أن تكون التجّار والسّفّار والمترددين، آمنين مخفرين من الجهتين في حال سفرهم وإقامتهم، وصدورهم وورودهم. هذا نصّ الفصل الذي تضمّنته الهدنة.

فقلت له: وهؤلاء الذين اعتمد فيهم ما / 129 أ / اعتمد تجّار. وقد خولف شرط الهدنة في إهمال أمرهم إلاّ أن تقوم بيّنة ممّن هو مرصد من نوّاب المسلمين الضّابطين للدعاوى.

فقال: قد وردت كتب النّوّاب بأنّ الأمر لم يكن كما أنهوه، وأنّ المسلمين الذين شنقوا.

فقلت: لقد انفسخت الهدنة بهذا الحكم.

فلمّا أفتي مولانا السلطان بفتحها عزم، إلاّ أنّ الأجل ردّه من الطّريق. وموافاة المنيّة قد حملت كلّ قلب من مكانه ما لا يطيق.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٧٥)
‌[وفاة السلطان قلاوون]

وبرز مولانا السلطان لظاهر القاهرة المحروسة، وخيّم بمسجد التّبن(1) في عساكره التي ملأت الفجاج، فزادت على عدد ما للبحار من أمواج. فحصل له بهذه المنزلة مرض رمي الدّم، فأقام أيّاما وقضى بمخيّمه، ووافاه المنون بمحتّمه(2).

وشقّت عليه الجلود لا الجيوب، وكادت الجبال تذوب لا القلوب، وانحنت السيوف لا الظهور، واندقّت الرماح لا الصّدور. وساء الورود ذلك الصّدور. / 129 ب / وقدّرت حمامه بتلك المنزلة فحلّ بها حين حلّها، ومنيتّه بتلك البقعة في تلك المدّة وما كان أكثر همومها واقلّها.

ومن كتبت منيّته بأرض فليس يموت في أرض سواها

وجعل في تابوت، وطلع به إلى قلعته، وقد ساءها سوء رجعته. ولم يزل بها إلى أن اشتدّ أمر ولده السلطان السعيد الشهيد الملك الأشرف صلاح الدين خليل. وتمّ سلطانه ولزم، وختم بأمر ملكه وحزم. ثم نقل إلى قبّته المقدّسة بالقاهرة المحروسة ليلا، وقد أوسع الناس ويلا.

فرحم الله تلك الروح الزكيّة، وأنالها رتبة الرفيق الأعلا(3)، فإنّها آخر ما كان يؤمّله من الرتب العليّة.
(1) في نهاية الأرب 31/ 173، والسلوك ج 1 ق 3/ 755، والمواعظ والاعتبار 2/ 412، «التبر» والمثبت يتفق مع تاريخ ابن الفرات 8/ 97، وقال المقريزي: وهو يقع خارج القاهرة ممّا يلي الخندق وتسمّيه العامّة التبن. وهو خطأ. وهو قريب من المطريّة. وتبر أحد كبار الأمراء في أيام كافور الإخشيدي (المواعظ والاعتبار).

(2) توفي المنصور قلاوون رحمه الله يوم السبت 6 من ذي القعدة سنة 689 هـ / 1290 م. أنظر عنه في: تشريف الأيام والعصور 177 - 182، والمختصر لأبي الفداء 4/ 23، 24، وآثار الأول 76، وتالي وفيات الأعيان 129 رقم 206، ونهاية الأرب 31/ 173، والتحفة الملوكية 122 - 125، والدرّة الزكية 301 - 303، ودول الإسلام 2/ 188، 189، والعبر 5/ 3 / 363، وتاريخ الإسلام (689 هـ). وتاريخ ابن الوردي 2/ 235، ومرآة الجنان 4/ 208، والبداية والنهاية 13/ 317، 338، وتذكرة النبيه 1/ 135، وفوات الوفيات 2/ 269 رقم 354، وتاريخ ابن خلدون 5/ 403، ومآثر الإنافة 2/ 124، ودرّة الأسلاك 1 / ورقة 97، والسلوك ج 1 ق 3/ 754 - 756، وعقد الجمان (2) 12 - 21، والنجوم الزاهرة 7/ 292 - 343، والمواعظ والاعتبار 2/ 238، ومورد اللطافة لابن تغري بردي 42 - 44، والجوهر الثمين 2/ 99 - 104، وتاريخ ابن سباط 1/ 493، 494، وشذرات الذهب 5/ 409، وبدائع الزهور ج 1 ق 1/ 360 - 363، وأخبار الدول 199، 200، وتاريخ الأزمنة 266، وتاريخ ابن الفرات 8/ 96، 97.

(3) الصواب: «الأعلى».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٧٦)
‌[رثاء المؤلّف للسلطان قلاوون]

وقلت فيه مرثيا:

هي المنيّة لا بالحيل والحيل تردّ سطوتها عن حائن الأجل

كم جال ما جلّ منها بين ذي أمل وبين ما كان يرجوه من الأمل

/ 130 أ / كم أثكلت أهل مفقود وكم تركت دمعا مصونا بمنهلّ ومنهمل

لم تبق من أحد حتى تجرّعه كاساتها بين أهل العل والنّهل

يمسي المؤمّل للدنيا وسرعتها إلى التّزوّد للأخرى على مهل

والموت يحتفل بالمرء يأخذه وهو المغفّل غرّ غير محتفل

لم يغض عن ملك يوما لعزّته ولو فدي بغرر الخيل والخول

ولا حمته جنودكم حمت ملكا من غيره بحسام سابق العذل

تبيت من عزمه تخشى غوائله ويتّقى حذرا منه على وجل

لا فرق في أخذه الأرواح بين فتىّ عالي المكانة محميّ ومستفل

أين الأولى(1) شيّدوا الأملاك وافتتحوا

مغالق المدن من سهل ومن جبل

أين الّذين بنوا الأهرام واحتفلوا بصونها من دواهي الزّيغ والزّلل

/ 130 ب / أين الّذين رأينا في الوجود لهم عجائبا(2) من ذوي الأديان والملل

أين المليك الذي بالأمس مصرعه حدّث بما شئت عن أوصافه وقل

قلاون سيف دين الله من شهدت له المواقف في الأبكار والأصل

كم شاهد الناس منه في مواكبه ملى(3) المسامع والأفواه والمقل

معظّم الملك عاليه ولا عجب أعلى الممالك ما يبنى على الأسل

كان العليم بأدواء الزّمان له فضيلة العلم والإفضال بالعمل

يمشي إلى الحرب في الهيجاء منجملا من لذّة النصر مشي الشارب الثّمل

تكفيه وقعة حمص والثبات بها وقد ترغرغت الدنيا من الفشل

يكفيه فتح قلاع كم مضى ملك لفتحها يده للعجز لم تطل

سقيا لدولته ما كان أحسنها كأنّها غرّة في جبهة الدّول
(1) الصواب: «الألى».

(2) الصواب: «عجائب».

(3) الصواب: «ملء».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٧٧)
كانت ولا مثل والأقدار تخدمها حتى سرى ذكرها في الناس كالمثل

/ 131 أ / أغرر عليّ بأن أحيا إلى زمن أراه فيه عن الدنيا بمنتقل

أبكي وأنكي لمن كانت مقالته ونحن أغلظ أكبادا من الإبل

لهفي عليه لقد غمّت مصيبته وعمّت الناس من حاف ومنتعل

وصيّرت كلّ قلب بعد فرغته من الشواغل بالأحزان في شغل

وأضرمت في الحشا نارا تأجّج في فيض المدامع مثل العارض الهطل

إن زال عن ملكه بالموت إنّ له عند الإله لملكا عنه لم يزل

في جنّة الخلد في أعلا (1) القصور على أعلا(1) الأسرّة يحبى أشرف الحلل

فهو السّعيد إذا دنيا وآخرة عن عهده السّعد في الدّارين لم يحل

مضى وخلّف فينا من لسنّته أحيى(2) ويسّر ما للخير من سبل

وسدّ من بعده إذ حلّ سدّته بأهبة(3) الملك ما للدهر من خلل

«الأشرف» الملك المغني بصولته عن القواضب والعسالة الذّبل

/ 131 ب / نصّ الشهيد عليه نصّ مختبر من حاله الحال بالتفصيل والجمل

فالله يبقي عليه ملكه أبدا لا يبتغي عنه طول الدّهر من حول

 

‌[فتح عكّا]

ولمّا قضى الله في مولانا السلطان بما قضى، وقابل ولده الملك الأشرف (مصابه)(4) بالتسليم والرضى(5)، اقتضى برّه أن لا يضيّع سعي والده، وإن كان الله قد كتب أجره ووفى برّه. {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً}(6).

ثمّ عزم مولانا السلطان الملك الأشرف وقصدها بجيوش والده الذين كانوا أعدّوا لاستئصالها، وتأهّبوا لنضالها، فقصدها على ما رتّبه والده من التّهيئة(7) لحصارها، فوجد الأمور عند توجّهه وقد جهّزت، والمجانيق وقد تأهّبت، فغزاها صورة ووالده رحمه الله معنى، وعنى بوصيّة والده فيها فنفّذها / 132 ب / وما
(1) الصواب: «أعلى» في الموضعين.

(2) الصواب: «أحيا».

(3) الصواب: «بأبّهة».

(4) عن الهامش.

(5) الصواب: «والرضا».

(6) سورة النساء: الآية 100.

(7) في الأصل: «التهياة».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٧٨)
زال ببرّه أعنى. فما وقفت بين يدي مجانيقه، ولا ثبتت إلاّ ريثما دهمها بطروقه. واستأصل شأفتها، وفرّق ألفتها، وأزال عن البلاد الإسلامية كلفتها. وهدمها إلى الأرض، وقضى في سنّة غزوتها له ولوالده(1) السّنّة والفرض. وجعلها {حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ}(2)، وغادر معاهدها صرعى كالّذي {يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ}(3). وأباح خزائها للبوم، وجعلها عبرة للمارّ عليها من أعداء الله الفرنج، الذين أخر دمارهم تدبّرهم الروم(4).

 

‌[تهنئة الأشرف خليل بفتح عكا من إنشاد محيي الدين بن عبد الظاهر]

وفي هذه الغزوة يقول الصّدر الفاضل محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر مهنّئا للسلطان الملك الأشرف:

بعث النصر للبلاد بريدا يتخطّى تهايما ونجودا

بفتوح كنّا نراه قريبا ويراه دين الصليب بعيدا

قال: بشراكم سيوف الأعادي تحدوها سلاسلا وقيودا

/ 132 ب / إنّ هذا خليلا الملك الأشرف سلطانكم أغاث الوجودا

جاء عكّا محاصرا فتداعت ولأهل الإلحاد صارت لحودا

كيف تبقى أسوارها مع نقوب صبّحت أوجه المعاول سودا

كم إلى الكافرين والى وعيدا منه أنساهم صياما وعيدا

ولكم قد أصاب كبدا وريدا بسهام لم تخط منهم وريدا
(1) في الأصل: «والوالده».

(2) سورة يوسف: الآية 24.

(3) سورة البقرة: الآية 5، 2.

(4) كان فتح عكا يوم الجمعة 17 من جمادى الآخرة سنة 690 هـ / 1291 م. أنظر عنه في: تاريخ الزمان 366، والمختصر في أخبار البشر 4/ 24، 25، ونهاية الأرب 31/ 195 - 199، والتحفة الملوكية 126، 127، والدرّة الزكية 308 - 322، وتاريخ سلاطين المماليك 1 - 7، ودول الإسلام 2/ 189 - 191، والعبر 5/ 364، 365، والمختار من تاريخ ابن الجزري 339 - 341، وتاريخ الإسلام (690 هـ)، وتاريخ ابن الوردي 2/ 235، 236، ومرآة الجنان 4/ 209، وتذكرة النبيه 1/ 137، والبداية والنهاية 13/ 320، 321، والجوهر الثمين 2/ 110، وتاريخ ابن خلدون 5/ 404، والسلوك ج 1 ق 3/ 764 - 767، ومشارع الأشواق 2/ 948، 949، وعقد الجمان (3) 54 - 67، والنجوم الزاهرة 8/ 5 - 11، وبدائع الزهور ج 1 ق 1/ 368، 369، وتاريخ ابن سباط 1/ 497، وتاريخ ابن الفرات 8/ 110 - 113، والمقفّى الكبير 3/ 795، 796.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٧٩)
حبسهم في خزانة لبنود قال: خافوا إذا رأيتم بنودا

إن تسموا بآخرة فلقد صار مناهم بأن يسموا عبيدا

أيّها السّامعون فتح صلاح الدّين هذا فتوحه قد أعيدا

أهل صور كذلك صيدا قد تهيأت صيدا لهم موجودا

إن غدوا كلّهم يكيدون كيدا ليس يرضى لسيفه أن يكيدا

قد رعى في فتوحها لأبيه ولكلّ من الأنام عهودا

/ 133 أ / أنجدته ملائك وملوك كثّرت عسكرا له وجنودا،

فبجوّ السماء منها حشود ملأته والأرض ملأى(1) حشودا

غزوة كم لها على الأرض حقّ عمّ بالأمن حاجرا(2) وزرودا(3)

شكرت مكّة لعكّة فيه حسن إنجازها لفتح وعودا

يا لها غزوة لها الحور قالت: حبّذا من يموت فيك شهيدا

كتب الله ذكرها في التّواريخ وأبقى لها هناك خلودا

عزّ منها الهدى وذلّ أهل عكّا وتمنّوا لو يصبحون يهودا

ويودّون جزية ويصيرون أسارى أو يمسخون قرودا

كم كنيس قالت إليّ فإنّي لست أرضى إلههم(4) معبودا

يا أجلّ الملوك يا أشرف الخلق ومن جوده أغاث الوجودا

شكر الله غزوة لك في الكفر أرتنا مقامك المحمودا

كحنين(5) فيها الملائك جاءت

مردفات تستصحب التأييدا

يجعل الكفر في النقوب دفينا ويعيد الإيمان خلقا جديدا

/ 133 ب / كم بها منهم غلاظ شداد تجعل الناس والحجار وقودا

ومجانيق لا تميل صدورا ونقوب ما إن تملّ ورودا
(1) في الأصل: «ملي».

(2) حاجر: بالراء المهملة. موضع في ديار بني تميم. (معجم ما استعجم 1/ 416).

(3) زرود: بفتح أوله وضم الراء، وفي آخره الدال المهملة: جبل رمل بين ديار بني عبس وديار بني يربوع. (معجم ما استعجم 1/ 696).

(4) في الأصل: «الاههم».

(5) حنين: بضمّ الحاء وفتح النون، وهي غزوة كانت في السنة الثامنة للهجرة. (سيرة ابن هشام) - بتحقيقنا - ج 4/ 81 - طبعة دار الكتاب العربي، بيروت 1408 هـ. / 1987 م).
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٨٠)
كم لهم أرسلت وقالت فلينوا أو فكونوا حجارة أو حديدا

كم مريد منها أصاب مريدا أو كنود منها أجاب كنودا

تتجافى عن المضاجع لله قياما كما ترى وقعودا

لو يكن للصليب نطق لنادى: أنت يا منجنيق أصلب عودا

أنت أولى بأخذ ثاري ممّن قال عنّي كذبا وزاد جحودا

كم أرتهم من الرجال طريحا وأرتنا من الزّحام طرودا

ولكم بالعقود أوفت ووافت هادمات من البروج عقودا

كم مروج لها تعادي بروجا وحقول منهنّ تبدي حقودا

كم بأسوارها أقامت شرورا ولأحجارها أدامت شرودا

من آيته يقول: هذي هي(1) الموت فلا يستطيع عنه محيدا

من رآها يقول كوّنت السّحب حجارا تبدي الهفيف رعودا

/ 134 أ / هاتمات الثغور من شرفات مشرفات على الثغور صعودا

نبتت أغصنا عظاما فجاءت ليس تحكي، كما يقال، القدودا

كلّ سهم منها إذا أوقفوه فلق الصّبح قد أقام عمودا

لو يكن يأمن الحمام من التغريد وافا(2) فأحسن التغريدا

كم بكفاتها يكفّ عدوّ ويصدّ الأعداء صدودا

يا لها من حوامل مقاربات وهي في وقتها تصير ولودا

كم بتلّ الفضول تلت سدودا وبباب الثورين شلّت أسودا

تقشعرّ الجلود منها إذا ما أبصروها وهنّ تكسى جلودا

كلّ هذا بسعد أشرف ملك زاده الله بسطة وسعودا

ملك فرغ الخزائن جودا وملى(3) الأرض عدّة وعديدا

(كم (كنيس)(4) أخلى وكيّس

وكلّ منهما أصبح الفقير الفقيدا

ويل عكّا وويل إخوة عكّا بدّد الله شملهم تبديدا
(1) هكذا في الأصل. والصواب: «هذا هو».

(2) الصواب: «وافى».

(3) الصواب: «وملأ».

(4) عن الهامش.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٨١)
حتّم الله قتلهم حتى أمسى كلّ نقب في سورهم أخدودا

/ 134 ب / خرّبوا مسجد الصّالح فيها فأتاهم ما كان أردى ثمودا(1)

وبه عاد هلك عاد إليهم إذ له المؤمنون أمسوا شهودا(2)

عجبا يا خليل نارك برد(3) وهي تشوي من الفرنج الكنودا(4)

أنجز الله وعده لك بالنصر وللمؤمنين أنسى قصودا

فاشكر الله واغتنم للنصر فاجئ صورا وصيدا مبيدا

أنت يا ابن المنصور منصور جاءت لك بشرى أخرى تحتّ البريدا

دمت للناس ملجأ وعلى الخلق سياجا وللوجود وصيدا

 

‌وقلت مهنّئا أيضا بهذه الغزوة وكتبت بها إليه

حكمت برفع لوائك الأقدار فإليك بالنصر العزيز يشار

فعلت مهابتك التي أعطيتها بالرعب ما لا تفعل الأنصار

كما نزلت على الفرنج(5) مطلّبا

دهشوا لما قد شاهدوه وحاروا

سقطت قواهم إذا أتيت بعسكر ملأ الفيافي والقفار فخاروا

/ 135 أ / أقبلت والأتراك حولك أنجم وتمام وجهك بدرها السّيّار

وعليك (أبّهة)(6) تلوح وهيبة

وجلالة وسكينة ووقار

راموا الفرار وقد رأوا ما هالهم أنّا(7) يكون مع الهلاك فرار

سجدت لديك تقبّل الأرض التي شرفت وانطوت حولك الأسوار

صبّحتهم وديارهم معمورة فغدت خرابا لها آثار

وقراهم لمّا نزلت عليهم أرواحهم جادت بها الأعمار
(1) إشارة إلى النبيّ صالح عليه السلام وقوم ثمود، في قوله تعالى: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً سورة الأعراف: الآية 73.

(2) إشارة إلى الآية رقم 7 من سورة البروج: وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ.

(3) إشارة إلى الآية رقم 69 من سورة الأنبياء: قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ. وقوله: «يا خليل» أي السلطان الأشرف، وهو يتّفق مع خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام.

(4) في الأصل: «الجلودا» ثم شطب عليها، وكتب فوقها: «الكنودا». والكنود: مفردها: كند، وهو الأمير.

(5) عند الفرنج.

(6) كتبت فوق السطر.

(7) الصواب: «أنّى».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٨٢)
غنّت سيوفك في الرقاب فأرقصت أجسادهم فلها الرؤوس(1) نثار

أجريت من دمهم سيولا فجرت في كلّ ناحية بها أنهار

ومحت ليالي الكفر بيض قد بدا منها لعين الناظرين نهار

أضحت منازلهم خرابا كلّها قفرا ألم يوجد بها ديّار

سألوا ملوكهم إعادة نجدة أرأيت روحا للتّلاف تعار؟

فأتتهم من كلّ جيش عصبة ملئت برور منهم وبحار

/ 135 ب / وردوا بسيفك منهلا مستوبلا لم يلف عنه لوارد إصدار

وغدوا وكاسات المنون عليهم بالمشرفيّ الأشرفيّ تدار

لو سلّموا سلموا ولكن كابروا فأتت أمور لا تطاق كبار

هل أبصروا حصنا منيعا قبلها خلاّه لم يهتك حماه حصار؟

لكن إذا نزل القضاء بساحة عميت عن رشدها الأبصار

أمسى عظيم القدر من كبرائهم شلوا حقيرا ماله مقدار

وعلت ملوكهم وقد حصروا بها من بعد (عزّ)(2) ذلّة وصغار

خانوا العهود ومن يخن فجزاؤه ويل وبيل أمره ودمار

نقضوا المهادنة التي كانوا (بها)(3) في راحة ما شانها إضرار

كان الشهيد نوى المصير إليهم فقضى عليه الواحد القهّار

فخلفته ولنعم أنت خليفة في مجده تتحيّر الأفكار

خبئت لفتحك فافتضضت بكارة منها ولكم (لك)(4) خبّئت أبكار

أيّام حصرهم لديك قصيرة لم لا وأيّام السرور قصار

/ 136 أ / دارت جيوشك حولها فكأنّما هي معصم وهم عليه سوار

وإذا تكلّمها المجانيق اغتدت من سورها تتجاوب الأحجار

قد دوّنت هذي الغزاة وسطرت وتحدّثت بحديثها السّمّار

لا عهد في ماضي السنين بمثلها ولها بطول بقائه أقطار

بشراك هذا مبدأ النّصر الذي تعلوا(5) به للمسلمين منار
(1) في الأصل: «الروس».

(2) كتبت فوق السطر.

(3) كتبت فوق السطر.

(4) كتبت فوق السطر.

(5) الصواب: «تعلو».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٨٣)
هذا فتوح ما سمعنا بمثله كلاّ، ولا جاءت به الأخبار

ما مثل عكّا في الحصون لأنّها أمّ القرى يأتمّها الكفّار

كانت لهم كرسيّ مملكة إلى تحصينها في المعضلات يصار

كم قد مضى ملك بغصّة فتحها وبقلبه منها تأجّج نار

ماتوا بغيظهم وكم من دونها عرضت موانع كلّها أعذار

حتى أتاها الأشرف الملك الذي خافت فرنج بأسه وتتار

فشفى صدور المؤمنين بفتحها وليفتحنّ بغزوه الأمصار

وليرفعنّ بسيفه وسنانه للمسلمين معاهد وديار

/ 136 ب / وليملكنّ الأرض طرّا عاجلا شرقا وغربا جيشه المغوار

ملك عطاياه الجسام لمن يروم على الدّوام بفيضها مدرار

سحب العطايا من سماء يمينه للمعتفين إذا تسحّ غزار

أغنى بأنعمه الفقير فبيته بيت الغنى يهدى له ويزار

ولكم غدا بيمينه للمعد (. . . . . . . . .)(1) وهموه يسار

يعطي الألوف وفقيره بينهم يبدوا(2) عليه بمنحها استبشار

ماذا أقول ووصفه ومديحه ما لا يحيط ببعضه الأشعار

فالله يبقي ملكه ما صفّقت أيدي الغصون وغنّت الأطيار

الحمد لله ربّ العالمين الرحمن الرحيم(3)
(1) في الأصل نحو أربع كلمات غامضة.

(2) الصواب: «يبدو».

(3) ورد بعدها أيضا: «الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٨٤)
‌[مطالعات الكتاب]

نظر في هادي(1) الكتاب المبارك الحاج إبراهيم بن الحاجّ أحمد بن الحاج إبراهيم، غفر الله لمن قرأه ودعا له ولوالديه والمسلمين بالمغفرة أجمعين.

وصلّى الله على مولانا وسيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا إلى يوم الدّين.

ورضي الله تعالى عن ساداتنا أصحاب رسول الله أجمعين.

بتاريخ ثاني عشر شهر القعدة من شهور سنة اثنا(2) عشر وتسعماية.

والخير يكون له بالله تعالى.

* * *

 

نضر(3) فيه في هد(4) الكتاب المبارك بد [ر](5) الدين ابن أحمد ابن الشيخ شراره المنبي رحمة الله عليه وغفر له ولمن قراه ودعا له ولوالديه وللمسلمين أجمعين بالمغفرة أجمعين.

وصلّى الله على محمد وآله وصحبه [وسلّم](6) تسليما كثيرا إلى يوم الدين.

من تاريخ سنة تسع وعش [رين وتسع](7) ماية.

* * *

 

/ 137 أ / الخطّ يبقا زمان(8) بعد كاتبه

وكاتب الخطّ تحت الأ (رض)(9) مدفون

يا ربّ اغفر لعبد كان كاتبه يا قاريء الخطّ قل بالله: آمين
(1) كذا. والصواب: «هذا».

(2) الصواب: «سنة اثنتي».

(3) كذا. والصواب: «نظر».

(4) كذا. والصواب: «هذا».

(5) إضافة على الأصل.

(6) إضافة على الأصل.

(7) إضافة على الأصل.

(8) كذا. والصواب: «يبقى زمانا».

(9) ما بين القوسين كتب فوق السطر.
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ١٨٥)
كاتب؛ هاد(1) الخط)(2) الفقير عطا الله ابن الحاج حسن المشهور بابن الشيخ، غفر الله له ولمن قراه ودعا له ولوالديه (والمسلمين)(3) بلمغفرة(4) يوم الثلاثة(5) المبارك في نصف شهر شوال سنة اطنعشر(6) بعد ألف.

* * *

 

طالع فيه العبد الفقير إلى الله تعالى محمد ابن مهنّا الدوادار

طالع فيه العبد الفقير إلى الله تعالى محمد ابن مهنّا الدوادار(7) يوم الأحد المبارك (. . .)(8) خامس عشر رجب الفرد سنة تسع وتسعين وسبعماية.

* * *

 

طالع فيه العبد الفقير إبراهيم ابن الشيخ بن الشيخ ابن الشيخ.

* * *

 

/ 137 ب / ملك هادا(9) الكتاب الفقير الحقير عطاء الله ابن الحاج حسن المشهور بابن الشيخ سنة اطنعشر(10) بعد ألف 1012.
(1) الصواب: «هذا».

(2) ما بين القوسين كتب فوق السطر.

(3) كتب فوق السطر.

(4) كذا. والصواب: «بالمغفرة».

(5) الصواب: «الثلاثاء».

(6) كذا. والصواب: «سنة اثنتي عشرة».

(7) هكذا تكرّرت العبارة مرتين.

(8) هنا كلمة مطموسة.

(9) كذا. والصواب: «هذا».

(10) كذا. والصواب: «سنة اثنتي عشرة».
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٢٠٦)
‌فهرس المصادر والمراجع المعتمدة في تحقيق الكتاب

‌حرف آ

آثار الأوّل في ترتيب الدول - للعباسي

 

‌حرف الألف

إتعاظ الحنفا بأخبار الأئمّة الفاطميّين الخلفا - للمقريزي

أخبار الدول وآثار الأول في التاريخ - للقرماني

أخبار مصر - للمسبّحي

الإشارة إلى وفيات الأعيان - للذهبي

الإعلام بوفيات الأعلام - للذهبي

إعلام النبلاء في تاريخ حلب الشهباء - للطبّاخ

أعيان العصر وأعوان النصر - للصفدي (مخطوط)

الإلمام بالإعلام فيما جرت به الأحكام والأمور المقضية في واقعة الإسكندرية - للنويري السكندري (مخطوط)

أمراء دمشق في الإسلام - للصفدي

إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون - للبغدادي

 

‌حرف الباء

بدائع الزهور في وقائع الدهور - لابن إياس

البداية والنهاية في التاريخ - لابن كثير

البيان المغرب في تاريخ الأندلس والمغرب - لابن عذاري

 

‌حرف التاء

تاريخ ابن خلدون (العبر في ديوان المبتدا والخبر)
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٢٠٧)
تاريخ ابن سباط (صدق الأخبار) - (بتحقيقنا)

تاريخ ابن الفرات (تاريخ الدول والملوك)

تاريخ ابن الوردي (تتمّة المختصر في أخبار البشر)

تاريخ الأزمنة - للدويهي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام - للذهبي (بتحقيقنا)

تاريخ الأنطاكي - (صلة تاريخ أو تيخا) - (بتحقيقنا)

تاريخ البصروي - للبصروي

تاريخ بيروت - لصالح بن يحيى

تاريخ حلب - للعظيمي

تاريخ حوادث الزمان وأنبائه ووفيات الأكابر والأعيان من أبنائه - لابن الجزري (بتحقيقنا)

تاريخ الخلفاء القائمين بأمر الله - السيوطي

تاريخ خليفة بن خياط

تاريخ الخميس بأحوال أنفس نفيس - للديار بكري

تاريخ الرسل والملوك - للطبري

تاريخ الزمان - لابن العبري

تاريخ سلاطين المماليك - مجهول المؤرّخ (نشره زترستين)

تاريخ الطائفة المارونية - للدويهي

تاريخ طرابلس السياسي والحضاري عبر العصور - تأليفنا

التاريخ العربي والمؤرّخون - للدكتور شاكر مصطفى

التاريخ الغياثي - لابن فتح الله للبغدادي

تاريخ مختصر الدول - لابن العبري

تاريخ الملك الظاهر - لابن شدّاد

تالي كتاب وفيات الأعيان - للصقاعي

التحفة الملوكية - لبيبرس الدواداري

تحقيق النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة - للمراغي

تذكرة النبيه في أيام الملك المنصور وبنيه - لابن حبيب الحلبي

ترويح القلوب في ذكر ملوك بني أيوب - للمرتضى الزبيدي
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٢٠٨)
تشريف الأيام والعصور في سيرة الملك المنصور - لابن عبد الظاهر

تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب - لابن الفوطي

 

‌حرف الجيم

جامع التواريخ - لرشيد الدين الهمذاني

الجوهر الثمين في سير الملوك والسلاطين - لابن دقماق

 

‌حرف الحاء

حدائق الياسمين - لكنان

حسن المحاضرة في ملوك مصر والقاهرة - للسيوطي

حسن المناقب السرية المنتزعة من السيرة الظاهرية - لشافع بن علي (مخطوط)

الحوادث الجامعة - المنسوب لابن الفوطي.

 

‌حرف الدال

الدارس في تاريخ المدارس - للنعيمي

دار العلم بطرابلس - تأليفنا

الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة - لابن حجر العسقلاني

الدرّ المنتخب في تكملة تاريخ حلب - لابن خطيب الناصرية (مخطوط)

درّة الأسلاك في دولة الأتراك - لابن حبيب الحلبي (مخطوط)

الدرّة الزكية في أخبار الدولة التركية - لابن أيبك الدواداري

الدرّة المضيّة في الدولة الظاهرية - لابن أيبك الأواداري

الدعوة إلى الإسلام - لتوماس أرنولد

دول الإسلام - للذهبي

الدليل الشافي - لابن تغري بردي

 

‌حرف الذال

ذخيرة الأعلام - للغمري (مخطوط)

ذيل تاريخ دمشق - لابن القلانسي

ذيل الروضتين في أخبار الدولتين - لأبي شامة

ذيل مرآة الزمان - لقطب الدين اليونيني
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٢٠٩)
‌حرف الراء

الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر - لمحيي الدين بن عبد الظاهر

روضة المناظر في أخبار الأوائل والأواخر - لابن الشحنة

 

‌حرف الزاي

زبدة الفكرة في تاريخ الهجرة - لبيبرس المنصوري (مخطوط)

 

‌حرف السين

سفر السعادة وسفر الإفادة - للسخاوي

السلوك لمعرفة دول الملوك - للمقريزي

سنن أبي داود

سير أعلام النبلاء - للذهبي

سيرة ابن هشام - (بتحقيقنا)

سيرة الظاهرة بيبرس - لمؤرّخ مجهول

 

‌حرف الشين

شذرات الذهب في أخبار من ذهب - لابن العماد الحنبلي

شفاء القلوب في مناقب بني أيوب - للحنبلي

 

‌حرف الصاد

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - للقلقشندي

صحيح البخاري

صحيح مسلم

 

‌حرف الطاء

طبقات الشافعية الكبرى - للسبكي

 

‌حرف العين

العبر في خبر من غبر - للذهبي

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان - لبدر الدين العيني

عيون الأخبار وفنون الآثار - للداعي المطلق
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٢١٠)
عيون التواريخ - لابن شاكر الكتبي

 

‌حرف الفاء

فتوح النصر في تاريخ ملوك مصر - لابن بهادر المؤمني

فهرس المخطوطات المصوّرة بدار الكتب المصرية

فوات الوفيات - لابن شاكر الكتبي

 

‌حرف القاف

القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية - لابن طولون

 

‌حرف الكاف

الكامل في التاريخ - لابن الأثير (بتحقيقنا)

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون - لحاجّي خليفة

كنز الدرر وجامع الغرر - لابن أيبك الدواداري (مخطوط)

 

‌حرف اللام

لبنان من السقوط بيد الصليبيّين حتى التحرير - تأليفنا

لبنان من السيادة الفاطمية حتى السقوط بيد الصليبيّين - تأليفنا

 

‌حرف الميم

مآثر الإنافة في معالم الخلافة - للقلقشندي

المجالس والمسايرات - للداعي المطلق

المجموع اللفيف - للدكتور إبراهيم السامرائي

المختار من تاريخ ابن الجزري - للذهبي

مختصر التواريخ - لشهاب الدين السلامي (مخطوط)

المختصر في أخبار البشر - لأبي الفداء

مرآة الجنان وعبرة اليقظان - لليافعي

مرآة الزمان في تاريخ الأعيان - لسبط ابن الجوزي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - لابن فضل الله العمري (مخطوط)

المسند - للإمام أحمد

مشارع الأشواق إلى مصارع العشّاق - لابن النحّاس الدمياطي
الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور(ص: ٢١١)
معجم الألفاظ الفارسيّة المعرّبة - للسيد ادّي شير

معجم الألقاب والمصطلحات التاريخية - لمصطفى الخطيب

معجم البلدان - لياقوت الحموي

معجم المؤلفين - لكحّالة

معركة عين جالوت - للدكتور عبد السلام رؤوف

المغرب في حلى المغرب - لابن سعيد الأندلسي

المقتفي - للبرزالي (مخطوط)

المقفّى الكبير - للمقريزي

مناهل الصفا - للسيوطي

المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي - لابن تغري بردي

المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، للمقريزي

مورد اللطافة فيمن ولي السلطنة والخلافة - لابن تغري بردي (مخطوط)

 

‌حرف النون

نثر الجمان في تراجم الأعيان - للفيّومي (مخطوط)

نشوار المحاضرة - للتنوخي

نكت الهميان في نكت العميان - للصفدي

نهاية الأرب في فنون الأدب - للنويري

النهج السديد والدرّ الفريد فيما بعد تاريخ ابن العميد - لابن أبي الفضائل

النور اللائح والدرّ الصادح في اصطفاء الملك الصالح - لابن القيسراني (بتحقيقنا)

 

‌حرف الواو

الوافي بالوفيات - للصفدي

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان - لابن خلّكان

وفيات المصريّين - لابن الطحّان

الولاة والقضاة - للكندي